الفصل الثالث ما يُستقبل له
إشارة إلى شرطية الاستقبال في الصلوات المختلفة و عدمها
مسألة :
يجب الاستقبال في فرائض الصلاة مع الإمكان، وهو مجمع عليه مدلول
الكتابسورة البقرة، الآية 144. والسنة وسائل الشيعة، ج 3، أبواب القبلة، الباب 1. وأمّا الواجب بالعارض كالنذر، فيمكن أن يقال بتبعيّته للقصد؛
فإنّ كون النافلة مع الاستقبال، بنحو تعدّد المطلوب، فلا مانع من تعلّقه بالأوّل. وأمّا مثل صلاة العيد، والمعادة ندباً، فالظاهر وجوب الاستقبال شرطاً. وأمّا المعادة
للاحتياط الندبي، فالظاهر عدم حصول الاحتياط إلاّ بالاستقبال، وكذا المعادة لفضل
الجماعة المطلوب فيها زيادة الفضيلة، فلا يمكن نقصان الفضل من جهة اُخرى،
والغرض فيهما لا يحصل إلاّ بالاستقبال. وأمّا صلاة الجنازة فلولا الدليل على لزوم الاستقبال فيها، أمكن المنع بسبب
ما دلّ على أنّه دعاء لا يلزم الطهور ؛ فإثبات سائر ما يلزم في الفريضة يحتاج إلى
الدليل الموجود في القيام، والاستقبال، والتكبير، كغيرها ما لا يلزم في الصلاة
المفروضة. والظاهر أنّ ركعات الاحتياط والمنسيّ يراعى فيها ما يلزم في الأصل، إلاّ التقدّم
على تسليم الصلاة، بخلاف سجدتي السهو؛ فإنّه محتاج إلى دليل آخر. والكلام في باقي ما يعتبر فيه الاستقبال موكول إلى محلّه.
اشتراط النوافل بالاستقبال وعدمه
وهل يجب الاستقبال شرطاً في النوافل في غير الماشي والراكب، أو لا؟ فيه خلاف،
نسب الجواز إلى غير القبلة في محكيّ «الذكرى» إلى كثير، والعدم في «الجواهر»جواهر
الكلام، ج 8، ص 4. إلى
المشهور.
ويستدلّ للجواز بالأصل ؛ فإنّه غير معتبر في الفرائض مع الضرورة والشدّة، فضلاً
عن النافلة، وفي النافلة ماشياً أو راكباً، ويشكّ في الاعتبار في حال الاستقرار من غير
ضرورة. وبقوله تعالى : «فأينما تولّوا» إلى آخره، بعد نقل نزولها في النافلة في السفرمجمع
البيان، ج 1 ص 191؛ وسائل الشيعة، ج 3، أبواب القبلة، الباب 15، الحديث 18. مع
فرض الاستقرار في المقام، فيجري فيه بالأولويّة. وبأنّ الإطلاقات لا يتقيّد في المندوبات، وأنّما يحمل المقيّد على تعدّد المطلوب. وبما عن مسائل «عليّ بن جعفر» عليه السلام :
«سألته عليه السلام عن الرجل يلتفت في صلاته،
هل يقطع ذلك صلاته؟ فقال : إذا كانت الفريضة والتفت إلى خلفه، فقد قطع صلاته
فيعيد ما صلّى و لايعتدّ به؛ وإن كانت نافلة، لا يقطع ذلك صلاته، ولكن لا يعود»
وسائل الشيعة، ج 4، أبواب قواطع الصلاة، الباب 3، الحديث 8.
فإنّ الالتفات مستلزم لترك الاستقبال الذي لا يصدق إلاّ مع تولية الوجه». وأمّا الأصل المذكور، فهو وإن كان هو المختار في الاشتراط، إلاّ أنّه مع عدم الدليل
عليه، ويكفي دليلاً منكَريّة تعمّد ترك الاستقبال، أو ترك الاستقبال المبطل في الفريضة
عند المتشرّعة؛ مع أنّ إطلاق أدلّة الأمر بالصلاة التي وردت في مقام البيان
لخصوصيّات الاستقبال عند الجهل أو عدم التمكّن وفي غيرهما، يقتضي الجواز كلاميّاً
على «الأعمّ»، ومقامياً على «الصحيح»، فلا تصل النوبة إلى الأصل. ولا أثر للشهرة
إن لم تكن حجّة في الشك في الشمول؛ مع أنّ التمسّك بالإطلاق، عند الشك الغير
الموجب للإجمال المفروض عدمه.
