New Page 1

رسول اللّه‏ صلى ‏الله ‏عليه ‏و‏آله : إنَ‏كَثرَةَ الكلامِ بغَيرِ ذِكرِ اللّه‏ِ قَسوَةُ القَلبِ

 
 
یا ارحم الراحمین
 
یا ارحم الراحمین
 
الفصل الثالث أحكام الأوقات طباعة

الفصل الثالث أحكام الأوقات

ميزان وجوب القضاء على ذوي الأعذار

مسألة: إذا حصل أحد الأعذار المانعة من التكليف ـ كالحيض والجنون والإغماء ـ بعد مضيّ مقدار من الزمان يتمكّن فيه من أقلّ الواجب الصلاتي مع التطهّر وسائر الشروط، مع عدم الأداء، وجب القضاء، ولا يجب القضاء مع إدراك الأقلّ من ذلك على المشهور ؛ والأحوط مع العلم بطروّ العذر الإتيان بصلاة العاجز في الكميّة والكيفيّة، والتنزّل إلى البدل في ما له بدل لا يطول وقته، وإسقاط ما يسقط بالضرورة والعجز، وكذا القضاء مع عدم الأداء المذكور. ولا فرق في ذلك بين أن يكون زمان التمكّن أوّل الوقت، أو وسطه، أو آخره في غير ما يذكر. لزوم نية الأداء مع إدراك ركعة من الوقت  ولو زال العذر في آخر الوقت بحيث يتمكّن من الصلاة مع الشّروط، فإن أدرك ركعة من الشروط، وجب الأداء تماما، ومع الترك القضاء. ويدلّ عليه ـ بعد نقل إجماع الأصحاب عليه عن «المدارك»، ونفي الخلاف فيه بين أهل العلم عن «المنتهى» ـ ما روي عنه صلى الله عليه و آله وسلم أنّه قال : «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة»  وعنه صلى الله عليه و آله وسلم أيضاً : «من أدرك ركعة من العصر قبل أن يغرب الشمس، فقد أدرك الشمس»  ومن طريق الأصحاب ما رواه «الشيخ» عن «الأصبغ بن نباتة» قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : «من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الغداة تامّة»  وفي الموثّق عن «عمّار الساباطي» عن أبي عبداللّه  عليه السلام أنّه قال : «فإن صلّى ركعة من الغداة ثمّ طلعت الشمس، فليتمّ الصلاة، وقد جازت صلاته» والضعف في السند في بعض ما مرّ، مجبور بعمل الأصحاب بالنسبة إلى الدالّ منها؛ مع إمكان استفادة إلغاء الخصوصيّة ممّا في «المعتبر» بالنسبة إلى الغداة، وإن اختصّ البيان بها لأغلبيّة الابتلاء بعدم إدراك تمام الصلاة فيها ـ كما لا يخفى ـ بالنسبة إلى سائر الصلوات. ويخرج ما مرّ شاهداً على الإلغاء المذكور بحيث لا يرجع إلى القياس. هذا، مضافاً إلى ما استند في «المعتبر» إليه من قوله عليه السلام : «من أدرك ركعة من الوقت، فقد أدرك الوقت»، وفيه زيادة الدلالة على أدائيّة الكلّ بوقوع ركعة في الوقت ؛ وأنّ شرط المكلّف به أعمّ من وقت الركعة فما زاد بنحو تعدّد المطلوب؛ فوقت الركعة شرط والزائد واجب فقطّ. وعلى الاشتراك يقتصر على فعل الظهر أو المغرب لاشتراط الأخيرة بالاُولى بلا عكس، مع اشتراك الوقت فرضاً، فيقتصر على غير المشروط بالاُخرى. إذا أدرك قبل الغروب أو انتصاف الليل أقل من وقت الفريضتين  ولو أدرك قبل الغروب مقدار أربع، تعيّن الوقت للعصر على الاختصاص المختار، واشتغل بالاُولى على الاشتراك. ولو أدرك مقدار الأربع قبل الانتصاف، فكذلك يشتغل بالعشاء على المختار، وبالمغرب قبل العشاء على الاشتراك. ويتعيّن الأداء والقضاء في ما يختصّ به الوقت، وهو الأخيرة في الفرضين؛ فكما لا أداء لغيرها، لا قضاء في غيرها المصادف للعذر من جنون أو حيض أو إغماء على ما ذكر في محلّه. ودعوى إمكان الجمع على الاختصاص بإعطاء مقدار الثلاث للمغرب وركعة للعشاء، يمكن دفعها بأنّ مقتضى الاختصاص عدم صحة الشريكة أداءً ولو بغير الاختيار، كالساهي والمعذور إذا لم يؤدّ العشاء بنحو صحيح في الوقت المشترك سهواً وغفلةً؛ وإن كان لو فعل ذلك، صحّ العشاء الواقع ركعة منها في الوقت، وقضى المغرب لعدم صحّتها، كما لو أخّر العشاء عصياناً أو عن غفلة. وأمّا ما في «الشرايع» من قوله : «ولو أدرك قبل الغروب أو قبل انتصاف اللّيل إحدى الفريضتين، لزمته تلك لا غير» فالظاهر ابتناؤه على الاختصاص كما يفيده المقابلة مع إدراك خمس ركعات، فلا يكون في الأقلّ إدراك الوقت الاختياري لواحدٍ معيّن إلاّ مع الاختصاص، إذ مع الاشتراك يمكن الجمع بين المغرب و العشاء في وقتهما الاضطرارى بالنسبة إلى العشاء الاختيارى للمغرب؛ فالقصر على الواحدة المعيّنة، كما يفيده قوله : «تلك» وإلاّ كفى أن يقول : «لزمته لا غير»، يبتني على الاختصاص. ويؤيّده موافقة ذلك لاختياره الاختصاص في ما مرّ. والنتيجة أنّ إدراك مقدار الأربع إدراك للعصر، وللعشاء فقطّ، وذلك منصوص في مرسلة «داود بن فرقد»

