لزوم الانحناء في الصف المستطيل وعدمه
ثمّ لا يخفى أنّ الدوائر المفروضة حول الكعبة، مختلفة في الصغر والكبر، ويمكن فرض
المسجد من بعضها، والحرم من بعضها، وما بينهما، وما بعد الحرم؛ فإنّه إذا فرض
المصلّي في يمين المسجد، والمصلّي الآخر في يساره، والثالث في ما بينهما من طرف،
والرابع في ما بينهما من طرف آخر ؛ فإنّه يشكّل دائرة محيطة بهؤلاء الأربعة؛ فإذا
استطال صفّ بين كلّ قوسين منها؛ فإنّه يقع الاتصال بين الأربعة وجميع أفراد الصفّ
في المحيط مع الانحناء المحسوس الواقع في كلّ قوس، وهكذا فيالدوائر المتّسعة، حتى
تصل إلى حدّ من استطالة الصفوف لا يكون الانحناء محسوساً إلاّ مع الإحاطة
الحسابيّة بين طرفي القوس الوسيع جدّاً؛ ففرض المساواة الحقيقيّة بين مواقف المصلّين
في الدائرة العظيمة، مخالف لفرض استقبال الكلّ لمركز الدائرة، أو مستلزم لاغتفار
الخروج بسبب استقامة خطّ المصلّين عن الاستقبال للمركز. وذلك لا إطلاق له على
ما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.
وعلى ما ذكرناه، فالانحناء للصفّ المستطيل لا بدّ منه، إلاّ أنّه لا يظهر في الحسّ في
الدائرة الوسيعة جدّاً، إلاّ بعد الملاحظة الدقيقة في طرفي القوس مع وقوع الصفّ
للمصلّين مع التدقيق في ملاحظة الدرجات في أماكنهم المتباعدة.
كما لا خفاء في صحّة ما قيل واشتهر من: «أنّ الشيء إذا ازداد بعداً، ازدادات سعة
محاذاته»؛ فإنّ الدائرة الصغيرة إذا شغلها مأة مثلاً، فالكبيرة يشغلها أكثر منها يقيناً
على اختلاف الدوائر في القرب والبعد لبعضها من البعض، ولا يكون إلاّ بمحاذاة
الإثنين مثلاً في الكبيرة لواحد مثلاً في الصغيرة ؛ وإن كانت الدقّة تقتضي عدم المساواة،
بل واحد من الثلاث مثلاً يحاذي يمين الواحد، وواحد منهم يحاذي يساره، وثالث
يحاذي ما بين الكتفين من الواحد الواقع في الدائرة الصغيرة، وهكذا في سائر الدوائر.
ثمّ إنّ الاستشكال بصحّة صلاة الصفّ المستطيل، وارد على كلّ من القول بكون
القبلة الكعبة، أو الجهة، أو التفصيل بين من في المسجد وخارجه، ومن في الحرم
وخارجه مع المصير إلى الجهة لغير المشاهدين في كلّ من المسجد والحرم، للزوم العلم
بخروج الكعبة عن محاذاة الصفّ، وكذا جهة الكعبة، للعلم بعدم اتصال الخطّ
من المصلّي؛ فلا وجه للجهة الثابتة مع احتمال الاتصال. وكذا الحال في القول الآخر بناء على المعرّفيّة والطريقيّة؛ وأمّا بناء على البدليّة،
فلا بدّ من فرض استطالة الصفّ بنحو يقطع بأوسعيّته من طول الحرم للخارجين
عنه، ومن طول المسجد للخارجين عنه. وكذا الكلام في عدم نفع الجهة مع العلم بعدم الاتصال. ولا سند في تصحيح الصلاة
إلاّ حجيّة الأمارة الواحدة لناحية عظيمة؛ فإذا صحّت صلاة المتباعدين فرادى،
صحّت صلاتهم جماعة. كما لاينبغي الإشكال في أوسعيّة صفوف الخارجين عن المسجد في الحرم من نفس
المسجد مع عدم مشاهدة المسجد.لكن يجري الإشكال مع عدم الانحناء، كما يشكل مع عدم الانحناء المطلق في
داخل المسجد مع الخروج عن محاذاة الكعبة، وإن كان بعض الصفّ المستطيل محاذياً
لها، بل الظاهر البطلان لغير المحاذي فرادى وجماعة. واللازم مع العلم بخروج الكعبة أو بدلها عن المحاذاة، العلم ببطلان صلاة شخص
الخارج عن المحاذاة إذا علم تفصيلاً أو إجمالاً؟ببطلان صلاته، إمّا لأنّ الكعبة أو بدلها،
في أحد الجانبين لهذا الصفّ، أو في الآخر، فيعلم من يتّصل بصفّ طويل ببطلان
صلاته جماعة، إمّا لعدم استقباله للخروج عن المحاذاة، أو بخروج من يتّصل به
من أبعاض الصفّ عن المحاذاة، فتبطل صلاة المتأخّر إمّا لعدم وجدان شرط الصلاة،
وهو الاستقبال في صلاته، أو لعدم وجدان شرط الجماعة، لعدم استقبال من هو
متّصل به إلى الإمام.
ويمكن الدفع
بأنّه مع العلم التفصيلي بخروج نفسه عن محاذاة الكعبة أصلاً وبدلاً،
يلتزم ببطلان صلاته عالماً عامداً؛ ومع العلم التفصيلي بترك الاستقبال، أو ترك الأقرب إلى الإمام، يمكن منع البطلان،
لأنّ العلم التفصيلي بترك استقبال أحد الشخصين
المستلزم للعلم بفاقديّة صلاته لشرط الصلاة أو لشرط الجماعة، مع كون كلّ
من الأقرب وغيره معذوراً مراعياً للوظيفة مصلّياً بمقتضى الأمارة،
ممنوع تأثيره
في العلم
بالبطلان، لكفاية صحّة صلاة المصلّي باعتقاده فيترتيب الغير أثر الصحة على صلاته.