وكذا أصالة
المساواة بين الفريضة والنافلة في الأجزاء والشروط بحيث يحتاج الفرق
بينهما إلى البيان لا الاشتراك،
لا ينبغي إنكارها، وأنّ المفهوم من الأدلّة الاعتبار في
الصلاة، لا في الفريضة منها. وكذا المرويّ من قوله عليه السلام :
«صلّوا كما رأيتموني اُصلّي»عوالي
اللئالي، ج 1، الحديث 8. فإنّ مفاده لتكن
صلاتكم كصلاتي في الأجزاء والشروط، وليست إيجاباً؛ وإلاّ لوجب فعل صلاة منهم
بعد هذا الأمر بركعتين، وهو كما ترى. وإنّما المقصود إيجاد التسوية في الصلوات
المطلوبة على أيٍّ من الطلبين. وأهميّة الفريضة بحيث لابدّ من بيان ما فيها، لا توجب
التخصيص. وأمّا رواية «علي بن جعفر»، فدلالتها بالإطلاق لغير السهو، ويمكن جعل
الارتكاز المتقدّم إليه الإشارة مقيّداً لهذا الإطلاق، لما مرّ من أنّ الفرق وتجويز العمد
محتاج إلى التصريح؛ مع أن تعمدّ الالتفات إلى الخلف كأنّه غير عقلائي لغير المحتاج؛
ومع ما في السند من الضعف في نفسه، وبملاحظة اشتهار المنع الموجب للوهن. وكذا عموم الأمر بتولية الوجه في الآية الشريفة ؛ فإنّ المحذوف المعهود هو الصلاة
لا خصوص الفريضة ـ أعني ما يعتبر فيه الاستقبال ـ يتغيّر المستقبَل ـ بالفتح ـ على
حسب العهد، إلاّ أنّه إيجاب جديد للاستقبال بحسب غير المستقبَل ـ بالفتح ـ أعني
المسقبَل فيه. مع أنّ الفساد وإن كان عامّاً لغير الفريضة، إلاّ أنّ الاستدلال له بالآية الشريفة
الواقع فيه الأمر، الظاهر في الإيجاب النفسي المنحصر بالفريضة ؛ فربّما كان ما في
صحيح «زرارة» من قول أبي جعفر عليه السلام في الفريضة لمكان أنّ الإيجاب مع الشرطيّة
ينحصر بالفريضة، لا أنّ الشرطيّة أيضاً منحصرة بها، وحيث إنّ إيجاب التقييد
بالاستقبال منشأ لإيجاب الاستقبال غيريّاً، يكفي ذلك في جعل الإيجاب كناية عن
الإيجابين. مع أنّ المفهوم، منحصر في صورة انحصار الفائدة فيه، ويكفي في عدم الحصر
اختلاف النافلة في غير الضرورة بحسب الاشتراط وعدمها، كما في موارد الاستثناء.
ومثل هذا الظهور الضعيف لا يقاوم الارتكاز القوي، فتدبّر.
وكذا قوله عليه السلام في الصحيح الآخر : «لا صلاة إلاّ إلى القبلة»
دالّ على عموم
الشرطيّة ؛ ولا يقيّده الأمر بالإعادة في الجواب عن السؤال الواقع بعد ذلك القول، مع
عدم الظهور في إرادة العلم والعمد، كما يرشد إليه ذكر الوقت في يوم غيم؛ مع أنّ الأمر
بالإعادة على حسب الأمر الابتدا[ئى]
في كون المطلوبيّة إيجاباً أو ندباً، والجامع
البطلان، وجعل ما وقع كالعدم. وكذا قوله :
«لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس»
الذي يكون الإرداف بسائر الأركان
شاهداً للعموم. وأنّ مطلوبيّة الإعادة على حسب مطلوبيّة البدء في كيفيّة المطلوبيّة، مع
أنّ قضيّة المساواة المرتكزة الاتّحاد في ما يعاد وما لا تعاد مع الاختلاف في كيفيّة
المطلوبيّة.
