|
المقدمة الرابعة
في
لباس المصلــي
الفصل الأوّل
الصلاة في جلد الميتة
اعتبار التذكية و حكم الصلاة في مشكوك التذكية
لا تجوز الصلاة في شيء من الجلود إلاّ ما كان مذكّى، ولا تأثير للدبغ في غير المذكّى
عندنا. وهل تجوز الصلاة في مشكوك التذكية؟ مقتضى أصالة عدم التذكية على فرض عدم الدليل الاجتهادي على شيء
من الجواز والعدم، هو عدم الجواز. وتقرير الأصل بأنّ الزهاق المحقّق كان مسبوقاً بعدم تحقّق السبب الوجودي
المسمّى بالتذكية قبل الزهاق، فهو مستصحب إلى زمان الزهاق ولا يعارضه أصالة
عدم الزهاق حتف أنفه أو لسبب آخر غير التذكية؛ فإنّ الأثر للتذكية وعدمها،
لا لأضداد التذكية إلاّ أن يثبت استصحاب عدمها تحقّق التذكية. وهذا بخلاف
استصحاب عدم التذكية، فيترتّب عليه رفع أثرها بلا إثبات. وانتفاء التذكية وعدمها بانتفاء الزهاق الذي هو في قوّة الموضوع لهما، لا يستلزم
إلاّ انتفاء العدم المقابل للملكة لا انتفاء السلب المقابل للإيجاب، فيثبت حيث
ينتفى الإيجاب. ويبقى التأمّل في أنّ الاعتبار، بمجرّد عدم العلم بالتذكية في جواز الصلاة، كما هو
ظاهر إطلاق روايات مجوّزة للصلاة ونحوها بمجرّد عدم العلم بالميتة أو أنّ الاعتبار،
بالأمارة على التذكية، ومع عدمها يحكم بعدم التذكية بالأصل الذي لا يجري إلاّ مع
عدم الدليل على أحد الطرفين؟ ويمكن أن يقال : إنّ لازم أصالة التذكية الموافقة للإطلاقات، عدم المحمل الصحيح لما
أناط من الروايات بيد المسلم، أو سوقه، أو أرضه، أو غلبة المسلم في الأرض.
أمارات التذكية و يد الكافر في أرض المسلمين
ثمّ إنّ ظاهر الروايات الاكتفاء بكلّ من اليد، والسوق للمسلمين، والأرض الغالب
فيها المسلمون في الحكم بالتذكية، فيؤخذ بمقتضى الأماريّة في ما يحتمل فيه التذكية.
ومنه ما لو علم بمسبوقيّة يد المسلم بيد الكافر إذا احتمل الانتهاء إلى المسلم ويده. وهذا هو الوجه في الحكم الموافق لإطلاق دليل الأمارات المذكورة، لا أقوائيّة يد
المسلم من يد الكافر والترجيح بالأقوائيّة المذكورة، لعدم الدليل على الأقوائيّة.
فإنّ خبر «إسحاق»
وسائل الشيعة، ج 2، أبواب النجاسات، الباب 50، الحديث 5. المثبت للبأس مع عدم أغلبيّة المسلم في أرض الإسلام لا يدلّ
على الأماريّة ليد الكافر، المكشوفة بعدم الغلبة المذكورة؛ فإنّه مع التساوي فضلاً
عن غلبة الكافر، لا أماريّة ليد المسلم وما يكشف عنها، لا أنّ أماريّتها معارضة
بأماريّة يد الكافر وما يكشف عنها، فيمكن أن يكون الموجب للبأس هو أصالة عدم
التذكية مع عدم الأمارة عليها، لا ثبوت الأمارة على عدمها مع عدم أقوائيّة الأمارة
على وجودها.
وكذا قوله:
«إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك» في خبر «إسماعيل»
لا يدلّ على
أماريّة المشرك لعدم التذكية، وإلاّ لم يكن وجه للسؤال مع الأمارة المعتبرة على العدم.