فيمكن أن يكون ذلك كاختلاف أهل الجماعة الواحدة في تشخيص القبلة
بالعلامات المعتبرة لدى كلّ منهم ؛ فإنّه تصحّ صلاتهم إلى أن يقطع بالبطلان
بالاستدبار من بعضهم عند بعض ونحوه، أعني ماكان إلى المشرقين، وإلاّ اُكتفي بصحّة
الصلاة عند المصلّي في ترتيب مصلٍّ آخر أو شخص آخر أثرَ الصلاة بذلك.
ومثل ذلك صلاة واحدٍ ظُهره في أحد جانبي الناحية الوسيعة والعصر في الجانب
[الآخر]، لا كصلاة واحد بالعلامة في أحد الجانبين وصلاة مكلّف آخر فرادى في
الجانب الآخر.
نعم، يخدش به في تشريع العمل بعلامة واحدة لأهل ناحية متّسعة طولاً،
والمفروض أنّ كلاًّ منهما عامل بالوظيفة الظاهريّة؛ فكون واقع الاستقبال مورداً
للتكليف الفعلي المنجّز مع العذر لكلٍّ من العاملين في مخالفته قابل للمنع، وذلك كعدول
المصلّي ظهراً في عصره إلى مجتهد آخر رأى أعلميّته من الأوّل، أو انكشف ذلك فصلّى
مستعملاً لمحلّ اختلافهما في الصلاتين، حيث يقطع بمخالفة العصر للوظيفة الواقعيّة، إمّا
لمخالفة الثاني للواقع في الفتوى أو الأوّل، ولا يضرّ ذلك بعد عدم التنجيز للواقع في
الصلاة الاُولى للحجّة على الخلاف، وفي الثانية كذلك، وإن اختلف المستند فيهما.
مع أنّ صلاة الصف المستطيل مشمولة للإطلاق، ولا يُصرف بالإطلاق عن أدلّة
الشروط. وتجويز ذلك في الأطول من الحرم للخارج عنه قابل للتّأمّل ؛ وكذا في
الخارج من المسجد بنحو يتجاوز طول المسجد بلا انحناء، فعليهم الانحناء إذا علموا
الوقوف في الخطوط المتجاوزة.
مع إمكان الالتزام باتّصال بعض الخطوط إلى الكعبة أو المسجد، الغير المعلوم عدم
محاذاته في جهة المصلّي للكعبة بسبب ما ذكرنا سابقاً ؛ كما نقل عن بعض المتأخّرين
من أنّ تدوير رأس المستقبل يجوّز الاستقبال بين المشرقين، أعني نصف الدائرة. وكذا الحال في المستطيل بلا انحناء في المسجد إذا تجاوز عن الكعبة، فيمكن
الالتزام بأنّه لا تصحّ الجماعة إلاّ مستديراً. وأمّا الاكتفاء بصدق الاستقبال للبعيد بلا اتّصال للخطوط ولو احتمالاً، فكما ترى
فإنّه يوجب الجمع بين الاستقبال ونقيضه في صلاة واحدة.
إشارة إلى ما يكتفي به في الاستقبال
ولا ينبغي الإشكال في أنّه لا بدّ من التمكّن من الاستقبال علماً أو ظنّاً أو احتمالاً لكلّ
مصلٍّ، وأنّه لا يكون الاستقبال إلاّ باتّصال الخطّ من المصلّي إلى الكعبة أو إلى المسجد
والحرم طريقاً أو بدلاً.
والمتيقّن هو الأوّل؛ وهو الظاهر من الأدلّة، بل من بعض كلمات المفصّلين أيضاً،
ومن الاعتبار المناسب للبعيد أيضاً. ولا بأس أيضاً بوصول النوبة إلى ما بين المشرق
والمغرب، وهو الموافق لما مرّ نقله من صدق الاستقبال باتّصال الخطّ في ما بين نصف
الدائرة الموافق لتدوير الراس.
المراد من الجهة وميزان صدق الاستقبال للقريب والبعيد
قال في «الجواهر» في تفسير الجهة، اللازم استقبالها على البعيد، بعد نقله ما في
«المعتبر»، و«كشف اللثام» مع ما فيهما من الاختلاف : «وقد يناقش، يعني في ما
عن «الكشف»، بأنّه لا مدخليّة للاحتمال والقطع المزبورين في الجهة بالمعنى الذي
ذكرناه، ضرورة حصوله مع القطع بخروج نفس الكعبة عن بعض الخطوط، كما في
الصفّ المستطيل المتّصل بمحراب النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم بناء على أنّه منصوب على الميزاب ؛ فإنّه
لا ريب في حصول القطع بعدم كون الكعبة في خطوط مواقف المصلّين يزيد على مقدار
الميزاب إلى الآخر. ومن المعلوم ضرورة صحّة صلاة الجميع، وليس هو إلاّ لحصول
الاستقبال والمحاذاة للبعيد من حيث كونه بعيداً، الّتي قد عرفت عدم توقّف الصدق
فيها على اتصال الخطوط»
جواهر الكلام، ج 7، ص 334 ـ 335.انتهى.
ولم يذكر قدس سره هنا ميزان صدق الاستقبال بلا اتّصال، ولعلّه أحاله إلى ما قدّمه
من سعة المحاذاة للبعيد، لكنّه لا ينافي لزوم الانتهاء إلى الانحناء في قوس الدائرة
في قبال الاستطالة المطلقة في ما بين المشرق والمغرب. وقد مرّ وجه تصحيحها
بالتدوير المقدّم للرأس.