أدائيّة الفريضتين لو أدرك خمس ركعات

وإذا أدرك خمس ركعات، لزمته الفريضتان، لإدراكه من كلّ منهما ركعة فما زاد، وإدراك الركعة في كلّ منهما بناء على الاختصاص وجدانيّ. وأمّا عدم إدراك تمام الركعات، فهو أيضاً كذلك بالنسبة إلى الاُولى، لاختصاص مقدار الأربع بالأخيرة ؛ وأمّا الأخيرة، فإدراك جميع الركعات لها متوقّف على عدم وجوب صرف الزائد على الركعة في الاُولى، وهو متوقّف على إدراكه بالفعل لتمام الأخيرة، فيلزم الدور. مع أنّ الأخيرة متوقّفة ـ في الصحّة ـ على تقديم الاُولى مهما أمكن، وعدم إمكانه متوقّف على تعيّن تمام وقت الأربع للأخيرة بالفعل، وهو موقوف على عدم الترتّب بالفعل، فيلزم الخلف. والاختصاص إنّما يمنع عن صحّة تمام الشريكة في ذلك على أيّ حال مع عدم أداء ذي الوقت، وعن الشروع في الشريكة، لا عن إتمامها، لأنّه لا يزيد على خروج وقت الشريكة.  

وجوب إتمام الصلاة على الصبي لو بلغ في أثناء الصلاة

مسألة : الصبيّ المتطوّع بوظيفة الوقت بناء على شرعيّة عباداته، إذا بلغ بما لا يبطل الطهارة والوقت باقٍ، فهل يستأنف صلاته كما حكي عن «المدارك» النسبة إلى «الخلاف» وأكثر الأصحاب، أو يمضي فيها؟

وجه الأوّل [أنّ] الإيجاب أمر جديد لا يجزي عنه المندوب تماماً ولا بعضاً، [و]وجه الثاني أنّ الأمرين المتعاقبين لا فاصل بينهما في الزمان؛ فمطلوبيّة الصلاة مستمرّة في حقّ البالغ في الأثناء ومتّصلة، بل باقية لا بحدّها؛ فما سبق، واقع على صفة المطلوبيّة الاستحبابيّة الانحلاليّة، واللاّحق يقع على صفة الإيجاب الانحلالي، والأمر بالصلاة قبلها ينحلّ إلى أوامر أوّلها الأمر بالتكبير، وآخرها الأمر بالتسليم، سواء استمرّ الأمر الاستحبابي أو الوجوبي، أو تعاقب الأمران، لا فرق في الانحلال بينها؛ كما أنّ الأمر ـ استحبابيّاً كان أو وجوبيّاً، انحلاليّاً كان أو واحداً متعلّقاً بتمام المركّب ـ إنّما يتعلّق بمن لم يصلّ، فإن صلّى صلاة مأموراً بها، فلا أمر، لأنّه طلب الحاصل، أو بعضها فلا أمر إلاّ بالإتمام، لا بالاستئناف، لأنّه بالنسبة إلى السابق طلب الحاصل. والانقطاع بالبطلان يستلزم مبطليّة البلوغ، وكونه كالحدث، ولا دليل عليه، بل الدليل والأصل على خلافه. والتعبّدي كالتوصّلي في حصول الغرض المسقط للأمر بالفعل، إلاّ أنّه في الأوّل منوط بقصد القربة المفروض حصوله، وعدم اعتبار الوجه وعدم تأثيره في شيء. ومنه يظهر وجوب الإتمام، وأنّه مقتضى إيجاب البقيّة، لا أنّه لمكان تحريم الإبطال حتّى يقال : لا دليل عليه في النافلة. 

إذا بقى من الوقت أقلّ من مقدار ركعة

كما يظهر الوجه في عدم إناطة وجوب الإتمام ببقاء وقت الركعة ؛ فإنّه إنّما يلزم لاختيار الاستيناف ؛ ومع عدم هذا الوقت على هذا المبنى، فلا يلزم شى ء من الأداء والقضاء، بخلاف ما ذكرنا وجهه ؛ فإنّه يرجع إيجاب الصلاة على المتلبّس إلى إيجاب البقيّة؛ فما دام يمكن الإتمام واجباً ولو بفعل جزئه الأخير، وجب ولا يجوز تركه، فإن ترك، فعليه القضاء، فافهم؛ وعليه تجديد نيّة الفرض في ما بقى؛ بخلاف القول بوجوب القطع والاستيناف ؛ فإنّه حينئذٍ لا قطع عليه، بل يحرم القطع إن قيل بعموم الحرمة للنافلة، وإلاّ فالإدامة للنافلة مندوبة كالشروع فيها مع القول بشرعيّتها.

وأمّا احتمال البطلان راساً لمكان المصادفة مع ضيق الوقت المعتقد عدمه في صورة إمكان الاستئناف بناء على وجوبه، فيمكن المناقشة فيه، لمكان أنّ الاختصاص يقتضي عدم صحّة الشريكة مع عدم أداء المختصّ به، لا أيّ واجب أو نفل، إلاّ في التكليف بالقطع والاستئناف لما هو أهمّ من واجب آخر ؛ فلو غفل وصلّى واجباً غير الشريكة، أو نفلاً، كما هنا على هذا القول، اتّجهت الصحّة، لعدم انكشاف الوقوع في غير الوقت. وكذا صلاة المشتبه إذا انكشف الضيق في الأثناء، فعليه قطع النافلة، لا أنّها لا تصحّ مطلقاً ولو من غير الملتفت إلى الضيق.

وأمّا على وجوب الاستئناف وعدم الاجتزاء بالإتمام أو التمام، فمع سعة الوقت لا مانع من الإتمام نافلةً ؛ ومع ضيقة بحيث يدرك تمام الفريضة أو ركعة منها مع القطع لا بدونه، فلا إشكال في رجحان إيجاب الصلاة على تحريم القطع بناءً على عمومه للنافلة؛ وعلى فرض عدم الرجحان، تقع المزاحمة بين رعاية تحريم القطع، وإيجاب الصلاة. والنتيجة التخيير الجاري في المتزاحمين، كانا إيجابيّين، أو تحريميّين، أو على الاختلاف كما هنا. ثم، إنّه لا وجه لملاحظة وقت الطهاره في إدراك الركعة المستأنفة بناء على الشرعيّة، ومع تطهّره سابقاً من الحدث الأصغر ؛ فإنّ الطهارة المندوبة مجزية للدخول في الواجبات ورافعة للحدث مطلقاً، لا من خصوص المكلّفين. نعم لو قيل بالتمرينيّة، اتّجهت الإعادة والملاحظة المذكورة. ولعلّه لذا حُكي عن جماعة لزوم ملاحظتها وإن كان متطهّراً من الحدث، كما هو المفروض من البلوغ في أثناء النافلة. 