وذكر الوقت لا قرينيّة فيه على التخصيص، لأنّ في الفرائض أيضاً ما هو غير
موقّت كذوات الأسباب، كما أنّ في النوافل ما هو موقّت كالرواتب. وأمّا ما في التفسير من نزول الآية الشريفة في النافلة في السفر، وأنّه لا بدّ في
الفريضة من الاستقبال، فإنّما يدلّ على اغتفار الترك في النافلة لا يغتفر مثله في
الفريضة، كالركوب والمشي لا لضرورة بخلاف الفريضة؛ وأمّا الأزيد من ذلك،
من ترك الاستقبال في حال الاستقرار مع التمكّن، فليس فيه إلاّ ظهور ضعيف لا يقاوم
وضوح المرتكزات المحتاج مخالفتها إلى تصريح. نعم، يمكن دعوى فهم إلغاء خصوصيّة الركوب والمشي في بعض ما وقع فيه في
النافلة إلى سائر موارد الحاجة، مع عدم التعدّي إلى الاختيار في حال الاستقرار، كما
وقع مثله في التعدّي من السفر إلى الحضر في النصّ؛ وأمّا التعدّي إلى عدم الحاجة
مع الاستقرار، فلا دليل عليه، مع غلبة الحاجة إلىالركوب والمشي، بحيث يلزم
من اعتبار الاستقبال المطلق فوت النوافل كثيراً، كما هو ظاهر. ولولا ورود التفسير بالنوافل
وسائل الشيعة، ج 3، أبواب القبلة، الباب 15 و 8. أو بالمتحيّر المطلق في الفرائض، أمكن دعوى
الإجمال في الآية الشريفة، بأن يكون المراد أنّ الأطراف كلّها للّه ، والتولية إليها إلى اللّه ،
إنّما اللازم تبعيّة الأمر بالتوجّه إلى جهة، ومع عدم الأمر فليس التوجّه إلى غير اللّه ، بل
إليه بلا أمر؛ فالمحتاج إلى الشرع المصلحة والمفسدة الداعيتان إلى الأمر، لا الطرف
المتوجّه، فإنّ الأطراف متساوية في ما نعلم في أنّها للّه وتحت قدرته، والتخصيص أمر
إلهي يعلمه اللّه تعالى؛ فلا فرق عندنا بين التخصيص السابق في دين اليهود واللاحق
في ديننا، إلاّ ما وقع من النهي والأمر بما يعلمه تعالى من المفسدة والمصلحة،
كتخصيص المسجد من الأرض، و«المسجد الحرام» من بين المساجد.
وأمّا تفسير «آية التولية» على ما في تفسير «علي بن إبراهيم»تفسير
القمي، ج 1، ص 59. فهي معتبرة
للسفر، وفيها الأمر بالصلاه نافلة حيث توجّهَت، فيدلّ على عدم اعتبار الاستقبال في
النافلة في السفر. وظاهره اعتبار السير بالركوب أو المشي، وعدم اعتبار الاستقبال
حينئذٍ رأساً؛ وكذا التفسير المحكيّ عن «مجمع البيان»وسائل
الشيعة، ج 3، أبواب القبلة، الباب 15، الحديث 18. ويمكن أن يكون اعتبار السفر
لأنّه عذر، لا أنّه عذر خاصّ، كما يؤيّده ما ورد في تجويز النافلة للراكب في المصر
حيث ما توجّهت به دابّته، كما في صحيح «عبدالرحمن بن الحجاج»وسائل الشيعة، ج 3،
أبواب القبلة، الباب 15، الحديث 1 و 2.
وما في رواية «إبراهيم الكرخي» [من] نفي الضيق مع القدرة على الاستقبال في
المحمل، فيدلّ على اعتبار الضيق الغالب المتعارف في المحمل المتعارف، وعدم لزوم
الاستقبال معه رأساً في النافلة.
ويمكن أن يفهم منه اعتبار الضيق في السقوط في النافلة المشروعة، كان فيالركوب
في المحمل أو السفينة أو المشي، في السفر أو الحضر، وعدم الاغتفار بدون الضيق في
أيّ واحد، حتّى أنّ السائر إلى القبلة ليس له الانحراف لا لحاجة، وإلاّ لم يعتبر الضيق
بل لم يؤثّر الضيق، ولجاز ترك الاستقبال للمستقرّ في الأرض.
وما عن خبر «الحلبي» فيه تجويز النافلة على البعير والدابّة حيث كان متوجّهاً،
والتنظير بفعل رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم . ويمكن إلغاء الخصوصيّة إلى السفينة، بل إلى السائر
بالمشي مع جواز أصل التنفّل للماشي، كما في غير هذه الرواية وما في رواية «حمّاد بن عيسى»
فيه الصلاة على الراحلة حيثما توجّهت، وأنّه
يؤمي، مثله رواية «الحميري» ومثلهما ما عن «تفسير العيّاشي» للآية الشريفة سورة
البقرة، الآية 115. وأمّا الماشي فبعد إلغاء الخصوصيّة في الراكب، لا يبقى إلاّ ترك الاستقرار فيه.
واغتفاره مستفاد من صحيح «يعقوب بن شعيب» كما أنّ المشي بحسب المتعارف لا
ينحفظ فيه الاستقبال، فاعتباره يحتاج إلى البيان المفقود فيه.