لكنّه يمكن أن يقال: إنّ المستفاد من قوله عليه السلام :
«ضع الجدي في قفاك»
وسائل الشيعة، ج 3، أبواب القبلة، الباب 5، الحديث 1. هو أوسعيّة
أمر استقبال البعيد، لأنّ استدبار الجدي على حدّ استقبال نجم يقابله، ومن المعلوم أنّ
اتّصال الخطّ على الموازاة لا يكون إلاّ لواحد. وقد أمر أهل الناحية المتّسعة باستدبار
هذا النجم المرئي كالنقطة.
فعليه، ينبغي القطع بأنّ المستفاد أنّ البعيد، عليه استقبال الكعبة أو طريقها أو بدلها
رؤيةً لاواقعا، يعني أنّه لابدّ وأن يرى نفسه مستقبلاً، ويراه الناس مستقبلاً وإن علم
بعدم اتصال الخطّ، أو عدم كفاية اتّصاله الخاصّ، وهذا شيء يمكن حصوله لدى أهل
ناحية متّسعة. والعلم بعدم اتصال الخطّ إمّا في استقباله أو استقبال الأقرب إلى الإمام
في الجماعة، لا يضرّ بعد تحقّق الاستقبال العلميّة بحسب القطع، أو الظنّ، أو الاحتمال في
جميع أفراد الصفّ؛ ـ فالشرط وهو الاستقبال روءيةً ـ محقّق، وإن كان استقبال عين
الكعبة بالاتصال غير محتمل للعلم الإجمالي. هذا في البعيد ؛ فالاستقبال الوجداني المذكور مع عدم كونه في الواقع إلى اليمين أو
اليسار، تمام وظيفة البعيد تكليفاً ووضعاً. ولا ينبغي الاستشكال فيه بعد فهمه من جعل الجدي أمارة ؛ فإنّه حيث كان
بحسب الروءية كنقطة بيضاء لا يقابله على التدقيق إلاّ ما يرى كنقطة، لا ما يرى كجبل
في سعته ؛ كما أنّ الحرم على سعته يراه البعيد كالنقطة في آخر ما ينتهي إليه رؤيته له،
وكذا كلّ جسم كبير يشاهده البعيد صغيراً؛ فهو في قوّة التصريح بأنّ استقبال نجم
يقابل الجدي يحصل به استقبال الحرم بما أنّه استقبال الكعبة طريقاً أو بدلاً، فلا بدّ
من فرض الحرم للبعيد كنجم يقابل الجدي في استقبال النجم واستدبار الجدي،
ويكون استقباله محصّلاً للواجب من استقبال الكعبة أو الحرم، ويمكن أن يتأيّد ما مرّ،
بما في المساجد القديمة من الاختلاف الفاحش في ما بينها، وفي ما بين كلّ منها مع
الاعتبارات الهيئيّة. وأمّا القريب فلا بدّ من الاستقبال باتصال الخطّ، بل معظم الخطوط الخارجة
عن موقف المصلّي إلى عين الكعبة، أو المسجد، أو الحرم، طريقاً أو بدلاً على ما مرّ ؛
ولازمه لزوم الانحناء طلباً لاستقبال عين ما يلزم استقباله باتصال الخطوط.
عدم لزوم المداقّة في القبلة و كفاية الظن
وهذا الذي قدّمناه من جهة البعيد وشرحها، المفهوم من جعل الأمارة، مع مساعدة
الاعتبار لجعل العلامة؛ وإن حصل الاختلاف في المواضع وفي موضع المقابلة من ظهر
المصلّي بحسب ما ذكره علماء الهيئة، إلا أنّه لا يلزم على الناس تعلّمها و تطبيق العمل
عليها، بعد صعوبتها على أهل الخبرة بها فضلاً عن غيرهم، وبعد العلم بجريان أمر
استقبال المصلّين في جميع القرى بلا حاجة إلى هذه العلامات المبيّنة في عصر الإمام
المسؤول عنه، ولا طريق إلاّ استفتاء الناس بحسب حاجتهم وابتلائهم العمومي؛ لما مرّ
من تواصل آحاد المصلّين في المواضع المتقاربة، وتكرّر العبور من الطرق المختلفة في
الجهات المختلفة بحيث لا يرتابون في الاستقبال بالوجه الذي ذكرناه. وفي إطلاق
النصّ في العلامة، شهادة على عدم لزوم المداقّة بأزيد ممّا يحصل من الظنّ بالأسباب
الميسورة.