كما أنّ الأمر في التبيّن في الآية الشريفةسورة
الحجرات، الآية 6. ليس لأمارية إخبار الفاسق على
خلاف الواقع، بل لعدم الأمارة على وفاق الواقع، فلا بدّ من الفحص عنها.
وبالجملة، فالمدار على الأصل المذكور أو الأمارة على التذكية ؛ ومنه يظهر أنّ يد
الكافر لا حكم لها في أرض الإسلام وسوق المسلمين مع احتمال مسبوقيّتها بيد
المسلم؛ فالكاشف عن يد المسلم لا دافع له، فهو كالمأخوذ من المسلم، المعلوم
مسبوقيّة يده بيد الكافر، المحتمل مسبوقيّتها بيد المسلم.
وما علّل به في محكيّ «الذكرى» من العمل الظاهر في الحكم بميتة ما في يد الكافر،
لا يقتضى الأماريّة، لاحتمال العمل بالأصل، لا بأماريّة يد الكافر؛ فإنّ ما في يد الكافر
يعلم بعدم تذكية الكافر له، لأنّه ليس من أهلها. وأمّا عدم التذكية من المسلم مطلقاً، فهو أمر محتمل ؛ فيمكن انكشاف التذكية
بأمارة سابقة من يد المسلم، أو بكاشف عن يده من أرض أو سوق للمسلمين. ومنه يظهر أنّ اشتراك اليدين لا يمنع عن أماريّة يد المسلم على التذكية وإن علم
بسبق يد الكافر مستقلّة، إذا احتمل سبق يد المسلم على السابقة أيضاً. فلا ينبغي الإشكال في المأخوذ من يد الكافر في أرض المسلمين مع احتمال تذكية
المسلم ويده، وكذا المأخوذ من المسلم مع العلم بسبق يد الكافر مع احتمال سابقيّة يد
المسلم على اليد السابقة أيضاً. ومنه يظهر ما في دعوى التعارض بين سوق لمسلمين ويد الكافر بالعموم من وجه،
والجواب عنه، بالترجيح بالشهره والإجماع كما في «الجواهر»جواهر الكلام، ج 8، ص 54. وبقوّة يد المسلم
لمسبوقة بيد الكافر في التعارض بين اليدين ؛ فإنّ التعارض ساقط بعدم أماريّة يد
الكافر على عدم التذكية رأساً، حتّى يجاب بأنّ التعارض هنا بين الدليلين لا بين
المودّى فيهما، مع أنّ التعارض بين الدليلين فقطّ هو المسقط لهما، فيرجع إلى الأصل،
ولا أثر للأقوائيّة. كما أنّ اليدين لا مزاحمة فيهما ولا معارضة لما مرّ؛ وأنّ التعدّد في الدليل ليس
من المرجّحات المنصوصة ولعلّ المرجّح لا يرجّح بغير المنصوص مرجحيّته. بل قد مرّ انحصار الدليل على أماريّة يد المسلم وأنّه الواضح دلالة الدليل عليه؛ كما
أنّ أصالة الصحّة الواقعيّة لا فرق فيها بين المسلم والكافر، والاعتقاديّة في فعل المسلم
لا تثبت الواقعيّة. ولا أصل لأصالة الفساد في فعل غير المسلم، وليس فيها إلاّ عدم جريان أصل
الصحّة الاعتقاديّة للمسلم. ويد المسلم كاشفة عن التذكية في يده أو سابقاً، ومعه لا يتيقّن بعدم التذكية في
زمان الوقوع في يد الكافر، حتّى يستصحب، حتّى يعارض الاستصحاب بالأمارة
على التذكية. مع أنّ الأمارة لا يفرّق فيها بين السابقة وغيرها، ولذا يحكم بالتذكيّة لما في يد
الكافر إذا علم سبق يد المسلم على يده، وقد مرّ عدم الأماريّة إلاّ ليد المسلم وما
يكشف عنها كأرض الإسلام مع علامة، كأثر الاستعمال المحمول على كون المستعمل