جواز التعويل على الظنّ في دخول الوقت وعدمه

مسألة : لا إشكال في جواز العمل بالظنّ عند تعذّر تحصيل العلم بدخول الوقت ؛ فإنّه المتيقّن من الروايات المستفيضة المعمول بها. وأمّا مع إمكان تحصيل العلم، فمقتضى روايات الاعتماد على أذان المؤذّنين  المتأيّدة بالسيرة المستمرّة على الاعتماد عليها، هو الجواز بلا قيد. لكنّه نسب إلى المشهور عدم الجواز، بل عن «المدارك» أنّه ـ يعني عدم الجواز ـ مع إمكان تحصيل العلم مذهب الأصحاب ؛ وأنّه لا نعلم الخلاف فيه ؛ وإن ردّه في «الحدائق» بمخالفة ظاهر «المقنعة»، و«النهاية»، و«المبسوط» بحسب إطلاق ما فيها الفتوى المؤيّد بإطلاق النصوص، كرواية «إسماعيل بن رياح»وسائل الشيعة، ج 3، أبواب المواقيت، الباب 25، الحديث 1. في دخول الوقت في أثناء الصلاة، لدعوى الإجماع. وحيث إنّ السيرة، على العمل، فلا فرق في الظنّ بين النوعيّ المعتبر، كالبيّنة، وغيره، كأذان العارف الصادق، بل المعتبر مرتبة الظنّ الواقع على طبقها العمل. ودعوى لزوم تحصيل العلم، أو أنّ الحاصل من أذان العارف، العلم، لا ينبغي المصير إليها. وما في بعض الروايات ـ كما رواه «الشيخ» عن علي بن جعفر عليه السلام  ممّا يدلّ على عدم إجزاء غير العلم ـ محمول على عدم الإجزاء عن الفضل الموافق للاحتياط لا مطلقاً. وأمّا إيجاب تحصيل العلم مع الإمكان، ففيه من العسر والحرج في هذا الحكم العامّ به البلوى بحيث يحتاج إليه كلّ يوم مرّات ما لا يخفى على المنصف.

الجمع بين الروايات وبينها وبين الفتاوى

ويمكن أن يقال : إنّ الطريق الجامع بين الروايات في أنفسها، وبينها وبين الفتاوى، أنّ الظنّ الاطمئناني هو الداخل في روايات الجواز  والمتيقّن من إطلاقاتها، وهو الموافق للسيرة المستمرّة وتقييدها في ذلك بعدم التمكّن من العلم الوجداني مخالف للسيرة ولا ملزم إليه. وأمّا مطلق الظنّ فمقتضى نقل الإجماع كما ذكره في «الرياض» و«الجواهر» هو التقييد المذكور.

كما أنّ جواز العمل بالظنّ مع عدم التمكّن من تحصيل العلم ولا ما هو بمنزلته من الظنّ الاطمئناني، هو المستفاد من الرواياتوسائل الشيعة، ج 3، أبواب المواقيت، الباب 14؛ أبواب الأذان والإقامة، الباب 3.  المتأيّدة بالسيرة أيضاً على عدم انتظار المحبوس والأعمى إلى زمان اليقين واكتفائهما بالظنون العقلائيّة، وكذا من كان بمنزلته في عدم التمكّن المذكور. ودخول هذا الصنف في روايات الجواز التي منها روايات الاعتماد على أذان المؤذنين حتى المخالفين منهم ومنها رواية «أبي الصباح الكناني»  وصحيحة «زرارة» : «وقت المغرب إذا غاب القرص...» وصحيحته الاُخرى : «أنّه قال لرجل  ظنّ أنّ الشمس قد غابت، فأفطر ثمّ أبصر الشمس...» وموثّقة «ابن بكير» في صلاة الظهر في يوم غيم...»  والصحيح عن «أبي عبداللّه  الفرّاء»  عن أبي عبداللّه  عليه السلام في ارتفاع أصوات الطيور وتجاوبها، والمرسل «للحسين بن مختار» في صياح الديك ثلاثة أصوات ولاءً. ويمكن الاستفادة أيضاً من رواية «سماعة»  في الاجتهاد للقبلة، لأنّ عدم القرينة على التخصيص بالاستقبال هو الأظهر منها. وذكر القبلة لا يقتضي التخصيص، بل لأنّه يفيد المعرفة بالوقت أيضاً. ومقتضى الجهة المذكورة في السؤال، الحاجة في كلّ من الشرطين إلى ما يعمل به، وإن كان يمكن الاستدلال بالقبلة على الوقت في الجملة. وفيها التصريح بالغيم ونحوه من موجبات عدم التمكّن من العلم في أوّل الوقت. وفي الجواب تجويز العمل بالظنّ، وعدم إيجاب الصبر إلى اليقين، وهو الموافق للمشهور أيضاً، وإن حُكي الخلاف عن، «ابن الجنيد». وبالجملة: فالأظهر من الروايات الواقع على طبقها الفتاوى، الاكتفاء بمطلق الظنّ في صورة عدم إمكان تحصيل العلم وما بمنزلته، وعدم الاكتفاء بغير الاطمئنانيّ منه للتمكّن من تحصيل العلم أو الاطمئنان. والسيرة موافقة للتجويز إثباتاً ونفياً في الصورتين.

ويؤيّد ما مرّ : أنّ التأخير تعريض للفوت لمحدوديّة وقت التمكّن غالباً، وأنّه لو كان واجباً لكان متّضحاً. وعدم التعرّض لإيجابه في الروايات المكتفية بالظنّ مع إمكان الاستعلام بالتأخير مطلقاً، يدلّ على عدم الوجوب.