وممّا ذكرناه يظهر أنّ بطلان صلاة الصفّ المستطيل للمشاهد دون غيره، لانحلال
الاستقبال الوجداني في المشاهد دون البعيد ؛ ولا يلزم الانحناء ولو خرج عن حدّ
الحرم ؛ كما لا يلزم الاختلاف تكليفاً ووضعاً في توجّه الشخصين فرادى في طرفي
الناحية العظيمة ؛ وأنّ استعمال القواعد الرصديّة ممّا يتغيّر به الاستقبال الوجداني؛ وأنّ
هذا التغيير والاستعمال غير لازمين على العموم؛ وإلاّ اختلّت أمورهم إذا صرفوا
الأوقات في القبلة بأزيد من صرف الوقت فينفس الصلاة و الطهور، وهو مخالف
لسهولة الشريعة، بخلاف الحدّ الذي فيه السهولة النوعيّة والشخصيّة. وفي عدم
التفصيل في النصّ المعتبر دلالة عليه، مع إرشاده إلى الواضحات لديهم من غير هذه
الطرق لعموم البلوى، والجري على ما سبق منهم بلا نكير من الأئمة عليهم السلام قد مرّ وجه
معلوميّته لديهم. ويظهر من «الجواهر» في نقله عن «شارح الإرشاد» حيث قال : «قلت : قد يحمل
المحاذاة على الحسيّة، بل ذلك هو المتعارف على لسان أهل الشرع على نحو ما اشتهر
بينهم من أهل العراق مثلاً، وإن طالت صفوفهم واستوت مواقفهم، يجعلون الجدي
بحذاء المنكب على نحو واحد. ومن المعلوم امتناع ذلك بحسب نفس الأمر لاختلاف
أشخاصهم فيه، وإنّما يمكن تحقّقه بحسب الحسّ؛ فعلى هذا ليس البعد مخلاًّ بظنّ
المحاذاة، بل كلّما ازداد، اتّسع السمت الذي تظنّ هي فيه» جواهر الكلام، ج 7، ص 339
موافقتـه له ولما قدّمناه.
وأمّا ما يلزم المشاهِد من حدّ الاستقبال، فالظاهر أنّ لزوم استقبال مجموع الكعبة
بالمقاطرة ونحوها، من الأغلاط ؛ وأنّ اللازم استقبال أيّ جزء منها، إلاّ أنّ اللازم
استقبال المصلّي، فلا بدّ من صدقه. ولا ينبغي إنكار الصدق مع استقبال معظم أبعاض
البدن، بحيث لا يكون الخارج من حدّ الكعبة إلاّ قليل من البدن، ولأجله قيل بعدم
كفاية إمالة البدن أو بعض المقاديم عن القبلة في التخلّي في نفي الحرمة.
وإنّما الإشكال في الاستقبال بخصوص نصف البدن ؛ فإنّه يصدق كلّ من الاستقبال
والعدم. والظاهر كفاية الاستقبال بالوجه، المستلزم لكونه؟ الخارج خصوص أحد
طرفي الوجه، إلاّ أنّه من الاستقبال بمعظم البدن ؛ فيبقى الاستقبال بنصف الوجه وما
يتصلّ به مورداً للإشكال، فضلاً عن الأقلّ من ذلك؛ بل الأقلّ بما أنّه خروج
عن صدق استقبال المصلّي، لأنّ المعظم على الفرض، خارج عن الإشكال، وإنّما مورد
الإشكال خصوص الاستقبال بنصف البدن ؛ فإنّ عدم الصدق للاستقبال وإن كان
لا أثر له في الجملة، إلاّ أنّه حيث لا يكون مانعاً عن صدق استقبال المصلّي المنصرف
إلى غير الفرض، فالاحتياط لا يترك في ذلك.
القبلة أعمّ من البناء والفضاء
ثمّ إنّه لا خفاء في أنّ القبلة أعمّ من البناء والفضاء ؛ فلو زالت البنية بظُلم أو غيره، كفى
استقبال الفضاء؛ كما لو صلّى مَن في جبل «أبي قبيس»، فقبلته ما يحاذيه من الفضاء
الخاصّ المتّصل من تحته ببناء الكعبة. ومثله المصلّي في سرداب في «مكّة» أسفل
من بناء الكعبة، فقبلته ما يحاذيه من الأرض المتّصل فوقها ببناء الكعبة.
ويمكن فهم ذلك من الإطلاقات من جهة أنّ استقبال كلٍّ في مكانه ـ عالياً كان
على الكعبة أو سافلاً عنها ـ هو المطلوب منه، لا تغيير المكان حتى يساويها في موقفه؛
فلو كان ذلك واجباً، لزم بيانه.
وقد وقع بيان الخلاف في العالي الذي يساوي السافل في عدم المساواة مع البناء،
ولا يمكن أن يكون وظيفته خارجة من العين، والجهة التي لا تتصوّر إلاّ باستقبال
الفضاء الذي هو المقدور للمنخفض مكانه عن بناء الكعبة، الكثير الوقوع في بعض
الأمكنة في نفس «مكّة» وفي أطرافها القريبة والبعيدة؛ فإنّ العين والجهة مشتركتان في
لزوم المساواة بين الموقف والبناء وعدم لزومه. وإنّما الاختلاف في أوسعيّة حدّ استقبال البعيد بحسب الجانبين، وبحسب ما قدّمناه
من الاستقبال الحسيّ الذي لا بدّ فيه من التحفّظ فيه أيضاً على العلم ومراتب الظنّ،
فلا يتنزّل إلى الضعيف مع التمكّن من القوي بلا حرج بالنسبة إلى الحرم طريقاً أو
بدلاً بالنسبة إلى القريب. وأمّا العالي والسافل، ففيهما إشكال آخر مندفع بكون
الفضاء قبلة.
جواز الفريضة في جوف الكعبة
ثمّ إنّه يدلّ على جواز الفريضة في الكعبة اختياراً كما عن المشهور، موثّقة «يونس بن
يعقوب»: «قال : قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : حضرت الصلاة المكتوبة وأنا في الكعبة
أ فأصلّي فيها؟ قال : صلّ»وسائل الشيعة، ج 3،
أبواب القبلة، الباب 17، الحديث 6 و 1. وبها يحمل ما في صحيح «محمّد بن مسلم»:
«لا تصل المكتوبة في الكعبة»
على الكراهة.