مسلماً للغلبة، لا ما أحتمل إلقاء الحيوان من فوق له. وممّا مرّ يظهر ما في تقديم حكم يد المسلم على الفعلي من يد الكافر، وأنّه
من تقديم اليد على الأصل، أمّا يد الكافر على سوق المسلم وأرضه فقد مرّ كشفهما
عن يد المسلم، ولا أماريّة ليد الكافر، فلا وجه للعكس؛ بل الظاهر أنّ الفحص
عن أمارة التذكية من السؤال المأمور به في ما في يد الكافر، فلا محلّ لتقديم
استصحاب حكم اليد على السوق والأرض للمسلمين كما في «الجواهر»
الاستشكال
فيه. كما يظهر ممّا مرّ حال استصحاب حكم الأرض والسوق للمسلمين،
وأنّه من استصحاب المكشوف بهما من التذكية، المستفادة من الأمارة على يد المسلم،
وأنّه لا يدفعه أرض الكافر وسوقه الفعليّين، لعدم الأماريّة في يد الكافر فضلاً
عن الأمارة عليها. وقد استثنى القول بعدم أماريّة سوق الكافر وأرضه بنحو الاحتمال في أواخر كلامه
في «الجواهر» هنا، مع أنّ يد الكافر كالأمارة عليها في الاعتبار وعدمه، وأنّه لا أصل
لغير أماريّة يد الكافر والأمارة عليها. واستصحاب حكم أرض الإسلام لا حاجة
إليه، بل اليد السابقة المكشوفة بأرض الإسلام أمارة غير مدفوعة بيد الكافر، فضلاً
عن أرض الكفر وسوقه. واليد كافية في قطع الأصل بناء على عدم الأماريّة
كما ذكرناه. ومنه يظهر أنّ اشتراك الأرض كاشتراك اليد، والأمارة يد المسلم والأمارة عليها،
لا يد الكافر والأمارة عليها. وأمّا ما عن «الكشف» من: «أنّه مع العلم بوجوده في السوقين فلا ينوط البناء
على التذكية بالتاريخ»، فإنّما يتمّ على ما سلكناه من أنّ سوق المسلم أمارة على يد
المسلم مع احتمال التذكية السابقة، ولا أمارة في قبالها؛ وأمّا مع أماريّة سوق الكفر على
عدم التذكية، فلا وجه لاحتمال التذكية اللاحقة في سوق المسلمين، فينوط الحكم
بالتذكية على عدم العلم بسبق الوجود في سوق الكفر.
إلاّ أن يقال : إنّ السوق اللاحق أمارة على المحتمل من التذكية السابقة، والسوق
السابق أمارة على عدم التذكية السابقة، ومع التعارض يقدّم الأقوى.
وقد مرّ أنّ الأمارة واحدة، ومعها فليس في السابق إلاّ الأصل المقطوع بالأمارة،
ولو كانت سابقة على التذكية السابقة، أي حال زهاق الروح.
وأمّا تقييد الحكم بالتذكية في الأرضين بسبق الكون في أرض الإسلام، فمع سبق
أرض الكفر والعلم به لا محلّ لأماريّة أرض الإسلام إلاّ على ما مرّ من الأماريّة على
التذكية السابقة وعدم أماريّة أرض الكفر على العدم ؛ ومعه يتّحد الأرض والسوق في
الحكم بمقتضى الأمارة المتحدّة. واشتراك الأرض بين ثبوت أثر الاستعمال وعدمه
مشترك في الأرضين، كتعيّن التصرّف في السوق، المكشوف كون المتصرِّف فيه مسلماً
في السوقين. ولا بدّ من تقييد ما في الأرض بعدم احتمال الوقوع بإطارة الريح أو إلقاء
الحيوان مثلاً، بل المحتمل فقطّ إلقاء إنسان متصرِّف فيه، مكشوف كونه مسلماً بالغلبة.