ويستفاد من التعليل في روايات الأذان الاكتفاء بأذان الموثوق به أو إخباره بدخول الوقت ؛ بل القول بالاكتفاء بإخبار الثقة، هو الموافق للسيرة الغير المردوعة إلاّ في مقام الدعاوي والخصومات، فيعتبر العدالة والتعدّد، إلاّ في ما يُكتفى بشاهد ويمين، كما لا يكفي الإثنان في بعض المقامات. ونفي اعتبار ما عدا البيّنة في رواية «مسعدة» مع إمكان منع الظهور في التعدّد مع العدالة، وأنّ المتيقّن ذلك من إطلاقها بحيث يكون التنزّل كالزيادة، محتاجين إلى الدليل مع عموم الاستبانة فيها لما نحن فيه. واعتبار الخبرويّة في الحدسيات، لعدم الوثوق النوعي بدونها فيها، لا لعدم كفاية الواحد الموثوق به، بل يشكل التعدّد والعدالة مع عدم الخبرويّة في الحدسيّات أيضاً. ولولا هذه الروايات المتقدّم إليها الإشارة، المشهورة عملاً حتّى عن «التنقيح» الإجماع على اعتبار مطلق الظنّ لغير المتمكّن من العلم، والمعتبر من الظنون، لكان حكم مطلق الظنّ، حكم الشكّ في أنّه مع الظنّ بدخول الوقت، يستصحب عدمه وعدم وجوب الصلاة، كما يستصحب بقاء النهار في الصوم ووجوب الإمساك، وعدم دخول الليل وعدم جواز الإفطار. والظاهر أنّ المتمكّن من تحصيل الظن القويّ بغير التأخير، لا يكتفي بالضعيف، لأنّه مقتضى الأمر بالاجتهاد، يعني بذل الجهد؛ فلا يتوقّف عن بذل الجهد إلاّ المطمئنّ، أو من قام عنده أمارة معتبرة شرعاً، كالبيّنة، ولو قيل بكفاية أذان الثقة وإخباره.

انكشاف فساد الظنّ أو القطع

ثمّ، إنّه إن انكشف فساد الظنّ ووقوع تمام الصلاة قبل الوقت، أعاد إجماعاً، ومنصوصاً في صحيحة «لا تعاد...» وما في عبارة «الشرايع» من قوله : «فإن انكشف له فساد  الظنّ قبل دخول الوقت، استأنف»  فلعلّ المراد منه «إن انكشف له فساد الظنّ الواقع به تمام العمل» ولا يكون كذلك إلاّ إذا كان المنكشف وقوع تمام العمل قبل الوقت، «استأنف»، في قبال قوله : «وإن كان الوقت دخل وهو متلبّس، لم يعد على الأظهر»  والدليل في الثاني روايه «إسماعيل» وسائل الشيعة، ج 3، أبواب المواقيت، الباب 25. المنجبر ضعفها باشتهار العمل بها بين الأصحاب. وأمّا من دخل عليه الوقت وهو متلبّس بالصلاة، فالمشهور صحّة الصلاة إذا كان الدخول مع الظنّ المسوّغ للدخول ؛ وأمّا إذا كان مع القطع، فيمكن التصحيح لشمول رواية «ابن رياح» وقوله : «وأنت ترى» والتعبير بالظنّ في الفتاوى، للتوسعة إلى الظنّ المسوّغ، كما هو الغالب يتعقّب بانكشاف الخلاف لا للتضييق. مع أنّ المقام ليس من اعتبار الظنّ في متعلّق التكليف حتى يكون الحكم من إجزاء الأمر الظاهري، بل من الظنّ بأصل التكليف المستتبع للظنّ بمتعلّقه ؛ فالظنّ المخالف للواقع ليس فيه إلاّ العذر في مقام العمل، وهو مشترك بين جميع موارد العذر التي منها القطع، ولا يكون فيها إلاّ تقييد صحيحة «لا تعاد» بما في رواية «إسماعيل» وحاصله صحّة الصلاة مع دخول الوقت في الأثناء وتحقّق العذر المسوّغ للدخول المحقّق للتقرّب بالعمل. لكن مقتضى ذلك صحّة الصلاة مع نسيان الموضوع أو الحكم، أو الجهل بالموضوع أو الحكم، [أو] الغفلة، لتحقّق التقرّب في الجميع، ووجود العذر، طريق إلى تحقّق التقرّب. والإثم في صورة الجهل مع التقصير، لا ينافي تحقّق القربة المعتبرة في أفعال كثير من المسامحين في شروط العبادات وموانعها.

وبالجملة : لا بدّ من تنقيح مفاد دليل الصحّة؛ فإنّ الإجزاء على قاعدة الأمر الظاهري، لا يناسب مقام عدم الأمر، بل مقام عدم المأمور به إلاّ ظاهراً. كما لا محلّ للإجزاء في ما سبق العمل تماماً على الوقت، وليس دليل الصحّة دالاًّ على توسعة الوقت المعتبر لما صادف بعض العمل ؛ فكون البطلان مع عدم التقرّب في ما سبق شرط آخر، لا للوقت، لما مرّ من أنّ وقت تمام العمل شرط الأمر لا المأمور به فقطّ.

إلاّ أن يقال بالتعليق في الأمر وأنّ متعلّقه ما وقع في الوقت، وأنّ مفاد دليل الصحّة كفاية الوقوع بعضاً في الوقت؛ فالفرق بين الدخول بعد العمل وفي الأثناء بعد الدليل، عدم التوسعة الوقتيّة في الأوّل دون الثاني، مع تحقّق الأمر في الجميع.

والتعليق وإن كان على خلاف القاعدة، إلاّ أنّه لا بأس بالالتزام به في موارد وقوع الدليل بنفسه أو بلوازمه، ومنها المقام، فيدور الأمر مدار الاستفادة من دليل المقام.