وأمّا صحيح «معاوية بن عمّار»وسائل الشيعة، ج 3، أبواب
القبلة، الباب 17، الحديث 3. فدلالتها على المنع ضعيفة، لما فيها من الاستدلال
بترك رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم الصلاة فيها إلاّ مرّة نافلة. وعن «الشيخ» رواية ما مرّ عن «محمّد بن مسلم» بعبارة :
«لا تصلح الصلاة
المكتوبة جوف الكعبة» وفي الموضع الآخر مثل ذلك بزيادة :
«وأمّا إذا خاف فوت
الصلاة، فلا بأس أن يصلّيها في جوف الكعبة». ويحتمل قريباً وحدة أصل روايات «محمّد بن مسلم»، إذ يبعد تعدّد الواقع
واختلاف العبائر، مع نقل المخالف للرواة عن «محمّد بن مسلم» بلا إشكال إلى التعبير
الآخر في الواقعة الاُخرى. وعلى أيّ، فإن كان الأصل واحداً ونهياً، يحمل على الكراهة كما مرّ، واحتماله لغير
النهي ـ كالعبارة الاُخرى الظاهرة في الكراهة ـ حيث لا يثبت معه المنع، فلا يحتاج
إلى الجمع المذكور؛ فإن يثبت المنع، جُمع بما مرّ. والحمل على الاضطرار والجمع بالحمل
عليه على التفصيل بعيد جدّاً، كما لا يخفى. ثمّ إنّ صدق الاستدبار على المصلّي في الكعبة، لا يضرّ بعد صدق الاستقبال أيضاً :وزيادة الاحترام في الصلاة إليها عن الصلاة فيها وإن صلّى إليها أيضاً، لا توجب
تكليفاً نفسيّاً أو شرطيّاً. وأمّا استقبال أيّ جدرانها شاء، فهو بمعنى عدم الاختصاص، أو في قبال توهّم
لزوم كونها بين الاُسطوانتين كما فعله صلى الله عليه و آله وسلم ، أو في قبال الصلاة إلى أربع جوانب كما
أرسله في «الكافي» إذا حمل على الزوايا؛ وإلاّ فيبعد إرادة التكرار، ويلغو الحمل على
غير ذلك، إلاّ ما قدّمنا من الزوايا، لمكان أنّها صلاة إلى جهتين، أعني طرفي الزاوية،
فتحمل على الندب.
الاستقبال على سطح الكعبة
ثمّ إنّ المصلّي على السطح كالمصلّي في الجوف، يبرز بين يديه شيئاً من البناء أو الفضاء
لو لم يكن بناء ليستقبله، فيكون الداخل كالخارج في هذه الجهة.
وأمّا الرواية في الاستلقاء على السطح للتوجّه إلى البيت المعمور فمع شذوذها،
ومخالفتها للإطلاقات الغير القابلة للحمل على ما فيها، ومخالفها للمشهور، أو المجمع
عليه ـ
يمكن حملها لو ثبتت على التخيير، وإن كان الأحوط ردّ عملها إلى أهلها.
عودَة إلى حكم الصلاة في الصفّ المستطيل
مسألة : تبيّن ممّا مرّ أنّه لو استطال صفّ المأمومين في المسجد حتّى خرج بعضهم عن
سمت الكعبة، بطلت صلاة ذلك البعض، وكذا في الصفّ الطويل الخارج عن سمت
المسجد في خارج المسجد، وفي الخارج عن محاذاة الحرم في خارج الحرم. وإنّما يختلف
ذلك بحسب اختلاف الأخبار في بدليّة المسجد والحرم وطريقيّتهما؛ فعلى البدليّة تصحّ
الصلاة بمحاذاة المسجد سمتاً وإن خرجت عن سمت الكعبة، وكذا في الحرم الخارج
عن سمت المسجد إذا حاذى الحرم فقطّ ؛ بخلاف القول بالطريقيّة إلى الكعبة في كلّ
من المسجد والحرم، كما مرّ.
والقول بالبدليّة، مستنده روايات التياسر؛ وتعليله «بأنّ الحرم في يسار الكعبة
أوسع منه في يمينها بالضِّعْف، لمكان إشراق نور الحجر الأسود»أصل الرواية موجود في
وسائل الشيعة، ج 3، أبواب القبلة، الباب 4، الحديث 2. وهذا على خلاف ما
دلّ على أنّ القبلة الكعبة، ولا يقبل التوجّه إلى غيرها وسائل الشيعة، ج 3، أبواب
القبلة، الباب2، الحديث 10. وحملها على من في خصوص
المسجد الحرام كما ترى.
تدقيق في روايات التياسر
ويمكن المناقشة الثبوتيّة في ما يستفاد من الرواية الدالّة على التياسر، وتعليله بما مرّ، بأنّ
من كان بعيداً عن الحرم بحدّ يميّز يمين الكعبة عن يسارها، فالميل عن الحدّ المسامت
للكعبة إلى اليسار له في غاية البعد استحباباً، فضلاً عن اللزوم المستفاد من بعض كتب
الفتوى. إلاّ أنّ يقال بأنّه إذا تشخّص الحرم في مسافة وسيعة في قبال المصلّي بحيث له
أن يصلّي في جميع هذه المسافة مستقبلاً لبعضها ؛ فإنّه يختار يسار هذه المسافة بالنسبة
إلى المستقبل لها على يمينها. وفيه
أنّ المميّز لكون الحرم في هذه المسافة على هذه الرواية، يميّز الكعبة في جهة
كون الحرم بالنسبة إليها ثلثاه في طرف اليسار وثلثها في طرف اليمين، فيكون المميّز
للكعبة مطلوباً منه العدول عن مسامتة نفس الكعبة إلى مسامتة يسار الكعبة.