وأمّا الاستشكال في الفرق بين السوق والأرض في الإناطة بالعلم بالتاريخ، أي
بسبق الإسلام في الثاني لا الأوّل، فيمكن أن يكون لعدم الإناطة في المقامين، لكشف
الأمارة عن التذكية السابقة، فتقدّم على أمارة الخلاف. ويمكن أن يكون للإناطة فيهما، لأنّ المكشوف هو التذكية في زمان الكون،
فيضرّها العلم بسبق الكون في محلّ الأمارة على عدم التذكية فيه من سوق و أرض.
ثمّ إنّ زمان الترافع لا يتفرّق فيه الحكم بأماريّة اليد على التذكية، كانت أماريّته
على الملك محفوظة أو لا، والحكم بالملك ثابتا أو لا بمثل الكون في اليدين أو غيره.
واستلزام ملك المسلم للتذكية الواقعيّة لا يثبت تحقّق الأمارة على الملك، لأنّ الحكم
كالأصل، ومع الأمارة على التذكية لا ينتظر الملك. ثمّ إنّه لا يجتمع البناء على أماريّة شيء للتذكية، مع احتمال غير الكشف عن وقوع
التذكية حال زهاق الروح، [سواء [سبق الحكم بعدم التدكية لأمارة أو غيرها، أو
الحكم بالتذكية؛ بل الأمارة كاشفة عن التذكية في حال زهاق الروح ولو كان حدوث
الأمارة بعد مدّة من زهاق الروح؛ مع أنّه لا نعلم أمارة تحكي عن الوجود السابق
وتؤثّر في حين حدوثها. كما أنّه لا تجتمع الأمارة، مع القول بأنّ الثابت حكم التذكية في ما تأخّر
من الأزمنة، لا حقيقتها المتقدّمة بزمان؛ بل ما نحن فيه بالعكس من أصالة الصحّة
وقاعدة الفراغ حيث يحكم فيهما بصحّة اللاحق من الأفعال المنوطة بالتذكية
دون السابق.
وقد عرفت : أنّه مع الأماريّة فلا بدّ من الالتزام بذلك هنا بمثله، لو كان المدرك
أصالة الصحّة في موارد قاعدة الفراغ وقلنا بجريانها وأماريّتها في كلّ من فعل
النفس والغير.
وأمّا ما يحكم به على التذكية من يد، أو سوق، أو أرض للإسلام وأنّه أمارة أو
أصل عملي؟ فيبعّد الأخير عدم معهود[يه] أصليّ عمليّ غير تنزيليّ يتقدّم على الأصل
المحرز بدون خصوص دليل في مورد خاصّ، كما في مثل «قاعدة التجاوز» مع
الاستصحاب لورود الأوّل في مورد الثاني. مع أنّ ملاك الأماريّة ـ وهي الغلبة الوجوديّة فيها في أيدي المسلمين وما يكشف
عنها، وأنّه طاهر يستعمل في ما ينوط بالطهارة في ما كان ذلك منفعته الظاهرة ـ
موجود
في المفروض.