ويمكن أن يقال : إنّ دليل اعتبار الظنّ على الوجه المجوّز للدخول به في العمل، هو الظنّ بدخول الوقت حال العمل ؛ فإن كان، يقتضي الإجزاء، فلا إناطة له بالدخول في الأثناء ؛ فإنّه غيرالمظنون بالظنّ الذي دخل معه في العمل، فالإجزاء ليس للظنّ السابق على الوقت، بل لأنّ شرط العمل بهذا الدليل الأعمّ من وقت البعض، فيكون البطلان في غير المتيقّن صحّته لمكان سائر الشروط. وعلى هذا، فلا وجه للتحفّظ على الظنّ في قبال القطع مع عسر التفكيك، بل القطع عرفاً ظنّ مع الزيادة، ولا إناطة للمجوّز بالظنّ الحاصل من الأمارات المعتبرة؛ بل قد يكون المعتبر مطلق الظنّ لفاقد الأمارة المعتبرة وعدم تمكّنه منها إلاّ بالتأخير فقطّ، مع أولويّة القطع بكونه رؤية من الظنّ، وقوّة احتمال إرادة الأصحاب التوسعة من التعبير بالظنّ دون التضييق، كما مرّ. وحينئذٍ يبقى وجه الصحّة مع النسيان، والجهل في الموضوع، أو الحكم، حيث إنّ الظنّ والقطع منتفيان في أكثر مواردها. و قد مرّ أنّ الظنّ لا يجدي في مقام الإجزاء، ولا في مقام بدليّة المظنون للواقع هنا، فيقوى احتمال عدم لزوم سوى ما يتحقّق به القربة، المفروض وقوعها في الجميع مع واقعيّة الوقت في بعض العمل. وتحقّق الإثم لا ينافي الصحّة، كالتأخير للصلاة عمداً إلى أن يبقى ركعة من الوقت، بل يمكن دعوى صدق الرؤية حيثما تحقّقت القربة، وهذا بخلاف العمل برجاء المطلوبيّة مع مصادفة الوقت للبعض ؛ فإنّه لا يدخل إلاّ بنيّة الإعادة مع انكشاف الخلاف، وقد يؤثّر في عدم الإعادة مع انكشافه مطلقاً، أو في بعض العمل. ولو صلّى بالتقليد فتخلّف الإخبار، فذلك من الصلاة بالظنّ، وإن كان من إخبار الثقة ومعتبراً، أو من غيره مفيداً للظنّ وكان معتبراً عند عدم التمكّن من العلم والحجّة الاُخرى. فالتخلّف في الأثناء لا يبطل كما عن «الذكرى»، بخلاف ما بعد الفراغ. وفي المعارضة بإخبار غيره بعدم الدخول، يمكن ترجيح الأوّل إذا كان مدرك الثاني الاستصحاب، وإلاّ فبالترجيح بالقوة بناء على حجيّة الإخبار بالعدم أيضاً، كما يفهم من التعليل بشدّة المواظبة، وبأنّهم اُمناء  والأظهر جريان الحكم باعتبار الظنّ، بل بصحّة العمل في المتخلّف في الأثناء في النافلة، للأولويّة ممّا في النصوص أو يتبادر منها من الفريضة؛ مع أنّ التسهيل فيالنافلة أقرب بحسب المعهود من الشرع، واعتبار الشروط فيها أخفّ. وكما أنّ الإخبار والأذان يقطع بهما استصحاب عدم الدخول، يقطع بهما استصحاب بقاء الوقت، فلا يستصحب إلاّ مع عدم الظنّ لو كان معتبراً، بخلاف صوره عدم الاعتبار. ولو دخل بالظنّ فصادف الخروج، لا عدم الدخول، صحّ حيث يصحّ القضاء، لأنّ المفقود نيّة القضاء بدل الأداء، وهو غير ضائر بعد قصد الأمر الفعليّ الذي طبّقه على الأداء. وكذا لو دخل بظنّ الخروج فصادف بقاء الوقت في ركعة أو ما زاد؛ فإنّ المفقود نيّة الأداء، سواء ظهر التخلّف في الفرعين في الأثناء، أو بعد الفراغ، وإن عدل في الأوّل إلى نيّة الواقع.

كراهة النوافل المبتدأة في الأحوال الخمسة والمراد منها

مسألة : يكره النافلة المبتدأة عند الطلوع، والغروب، والقيام، وبعد صلاتي الصبح، والعصر. ويدل على الأوّلين صحيح «ابن مسلم» والمرسل الموافق له  وحديث المناهي المرويّ عن «المجالس» فيهما وفي الثالث، وكذا ما روى «الصدوق» عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم في خصوص الطلوع، وما عن «العلل» عن الرضا عليه السلام في الطلوع  وما روي عن «المجازات النبويّة» في الطلوع والغروب  وفي خبر «الحلبي» التعبير عن المورد بما بعد الفجر إلى الطلوع، وما بعد العصر إلى الغروب مع التعليل بالنبوي، ليس موافقاً للمعلَّل، إلاّ أن يحمل على ما يقرب الطلوع والغروب نظراً إلى أنّ العلّة تضيّق إذا لم يحمل هذا الاختلاف على أنّ منشأ ذكر الأصل، التقيّة عمّن يحرّمون الصلاة مستدلّين بالنبوي. ويوافقه في غير التعليل خبر «ابن عمّار» عن الإمام الصّادق عليه السلام ، وما في الجعفي  عن الإمام الصّادق عليه السلام ، لكنّه بعبارة الكراهة من طلوع الشمس إلى الارتفاع، وبعد العصر إلى الغروب. وعن «المنتهى» : «إنّ الكراهة في الأوّلين مذهب أهل العلم» وفي خبر «الحسين بن أسلم» ذكر الثلاثة، أعني الطلوع والغروب والقيام بعبارة : «ذرت، وكبدت، وغربت» وعن التوقيع  ما ربّما يقتضي نفي الكراهة.