وفيه ما مرّ من الاستبعاد ـ فإنّه مضافاً إلى ما فيه من البدليّة ـ، مشتمل على أولويّة
البدل، ندباً أو لزوماً عن الأصل، وإن كان البعد بحدّ لا يميّز اليمين للكعبة عن اليسار،
بل يكون الحرم كلاًّ عنده على مساحة نجم ؛ فإنّه بمجرّد الميل يخرج عن الحرم كلاًّ،
كان في طرف اليمين أو اليسار؛ ولذا يكون الاستقبال الحسّي بعيد هكذا باستدبار
الجدي مثلا، واستقبال ما يقابله بقدره فيالفرض.
قبلة أهل العراق ومن سامتهم
مسألة : أهل العراق يجعلون الجدي خلف المنكب الأيمن ويدلّ عليه مرسلة
«الصدوق» : «إنّي أكون في السفر ولا أهتدي إلى القبلة باللّيل، فقال : أتعرف الكوكب
الذي يقال له جدي؟ قلت : نعم، قال : إجعله على يمينك، وإذا كنت في طريق الحجّ،
فاجعله بين كتفيك»من لايحضره الفقيه، ج 1، ص
280/860 ؛ وسائل الشيعة، ج 3، أبواب القبلة، الباب 5، الحديث 2. وخبر «محمّد بن مسلم» عن أحدهما عليهماالسلام :
«سألته عن القبلة،
قال : ضع الجدي في قفاك وصلّ» وسائل الشيعة، ج
3، أبواب القبلة، الباب 5، الحديث 1. مع موافقة الاعتبار لهذه العلامة ونحوها ممّا ذكره
الأصحاب في كتبهم.
وحيث إنّ هذه الروايات عمل بها الأصحاب، وعبّروا عمّا فيها بما يطابق قواعد
الهيئة، فلا ينبغي التشكيك فيها سنداً أو دلالة ؛ فإنّ من يجعل الجدي بين الكتفين هو
العراقي، ونحوه الموافق له في طول البلد ؛ فيكون في محلّ سكناه من العراقي الذي
يختلف مع سائر البلد بهذا الحدّ، كالأطراف الغربيّة للعراق، فيوافق خبر «محمّد بن
مسلم الكوفي» حيث جعل قبلته بين الكتفين للجدي. وما قد يقال : إنّه مقتضى التدقيق من جعله خلف الأذن اليمنى، فلعلّه تفاوت يسير
مغتفر؛ وكذا قوله في خبر «إسماعيل بن زياد» في الجدي :
«لأنّه نجم لا يزول، وعليه
بناء القبلة»وسائل
الشيعة، ج 3، أبواب القبلة، الباب 5، الحديث 1 و 3 و 4. يعني يكون المستقبل أينما كان متّصلاً بخطّ خاصّ إلى الجدي في طرف
من دائرة موقفه. وكذا قوله في الخبر الآخر، في الجدي :
«وعليه تبني القبلة» بالمعنى المذكور.
ومنه يظهر : أنّ قوله عليه السلام في صحيح «زرارة» في جواب قوله : أين حدّ القبلة؟ :
«ما
بين المشرق والمغرب قبلة»وسائل الشيعة، ج 3،
أبواب القبلة، الباب 2، الحديث 9. بمعنى جواز الصلاة إلى ما بين المشرق والمغرب لمن كان
قبلته الحسيّة بينهما اختياراً، لمن لم يتمكّن من تعيين الأضيق من هذا الحدّ في ما بينهما
بالأمارات؛ وإلاّ تعيّن التعيين بمقتضى أدلّة لزوم استقبال العين للبعيد المتمكّن، كان
عين الكعبة، أو عين الحرم أي سمتها، ولا وجه لتخصيصه بالصلاة الواقعة باعتقاد
تشخيص القبلة مع انكشاف الخلاف.
مراتب الاستقبال
وبالجملة،
فمن تمكّن من استعلام سمت الكعبة أو الحرم بنحو ينتهي إلى الاستقبال
الحسّي برعاية قواعد الهيئة، وتحصيل مقدار الانحراف إلى المغرب أو إلى المشرق
بواسطة فهم طول البلد وعرضه مَقيسَيْن إلى طول «مكّة» وعرضها بلا عسر
شخصي، فعليه العمل بذلك، لما دلّ على لزوم الاستقبال إلى الكعبة، وأنّه لا يقبل
التوجّه إلى غيرها، وأنّ الحرم قبلة البعيد طريقاً أو بدلاً. ومثله من عرف محلّ وضع الجدي بعد الاستعلام المتقدّم، وأنّه في بلده بين الكتفين، أو
خلف أحد المنكبين. فمن عرف ذلك بالحساب في تعيين أحد الأقسام الثمانية المتصوّرة في البلدين طولاً
وعرضاً، أو لم يعرف، إلاّ أنّه أخذه من أهل الخبره بذلك المحاسبين لذلك،
كان العمل
بذلك بدخالة الجدي واستعلام نقطة الشمال به، أو بغير ذلك من الآلات المستحدثة،
فتكفي الأدلّة العامّة لتعيّن ذلك مع عدم العسر الشخصي. وكذا استعلام جهة الاستقبال
الحسيّ من الأمارات من قبيل المساجد، وقبور المسلمين، وقبر المعصوم عليه السلام مع
الاطمئنان بالبناء الأصلي. وكذا معرفة مصلّى العابرين من المسلمين مع رعاية الأقوى
ظنا، و عدم التنزّل إلى الأضعف إلاّ مع عدم التمكّن. ومن لم يعرف ولم يتمكّن من أزيد ممّا بين المشرق والمغرب، وأنّ سمت القبلة في
بعض هذا المجموع بلا رجحان ؛ فإنّه يصلّي
إلى بعض هذا المجموع المفيد للعلم بالصلاة
إلى سمت القبلة الحسيّة، أو ما لا يخرج عن ذلك السمت إلى حدّ المشرق أو المغرب.