وهو حجّة على الإطلاق، مع تعارف حرجيّة رعاية الاستقبال في المشي المحوجة
إلى لزوم البيان في ما له معرضيّة الابتلاء كثيراً؛ فلا يتقيّد الحكم بما في حسن «معاوية
بن عمّار» من ذكر الاستقبال في التكبير والركوع والسجود وفعلهما، لا فعل بدلهما
المصرّح به في صحيح «يعقوب»، ولا جمع بينهما إلاّ بالحمل على تعدّد المطلوب،
لا الإمكان والعدم، أو الاحتياج والعدم، لما عرفت من تعسّر ذلك في السائر للوصول
إلى المقصد، فهو كالراكب وإن كان الراكب أبعد من التمكّن لضيق المحمل، إلاّ أن الماشي
يكون الاستقبال وفعل الأصل عليه أشدّ، لمكان مانعيّتها من السير، بخلاف الراكب
الذي لا يسير إلاّ مركوبة، بل قد مرّ ذكر الضيق في الرواية وسائل الشيعة، ج 3،
أبواب القبلة، الباب 15، الحديث 2. في الراكب الشامل للماشي
أيضاً بعد إلغاء الخصوصيّة وبعد ثبوت الصحّة في صلاة الماشي، وإن كان المتيقّن منه
موارد الحاجة، كما هو في الراكب، لولا بيان أنّه الضيق أي الالتزام بالاستقبال المقدور.
ومرسل «حريز» أقوى في الإطلاق، لذكر عدم سوق الإبل من جهة أنّه فعل غير
صلاتيّ؛ فلو كان شيء شرطاً صلاتيّاً للصلاة ماشياً، لكان لا يهمله، كما يمكن منع
إطلاق الحكم للخادم الماشي الذي شغله سوق الإبل، فلا يترك التنفّل بهذا البيان،
لأنّه ضيق عليه، بخلاف من ليس محتاجا إليه؛ كما أنّ الضيق لا يعمّ السائر إلى القبلة،
فلا ينحرف عن جهة سيره بلا حاجة، وإلاّ لكان اغتفاراً بلا ضيق، وينصرف عنه
الإطلاقات كالمستقرّ على الأرض.
وكذا ترك التقييد في صلاة الماشي تطوّعاً في رواية «الحسين بن المختار» عن «أبي
عبداللّه عليه السلام :
«سألته عن الرجل يصلّي وهو يمشي تطوّعاً؟ قال : نعم» كما
عن «المعتبر» عن كتاب «ابن أبي نصر».
وبالجملة، فعدم موافقة المشيوالركوب في الغالب المتعارف للاستقبال الشرطي، مع
عدم بيانه في ما مرّت إليه الإشارة،
يوجب
مع الحاجة إلى البيان مطلقا حملَ ما فيه بيان
الاستقبال ولو في التكبيرة على ذكر ما هو الأفضل، لا على ذكر الشرط، مؤيّداً بما
في «الجواهر»جواهر الكلام، ج 8، ص 10. من نسبة إطلاق استثناء صلاة الماشي من اعتبار الاستقبال إلى أكثر
كتب الأصحاب.
وما ورد من الاستقبال في التكبير في الماشي، ورد مثله في الراكب في صحيح
«عبدالرحمن» مع ما عرفت من التعبير بالضيق، ومخالفة فعل الرسول صلى الله عليه و آله وسلم في غيره
من الروايات.
وكذلك الحال في العموم للحضر، كما صرّح به في الراكب في بعض روايات المقام مع كفاية فهم إلغاء الخصوصيّة، وأنّ صلاة الماشي لا فرق في مكان المشي، وأنّه بعد
تجويز الصلاة لا فرق في الاستقبال بين الماشي في الحضر والسفر. وكذلك تعميم الحكم لراكب السفينة مع إلغاء الخصوصيّة والتنزيل في رواية
المحمل وما عن «تفسير العياشي» عن «زرارة» عن الإمام الصادق عليه السلام من قوله عليه السلام :
«أمّا في النافلة فلا، إنّما تكبّر إلى غير القبلة» ثمّ قال :
«كلّ ذلك قبلة للمتنفّل»
وقد مرّ وجه العموم للمستقر، وأنّه يمنعه الارتكاز عند المتشرّعة، فضلاً
عن العموم في المركوب وللماشي وفي الحضر من سائر موارد الحاجة، دون غيرها
من موارد الاختيار، وكذا ينصرف عن الماشي للصلاة إطلاق ما في رواية «إبن أبي
نصر» وسائل الشيعة، ج 3، أبواب القبلة، الباب 16، الحديث 6.