ويمكن أن يقال ـ بعد التسامح في الكراهة، فلا حاجة في جميع الأحوال الخمسة إلى الرواية الصحيحة ـ : إنّ المستفاد ممّا دلّ على الكراهة ـ مع التعليل في بعضها المحمول عليه غيره، وبعد نفي الحرمة والبطلان عندنا قطعاً، وإلاّ لتبيّن واتّضح، بل يمكن قيام الإجماع على نفي الحرمة والبطلان، وبعد الحمل على أقليّة الثواب في الكراهة في العبادة ـ أنّ رجحانها بمعنى غلبة مصلحة فعلها على تركها، ومرجوحيّتها بمعنى غلبة مصلحة البدل الزمانيّ على مصلحته، فلا داعويّة لهذه الأوقات إلى الصلاة، بل الامتياز والداعوية لغيرها، ولا صارفية لها عن الصلاة، لكفاية رجحان الفعل على الترك. كما أنّ الصلاة بداعي المشابهة لعُبّاد الشمس محرّمة، وبداعي إرغام أنف الشيطان الآمِر بالصلاة لغير اللّه ، راجحة على الإطلاق. والنذر المتعلّق بالصلاة في هذه الأوقات، يكفي فيه راجحيّة الفعل على الترك فيها، والنذر المطلق يوفى بالفعل فيها، لعدم لزوم الامتياز عن الأبدال في الرجحان. فإنّ الأمر في التوقيع الشريف هو المناسب للترخيص في العبادات المكروهة، وربّما يكون الأمر بالإرغام كاشفاً عن ارتفاع الكراهة بالقصد المذكور حتى إذا تعلّق بالخصوصيّة، بخلاف صورة عدم هذا القصد، فإنّ اللازم للعباديّة عدم الفرق القصدي بين الأبدال. وقصد الخصوصيّة لا يخلو عن قصد المشابهة مع العابدين للشمس بأمر الشيطان، بخلاف ما إذا قصد الإرغام بالخصوصية ؛ فإنّه يمكن إزالته للكراهة أيضاً. وأمّا نفي التحريم فهو وإن وقع الاختلاف فيه، إلاّ أن المحكيّ عن «كشف الرموز» الاتفاق على نفي التحريم. ويمكن ترجيح هذا النقل بأنّ الحرمة لو كانت، لبانت مع عموم البلوى، فتدبّر.

ويمكن أن يقال في تقريب الجمع ولو بحسب النتيجة : إنّ روايات المنع عن الصلاة عند الطلوع والغروب منضمّة إلى ما فيه الثالث، وهو عند قيام الشمس معلّلة بأنّها تطلع وتغرب بين قرني الشيطان، وهذه العلّة أيضاً لا تخلو عن إبهام. وتفسيره في الجملة قوله عليه السلام في المرسل، وفيه قال : «نعم، إنّ إبليس ـ لعنه اللّه  ـ اتّخذ عرشاً بين السماء والأرض، فإذا طلعت الشمس وسجد في ذلك الوقت الناس، قال إبليس لشياطينه : إنّ بني آدم يصلّون لي» وسائل الشيعة، ج 3، أبواب المواقيت، الباب 38، الحديث 4 و 9. وحيث إنّ كلام إبليس هذا، مبنيّ على الكذب والمبالغة، واكتفاء بسجود بعض [بني] آدم و مشابهة غير ذلك البعض بهم في وقت الصلاة والسجود، فيعلم من هذا أنّ فتوى الأصحاب بالكراهة، لما في الصلاة في هذه الأوقات التي هي أوقات العبادة عند عبّاد الشمس من المشابهة الصوريّة بهؤلاء الكفّار، ولذا وقع التعبير بقوله عليه السلام : «لا ينبغي» في الرضوي

ومن الظاهر أنّ الأوقات الثلاثة، أعني الطلوع والغروب والانتصاف، أوقات احترام أولئك الكفّار، فهي المناسبة عندهم لتعبّدها، والمناسبة للكراهة علينا، بمعنى أقليّة الثواب الغير المنافية للترخيص اللازم للرجحان في العبادة، خصوصاً إذا كان بقصد إرغام أنف الشيطان فيمن ينوي للعبادة، وفي جهة القبلة اللازمة للصلاة؛ فيمكن نفي الأقلّية بهذا القصد للثواب، كما يستفاد من التوقيع الشريف، وإلاّ فالتقدّم على هذه الأوقات أو التأخّر أكثر ثواباً من مقارنتها في الصلاة؛ وأمّا الصلاة بعد الفجر، والعصر، وبعد الطلوع إلى الزوال، فكراهتها بملاك آخر، لا بهذا الملاك، كما هو ظاهر.

وممّا قدّمناه، ظهر أنّ الصلاة ليست ممّا يُصرف عن مطلوبيّتها بأيّ عموم أو إطلاق، وكيف وهي غاية العبوديّة في الأعمال الظاهرة والقلبيّة الباطنة؟

استثناء نافلة الجمعة و ذوات الأسباب عن الكراهة

مسألة : وعليه، فنوافل يوم الجمعة ما كان منها في الانتصاف، وما كان قبل ذلك ممّا بعد الفجر، وما كان بعد الطلوع إلى الانتصاف، بل الصلاة الواردة فيها وفي الأيّام الشريفة من ذوات الأسباب والاُولى من الرواتب، غير داخلة في عموم المنع  حتى تحتاج إلى الاستثناء، وكذا صلاة «جعفر» ـ رضوان اللّه  تعالى عليه ـ التي أفضل أوقاتها صدر النهار.

مع أنّ السيرة مستمرّة على عدم المبالاة في ذوات الأسباب بخصوصيّات هذه الأوقات، بل مرّ أنّ الكراهة بمعنى أفضليّة البدل، لا رجحان الترك على الفعل. ومجرّد كون المعارضة عموماً من وجه، لا يوجب التوقّف في الترجيح، مع لزوم حمل الأمر على موارد نادرة يكون الالتزام بها في غاية الصعوبة، المستلزمة لترك هذه المستحبّات الأكيدة. بل ملاحظة السيرة توجب القطع بالتقديم، ولا حاجة إلى ملاحظة الشهرة الفتوائيّة ونحوها لو لم تكن مستندة إلى السيرة ونحوها؛ بل كثير من هذه واردة في ما بعد الفجر والعصر، فليست النسبة فيهما عموماً من وجه، بل ملاحظة ما قدّمناه في معنى الكراهة هنا، تسهّل الخطب جدّاً ؛ فإنّ غاية ما في أدلّه المنع، أنّ التطوّع المبتدأ إذا اُتي به في غير هذه الأوقات فهو أفضل من الإتيان فيها، إلاّ أن يقصد في الأوقات إرغام أنف الشيطان، وهذا القصد أمر اختياري، فالكراهة بهذا المعنى المتقدّم أيضاً، في قوّة العدم، للتعليق على عدم أمر اختياري جدّاً.