اختلاف الطول و العرض و تعيين القبلة بهما
وأمّا بحسب مقتضى الاعتبار، فمحلّ الكلام فيه أنّ البلاد الشماليّة إنّما يختلف سمت
القبلة فيها باختلاف الانحراف إلى المغرب أو المشرق بقدر اختلاف طول البلد
عن طول «مكّة» شرّفها اللّه ؛ فما كان من البلاد في غرب «مكّة» فانحرافه إلى المشرق،
وما كان في شرق «مكّة» فانحرافه الى المغرب، وما سامتها في الطول فلا انحراف فيه
عن نقطة الجنوب، كما لا ينحرف المسامت لها في البلاد الجنوبيّة، والانحراف وقدره في
البلاد الجنوبيّة على ما مرّ في الشماليّة. وستعلم قدر اختلاف طول البلد مع طول
«مكّة» ممّا سيجيء إليه الإشارة،
ومن النقوشيراد
منها الخرائط. الصحيحة المرسومة المبنيّة لنسب البلاد
بعضها إلى بعض من حيث الشرق والغرب والجنوب والشمال. ولا يخفى أنّ الاختلاف الطولي إذا كان قليلاً فإنّه لا يوجب الانحراف، بل الصفّ
المستطيل المستقيم تصحّ صلاتهم جماعة؛ فإنّ الانحراف لا يتبيّن في الظاهر إلاّ في حال
استبانة التقوّس الحسّي في محيط الدائرة. والظاهر أنّه لا يستبين في أقلّ من ثُمن
الدائرة، إلاّ أنّ الدائرة الصغيرة ظهورُ التقوُّس فيها أسرع منه في الكبيرة جدّاً؛ فلعلّه
لا ينوط صحّة الصفّ المستطيل مستقيماً في الدوائر الكبار على عدم اعتبار أزيد
من اتّصال خطّ من رأس المصلّي، الذي هو شبه الدائرة كما أفيد.
قال قدس سره في «الروض»
روض الجنان في شرح ارشاد الاذهان، الطبعة الحجرية ص 201. بعد تقسيم اختلاف البلاد مع «مكّة» المعظّمة في الطول
والعرض إلى ثمانية ـ : «فإن تساوى الطولان وعرض البلد أكثر، فسمت القبلة نقطة
الجنوب ؛ وإن كان أقلّ فهو نقطة الشمال ؛ وإن تساوى العرضان وطول البلد أكثر،
فسمت القبلة نقطة المغرب ؛ وإن كان أقلّ فهو نقطة المشرق. ومعرفة السمت في هذه
الأربعة سهل يتوقّف على إخراج الجهات الأربع على وجه الأرض بالدائرة الهنديّة أو
غيرها لا غير. وإن زادت مكّة على البلد طولاً وعرضاً، فسمت قبلة البلد بين نقطتي المشرق
والشمال ؛ وإن نقصت فيهما، فهو بين نقطتي الجنوب والمغرب ؛ وإن زادت عن البلد
طولاً ونقصت عرضاً، فسمت قبلة البلد بين نقطتي الجنوب والمشرق؛ وإن انعكس،
فبين نقطتي المغرب والشمال. وهذه الأربعة تعلم من الجهات أيضاً إجمالاً.» إلى أن قال ـ بعد ذكر قسمة كلّ قوس من الأربعة التي بين الجهات، بتسعين قسماً،
لتصير الدائرة ثلاثمأة وستّين قسماً، كما هو المفروض في قسمي الطول والعرض ـ : «فإن كانت «مكّة» أطول من البلد المطلوب سمت القبلة فيه وعرضها أقلّ
من عرضه، بأن يكون البلد غربيّاً شماليّاً من «مكّة» كبلدنا، تعدّ من محيط الدائرة
الهنديّة مبتدءاً من نقطة الجنوب بقدر فضل ما بين الطولين إلى المشرق، ومن نقطة
الشمال مثله إلى المشرق أيضاً، وتصل ما بين النهايتين بخط مستقيم، ثمّ تعدّ من نقطة
المشرق إلى الجنوب بقدر ما بين العرضين، ومن نقطة المغرب مثله، وتصلّ ما بين
النهايتين بخط مستقيم، فيتقاطع الخطّان لا محالة، ثمّ تخرج من مركز الدائرة خطّاً
مستقيماً مارّاً بنقطة تقاطعهما وتوصله إلى محيط الدائرة؛ فذلك الخطّ سمت قبلة البلد.
والقوس التي بين طرف الخط المنتهي إلى المحيط ونقطة الجنوب، هو قدر انحراف سمت
القبلة في ذلك البلد عن نقطة الجنوب نحو المشرق. وإن كان طول «مكّة» وعرضها أقلّ من طول البلد المطلوب سمت القبلة فيه
وعرضه، بأن يكون البلد شرقيّاً شماليّاً من «مكّة» كأكثر «العراق» وجميع «خراسان»
وما والاها، فعُدّ من الدائرة من نقطة الجنوب إلى المغرب بقدر فضل ما بين الطولين،
ومن نقطة الشمال مثله، وتصل ما بين النهايتين كما مرّ، ثمّ عدّ من نقطة المغرب إلى
الجنوب بقدر ما بين العرضين، ومن نقطة المشرق مثله، وتصل ما بين النهايتين أيضاً،
وأخرِجْ من المركز خطّاً مارّاً بنقطة التقاطع إلى المحيط، فذلك سمت قبلته.