الأمارة تقتضى الصحّة الواقعية أو الاعتقادية؟
ثمّ إنّ المحكوم عليه باليد أو غيرها من الأمارات، هل هو الصحّة الواقعيّة أو
الاعتقاديّة عند ذي اليد؟
يمكن أن يقال : إنّ المدرك إذا كان هو أصالة صحّة فعل المسلم، فما يكشف عنه فعل
المسلم هو عدم كونه حراماً، لا كونه واجداً لشروط الوضع، بل المكشوف عنه هو
عدم الحرمة باعتقاد ذي اليد ؛ فإذا فرض اعتقاده للتذكية بالدباغ، فلا أثر للحمل
على الصحّة، بخلاف ما إذا كان المدرك أصالة صحّة فعل العامل، وكونه بحيث يترتّب
عليه الأثر المترتّب منه كسائر معاملاته ؛ فالمحكوم بالصحّة هو لتصرّف المعاملي
المكشوف باليد البانية على ذلك التصرف ؛ فلا بدّ من البناء على الصحة الواقعيّة
وشروطها الواقعيّة. وعليه، يعمل بأصالة عدم التذكية على التقدير الأوّل في جميع موارد الاختلاف في
الاجتهاد، أو التقليد، أو اختلاف المذهب، أو الدين، بخلاف التقدير الثاني الموافق
عملاً لما هو المشهور، كما عن «الروض»، وعمل الأصحاب وفتواهم، كما
عن «المدارك»، بل السيرة المعلومة التي هي فوق الإجماع كما في «الجواهر»
واختلاط فِرَق المسلمن مع بناء كثير منهم على الطهارة بالدباغ، أمر غير منكر. وعليه، فالمقام من موارد أصالة الصحّة في معاملات العقلاء، يعني «أصالة
الصحّة في العمل» المنوط بالطهارة من المعاملة بالمعنى الأعمّ، المكشوفة باليد التي
بنيت على الاتّخاذ لذلك. فما يستفاد من خبر «أبي بصير» عن أبي عبداللّه عليه السلام في حكاية عمل الإمام
السجّاد عليه السلام في صلاته وغيرها من التجنّب عن الفرو العراقي في الصلاة دون اللّبس(2)،
لعلّه يحمل
على التنزّه الذي هو أشدّ مطلوبيّة في الصلاة من غيرها، أو على جواز
الانتفاع بالميتة في غير المشروط بالطهارة، فضلاً عن مشكوكها المحلّلة ظاهراً.
ودعوى
عدم معقوليّة الاحتياط في حقّ المعصوم عليه السلام عن الخطأ والخطيئة،
مدفوعة
بعدم اطّراد عملهم بمقتضى علومهم الغيبيّة في جميع الاُمور الظاهرة، فكيف يأمر
بالتنزّه عن جلود «العراق» وهو يلبسها لعلمه بخصوصيّات أشخاص الجلود؟
إلاّ
أن يقال : إنّ العلم بالميتة واقعاً مانع عن الصلاة، دون اللبس ونحوه ممّا لا يشترط
بالطهارة على وجه. مع ما يستفاد من النصوص من الإطلاق، حتى أنّه وقع السؤال عن الشراء في بيع
المسلم الغير العارف، والجواب بأنّ اللازم السؤال في بيع المشركين في خبر «إسماعيل
بن عيسى» والسؤال عن شراء الخفاف في السوق مع عدم العلم بالتذكية، والجواب
بقوله عليه السلام :
«نعم، أنا أشتري الخف من السوق ويصنع لي واُصلّي فيه وليس عليكم
المسألة». في خبر «البزنطي» عن الإمام الرضا عليه السلام . ولا يمكن حملها مع موافقتها للشهرة، على غير الجواز، بخلاف ما قابلها القابل للحمل على التنزّه. وما في خبر «عبدالرحمن» من قوله عليه السلام :
«استحلال أهل العراق الميتة»
إلى
آخره ؛ فإنّه يحمل على المنع عن البيع على أنّها ذكيّة، لا عنه على شرط بائعه للتذكية ؛
فلو لم يتمّ الحكم بالتذكية لما جاز الشراء ثمّ البيع ولو مع السكوت، بل حيث إنّ
الإخبار بالتذكية عن علم، تدليس ممنوع عنه، أوجب المنع عن البيع على ذلك. وبالجملة، فاليد من المسلمين من أمارات التذكية، و احتمال عدمها من المستحلّ
للميتة بالدبغ لا أثر له في غير التنزّه، ضرورة ندرة التذكية عندهم بالدبغ بحيث تكون
لاحقة بغير المحصور، وليس قيام السوق بهذه الأشياء النادرة غير الغالبة. وأمّا الإخبار من المستحلّ بالتذكية فلا أثر له، إذ مع أماريّة اليد عن التذكية
الواقعيّة لا حاجة إلى الإخبار، ومع عدمها فإخباره لا يثبت أزيد ممّا يعتقده تذكية،
إلاّ أن يخبر بالتذكية بالذبح وإن كان يعتقد التذكية بغيرها. والممنوع في خبر «ابن
الحجّاج» منع الإخبار بالتذكية في اليد مستنداً إلى إخبار البائع المستحلّ بالتذكية، لا
إلى إخباره بالتذكية بالذبح.