ويمكن الاستدلال بالمكاتبة في قضاء النافلة بين الطلوعين، ومن بعد العصر إلى الغيبوبة، بناء على أنّ عدم الجواز لغير المقتضي معناه للمتنفّل الغير المقتضي، لأنّ المقتضى، من ذوات الأسباب، لا من ذوات الأوقات المفروض خروجها. وكذا ما في «العلل» من أنّ صلاة الجنازة، من ذوات العلل والأحداث، لا من ذوات الأوقات الممتاز فيه بعضها عن بعضها، فيعمّ كلّ ما كانت الإناطة بغير الوقت وإن لم يكن واجباً ؛ ففي صلاة الجنازة جهتان لنفي الكراهة : الوجوب، والتعلّل بالحدث دون الوقت؛ بل فيها جهة ثالثة، وهي أنّها ليس فيها الركوع والسجود، كما يظهر ممّا في «العلل»  ويمكن الاستشهاد برواية «العلل» على ما يشرح به ما في صحيح «ابن عمّار» من ذكر الخمس وأنّها تصلّى على كلّ حال، وما في صحيح «زرارة» من الأربع وأنّها تصلّى في الساعات كلّها، وما في خبر «أبي بصير» في الخمس مع ذكر ما بعد الفجر والعصر في آخره، إن لم يكن مخصوصاً بالآخر، وأنّ المدار في ذلك كلّه على كون الصلاة من ذوات الأسباب، وإن لم يكن أصل الوجوب منافياً لكراهة بعض الأوقات، أو الأمكنة كالصلاة في الحمّام، كما لا فرق بين كون السبب اختياريّاً كصلاة الطواف والإحرام والزيارات، أو لا، كصلاة الكسوف والجنازة والقضاء في الجملة.

ميزان تشخيص ذات السبب

والظاهر أنّ تشخيص ذات السبب من طريق ارتكاز المتشرّعة والسيرة القائمة أولى، حيث لا يعتنون في ما له سبب بخصوصيّات الأوقات الغير المزاحمة للفرائض؛ وعليه، فإدراج الصلاة بعد التطهّر ولو كان التطهّر في بعض هذه الأوقات في ذات السبب كما عن «الشهيد» وغيره أولى، وكذا ما صرّح فيه في الروايات بالتعميم، صدق عليه ذات السبب، أو لا؛ بل لعلّ خروج ما له اسم مخصوص وهيئة خاصّة من الصلاة كصلاة «جعفر» ـ رضوان اللّه  تعالى عليه ـ وصلوات الأئمّة عليهم السلام ، ونحوها ممّا يعلم حالها بملاحظة السيرة على عدم المبالاة فيها بهذه الأوقات؛ فالمطلوب ـ بما أنّه صلاة، لا بما أنّه صلاة خاصّة بسبب ووضع ـ هو الداخل في المنع الذي قد عرفت رجوعه إلى أولويّة البدل، لا إلى أولويّة الترك.

ثم إنّه لا وجه للمنع عن سوى الشروع في المبتدأة؛ فإنّ المحافظة على أوقات الأثناء أمر غير ميسور لايحمل عليه الإطلاقات، مع ما في الإقبال على ما يدخل فيه المصلّي والإطالة من الحثّ الشديد المعلوم. كما لا وجه للمنع عن السجود ولو كان لا لسبب، لأنّه ليس صلاة مشتملة على السجود، وهو مورد المنع بعد ملاحظة المستفاد من تعليل «العلل» وسائل الشيعة، ج 2، أبواب صلاة الجنازة، الباب 21، الحديث 7.

استحباب التعجيل في قضاء النوافل وأفضليّة انتظار المماثل

مسألة : ما يفوت من نوافل الليل أو النهار، يستحبّ قضاؤه معجّلاً، ولا يُنتظر بها المماثل من الزمان، وإن كان الانتظار أفضل.

أمّا مشروعيّة التعجيل وعدم التوقيت الشرطي للماثلة، فلما يدلّ عليه الروايات المستفيضة الوارد بعضها في تفسير الآية الشريفة سورة الفرقان، الآية 62.  ولا إشكال في دلالتها على  مشروعيّة القضاء في غير المماثل، والمشهور العمل بها. وبذلك ينجبر الضعف في بعضها، لولا ملاحظة استفاضتها، ولولا كفاية الاستناد إلى البلوغ في المستحبّات.

وأمّا أفضليّة انتظار المماثل لو لم تعارض بمرجّح آخر، كالإقبال، أو خوف الفوت، فلما يدلّ عليه صحيح «زرارة» وخبر «إسماعيل الجعفي»  وخبر «الجعفي»، و«إسماعيل بن عيسى» وما في خبر «الجعفي» من التصريح بالأفضليّة يشرح به أخبار الأمر بالقضاء في غيرالمماثل، لدلالته على شرعيّة المفضول أيضاً، فيحمل ما في بعض المقابل من التسوية، على التسوية في أصل المشروعيّة، دون مرتبة الفضيلة. وما دلّ على الأفضليّة، وإن كان من بعض أخبار الباب وغيره من الصحاح، لا تصريح فيه بالفضل، إلاّ أنّه يستفاد منه، بعد معلوميّة المشروعيّة في المماثل، مع احتمال الشرطيّة التي حُكي عن البعض. مع أنّ معهوديّة مطلوبيّة التعجيل تقتضي الترتيب وتأخير المماثل عمّا سبقه ؛ كما يقتضي تقديم المماثل على ما لحقه من الغد، وهو مورد اجتماع التعجيل والمماثلة؛ كما [أنّ] افتراق التعجيل عن المماثلة، في صلاة النهار المقضية في الليل؛ وافتراق المماثلة عن التعجيل، في الانتظار ؛ فلو لا أنّ المماثلة جهة مرجِّحة، لما اقتصر في البيان على الأمر بالقضاء في المماثل الذي كأنّه نفس الفائت. مع أنّ جعل رواية «الجعفي» ـ وإن لم تكن صحيحة عندهم ـ شاهدة للجمع لا بأس به، كما هو المعهود في المستحبّات، فإنّ الأفضليّة أيضاً زيادة الثواب، وهي شيء من الثواب بَلَغَنا. مع أنّ غاية المنع عنه جعل الروايتين دالّتين على استحباب الكلّ، لا ترجيح التعجيل على الإطلاق. مع أنّ التأخير إلى المماثل، لا يظهر له وجه إلاّ رعاية المماثلة والأقربيّة إلى الفائت، بخلاف التقديم في النهار ؛ فإنّه يحتمل فيه عدم خصوصيّة للتعجيل هنا، وأنّه إنّما يؤتى به فيه لمكان عدم الصارف الذي هو النوم ؛ فله في النهار الاشتغال بجميع ما يعنيه، ومنه القضاء.