وإن زادت «مكّة» عن البلد طولاً وعرضاً، بأن كان غربيّاً جنوبيّاً، فعدّ من نقطتي
الجنوب والشمال إلى المشرق، ومن نقطتي المشرق والمغرب إلى الشمال، وتعمل كما مرّ. وإن كانت «مكّة» أعرض من البلد وهو أطول منها، بأن كان شرقياً جنوبيّاً، فعدّ
من نقطتي المشرق والمغرب إلى الشمال. ولا يخفى عليك باقي العمل إذا تدبّرت
ما أسلفناه. ولنمثّل لقبلة بلدنا مثالاً، ليتّضح لك بالعيان، مرتّباً على ما قرّرنا من المقدّمات،
ونتبعه بما استدركناه في الجهات، فنقول : طول «دمشق» من البحر الغربي 60 درجة،
وعرضها ثلاث وثلاثون ونصف، فهي أعرض من «مكّة»، و«مكّة» أطول منها، فهي
إذن غربيّة شماليّة ؛ فيكون سمتها خارجاً بين نقطتي الجنوب والمشرق. وطول وسط
«العراق» كـ «الكوفة»، و«بغداد» 79 درجة محدودة الدقائق، وعرضها 32، فهي إذن
شرقيّة شماليّة فسمتها غربي جنوبي. وطول «البصرة» 75، وعرضها قريب من
عرض الكوفة، فهي إذن محتاجة إلى زيادة تقريب، واعتبر باقي البلاد بهذا التقريب،
واللّه الموفّق.
استحباب التياسر لأهل العراق وما فيه
وأمّا استحباب التياسر لأهل العراق كما حكى عن المشهور، فقد مرّ وجه الإشكال
الثبوتي فيه؛ فإن صح ما حُكي عن العراقيّين من العامّة أنّهم يتيامنون عن قبلة
المساجد المعروفة كمسجد الكوفة، وأنّ انحرافهم إلى اليمين ليس لوجه صحيح،
فالمطلوب التياسر عن جهة تيامنهم، لا عن القبلة في العراق. نعم، حيث يمكن الاعتذار عندهم بأنّ الحرم في يسار الكعبة ضِعْفَه في يمينها، فهو
موافقة للواقع مع التقيّة في الاعتذار. وعدمُ وجوب ذلك ـ مع أنّ اللازم، على ما ذُكر،
الوجوب لا الندب ـ لمكان عدم اطّراد الإمكان، فيكون كالصلاة لا متكتّفاً معتذراً
بأنّه مالكي؛ لكن ظاهر الفتاوى استحباب التياسر عن القبلة لا عن قبلتهم.ومثل ذلك ما عن «المجلسي» قدس سره من: «أنّ مساجد العراق القديمة كمسجد الكوفة،
والسهلة، ويونس، مبنيّة على التيامن عن القبلة بحسب ما ترشد إليه قواعد الهيئة،
والبناء في زمن خلفاء الجور، فأمرنا بالتياسر للاستقبال بتعليل فيه التقيّة
عن العلّة الواقعيّة». وهذا مبني على تغيير بناء هذه المساجد عمّا كانت عليه في زمان أمير المؤمنين عليه السلام
أو أنّه كان يتياسر فيها إلى ما يقارب عشرين درجة، وكلاهما مستبعد جدّاً؛ وإن
كان هذا الوجه ـ لو صحّ ـ مفيداً، ولعلّ التفاوت فيها ما يكون بين المنكب وخلف
الاُذن اليمنى. ويمكن للعامّة الاستناد في تيامنهم عن القبلة ببناء هذه المساجد على هذا الوضع
مع كونه متّبعاً لديهم. لكن لازم الوجهين الوجوب مع الإمكان وعدم التقيّة، لا الندب، فالعبرة بما
تقتضيه القواعد، وإلاّ فسائر الأمارات.
والطريق الثاني: ما عن نصير الدين الطوسيّ قدس سره في محكيّ «التذكره»
جواهر
الكلام، ج 7، ص 382. قال: «إنّ
الشمس تكون تارة بسمت راس مكّة ـ شرّفها اللّه تعالى ـ حين كونها في الدرجة
الثامنة من الجوزاء، والدرجة الثالثة والعشرين من السرطان وقت انتصاف النهار.
والفضل بين نصف نهارها ونصف نهار سائر البلدان أن يكون بقدر التفاوت بين
الطولين؛ فليؤخذ التفاوت، ويؤخذ لكلِ خمسة عشر جزءاً منه ساعة، ولكل جزء
أربع دقائق؛ فيكون ما اجتمع، ساعاتِ البعد عن نصف النهار. وليرصد في ذلك اليوم
ذلك الوقت قبل نصف النهار إن كانت مكّة ـ
شرّفها اللّه تعالى
ـ شرقيّة، أو بعده إن
كانت غربيّة، فسمت الظل حينئذٍ سمت القبلة» انتهى. وقد يستغنى عن معرفة الطولين بما استحدث من سماع الأذان بمكّة بالآلات
المستحدثة بعد معرفة التفاوت بين الانتصاف والزوال، والانحراف في ما بينهما إن كان
محسوباً ولو في غير اليومين، ثمّ العمل على طبق ذلك في الأذان الواقع في أحد اليومين ؛
فإنّ المستقبل للشمس حين مسامتتها لمكّة ـ شرّفها اللّه ـ مستقبل لمكّة أينما كان
المصلّي في الشرق أو الغرب لمكّة ـ شرّفها اللّه ـ وتكون الشمس حينئذٍ في الجنوب
الشمالي وفي الشمال الجنوبي. وبعد وضع العلامة في ذلك اليوم في المكان الخاص يعلم
قبلة ذلك المكان في كلّ زمان، وفي ما وافقه في الطول والعرض.