استحباب الإتيان بكلّ صلاة في أوّل وقتها، إلاّ في بعض المواضع

مسألة : الأفضل في كلّ صلاة أن يؤتى بها في أوّل وقتها، إلاّ في مواضع تقع الإشارة إلى بعضها، وذلك لما ورد من: «أنّ فضل الوقت الأوّل على الآخر، كفضل الآخرة على الدنيا»وسائل الشيعة، ج 3، أبواب المواقيت، الباب 3، الحديث 15 و 16. و«أنّ الأوّل رضوان اللّه ، وآخره عفو اللّه » نفس المصدر. ومن تلك المواضع تأخير العشائين إلى المزدلفة للمُفيض من عرفات. والظاهر أنّه لأهمّية الوصول في أوّل زمان الإمكان في الليل إلى المشعر، ولو انتهى التأخير إلى ثلث الليل. وقد مرّ الفضل في تأخير العشاء إلى سقوط الشفق المغربي، بناء على المختار من جواز إيقاعه قبله. وكذا المتنفّل يؤخّر الظهرين إلى أدائها كما قدّمناه ؛ فإنّه مقتضى الترغيب الأكيد في إيقاع النوافل قبل الفريضتين وبعد الزوال. والمستحاضة الكبرى تؤخّر الظهرين إلى آخر الوقت لتأتي بهما فيه بغسل واحد. والفضل فيه مختلف، فقد يكون، في التفريق وتعدّد الغسل؛ فالاستثناء من الأفضل، لعلّه لعدم اطّراد الأفضل فيها في أوّل الوقت. ثمّ إنّهم ذكروا مواضع للاستثناء، أنهاها في محكيّ «شرح النفليّة» إلى خمسة وعشرين ؛ ووجه الفضل في الاستثناء في الجلّ واضح وفي بعضها قابل للخدشة.

الاشتغال بالعصر قبل الظهر سهوا

مسألة : لو اشتغل بالعصر بظنّ فعل الظهر صحيحاً باعتقاد ذلك أو أمارة معتبرة عليه فانكشف في أثناء العصر أنّه لم يصلّ الظهر، أو لم يكن ظهره صحيحة، عدل بنيّته إلى الظهر إذا لم يفرغ من العصر المشتغل به.

وأمّا صحّتها عصرا مع عدم العدول، فهي مخالفة للإجماع على شرطيّة الترتيب الموافق لقوله عليه السلام في الرواية : «إلاّ أنّ هذه قبل هذه»وسائل الشيعة، ج 3، أبواب المواقيت، الباب 4. فإنّ اشتراط القبليّة للظهر ملازم لاشتراط البعديّة في العصر. ومقضى الإطلاق وإن كان عدم الصحّة ولو مع السّهو إلى الفراغ، إلاّ أنّ الدليل على الصحّة دلّ على عدم إطلاق الاشتراط.

والظاهر بل المتعيّن أنّ اشتراط الترتيب ـ كاشتراط الستر والاستقبال، لا كاشتراط إباحة المكان ـ منتزع عن مجرّد تنجّز التكليف بتقديم الظهر، وإن كان مع عصيان التكليف السابق قابلاً للصّحة بنحو الترتب، وغير قابل للصحّة مع التوبة من الغصب في الأثناء ؛ فلا ينفع العدول في المقام إلاّ بالدليل التعبّدي على كفاية النيّة في غير العمد قبل الفراغ.

وهل يفرّق بين الوقوع في الوقت المختصّ بالظهر، أو في الوقت المشترك؟

مقتضى الإطلاق في دليل العدول  وسائل الشيعة، ج 3، أبواب المواقيت، الباب 63.  عدم الفرق. ويؤيّده أنّ الاختصاص بالظهر مقتضاه عدم صحّة الصلاة فيه عصراً، لا ظهراً صحّ بنيّة العصر المعدول عنها قبل الفراغ؛ فاللاّزم تحقّق نيّة العصر بنحو صحيح عند الناوي، لا واقعاً، لعدم لزوم العصريّة ولوازمها واقعاً، فلا يلزم الوقوع في وقتٍ لو لم يتذكّر في الأثناء صحّت عصراً؛ فالانصراف إلى هذه الصورة بدويّ زائل بالتأمّل.

ومثله ما لو شرع في العصر قبل الوقت، فدخل الوقت في الأثناء، فتذكّر عدم الإتيان بالظهر فعدل إليها؛ فإنّ عدم الوقت مجبور بالدخول قبل الآخر، وعدم نيّة الظهر مجبور بالعدول عملاً بالإطلاق.

وعليه فكما لا يلزم الوقوع كلاًّ في المشترك في أصل المسألة، لا يلزم دخول المشترك قبل آخر الصلاة في صحّة الظهر بالعدول. ولو صلّى بقصد الوظيفة وأخطأ في التطبيق، فالأظهر الصحّة بالعدول في الأثناء، وبانكشاف الخلاف بعد الفراغ مطلقاً. ولو لم يتذكّر إلاّ بعد الفراغ، فإن كان في الوقت المختصّ بطلت، وأعاد العصر بعد الظهر، وإلاّ بأن كان كلّه أو بعضه في الوقت المشترك صحّت عصراً، وعليه فعلُ الظهر. ويدلّ عليه حسنة «الحلبي» وسائل الشيعة، ج 3، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 3 و 2. وخبر «عبدالرحمن» نفس المصدر. ما دلّ على الخلاف شاذّ معرض عنه.

 

 
< السابق   التالى >
 
یا ارحم الراحمین یا ارحم الراحمین یا ارحم الراحمین