إذا سبقت يد الكافر على المسلم
وهل يمكن التمسّك باليد للمسلم، المسبوقة بيد الكافر إذا احتمل مسبوقيّتها
بيد المسلم؟
يمكن الأخذ بأماريّة يد المسلم مع احتمال التذكية بناء على عدم أماريّة يد الكافر
على عدمها.
إلاّ أن يقال : ملاك الأماريّة في يد الكافر موجود كالسوق والأرض لهم، وإلاّ
لاختلّ نظم أمورهم في ما كان هناك عندهم مذكّى وغير مذكّى، وطاهر ونجس،
ممّا يقرّون عليه؛ فالأماريّة على التذكية عند المخالفة للتذكية عندنا، إخبار استلزاميّ
عن عدم التذكية الواقعيّة، وهذا لا رادع له، وإن ناقشنا في دلالة الأخبار
السابقة عليه. لكنّه في ما كان أمارة عن تذكية خاصّة ملازمة لعدم التذكية الواقعيّة؛ فلو اختلفوا
وكان فيهم مستحلّ الميتة مطلقاً بحيث يكون المحرّم ما يتنفّر الطبع عندهم، فلا أمارة؛
وكذا ما لم يطّلع على حال اليد والسوق السابقين في طريقتهم وأديانهم بعد التفحّص
العادي.
شمول المنع لما لا
تتمّ فيه الصلاة و المحمول
بقي الكلام في عموم المنع عن الصلاة في الميتة في ما لا تتمّ فيه الصلاة.
مقتضى رواية «ابن أبي عمير»، أنّه لا تصلّى في الميتة ولا في شسع منه،
العموم؛
فإنّه كناية عن غاية القلّة والحقارة، وقد حكى في «الجواهر» عدم الخلاف
صريحاً فيه. فعليه، تخصيص العموم في ما لا تتمّ فيه الصلاة بالنسبة إلى عموم الموانع وما في
أمر موسى عليه السلام فخلع النعليک
سورة طه، الآية 12. لا يدلّ على الجواز في غير المقام، لاحتمال حدوث المنع
في ذلك الزمان؛ مع أنّ الجواز للّبس غير تجويز الصلاة.
بل يمكن استفادة المنع في الصلاة من الأمر في «الوادي المقدّس»، مع أنّ الأمر يمكن
ندبيّته بالنسبة إليه، مع أنّ التفسير بكون النعل من جلد حمار ميّت
معارض بما دلّ
على أنّ المراد الأمر بنزع حبّ الأهل من القلب. ويمكن إلحاق المحمول بالملبوس، كما في سائر موارد الجواز والمنع، لا للقياس، بل
للاشتراك في صدق الصلاة فيه، وأنّه ممّا تتمّ الصلاة فيه وحده أو لا، وأنّ ما لا يتمّ فيه
الصلاة يفرّق فيه بين الميتة وغيرها. ويؤيّد الإلحاق خبر الفأرة
وفيه التعليق بالذكاة، وخبر تقليد السيف(3) إن لم يكن
غير المحمول، لصدق الصلاة فيه.
اختصاص المنع بميتة ذي النفس
ثم إنّه قد يدّعى انصراف دليل المنع عن الصلاة في الميتة، إلى ما له نفس سائلة، لأنّه
الميتة النجسة التي ينصرف إليها الإطلاق، وهي التي كان يتّخذ منها الجلود والألبسة
وسائر ما يصلّى فيه. ومع عدم إطلاقها يحكّم إطلاق الصلاة المأمور بها مع الشك في المانعيّة؛ كما أنّه مع
المناقشة في هذا الإطلاق الذي قوّيناه على الوضع للصحيح أيضاً، يجري الأصل في
الأقل والأكثر الارتباطيّين. وأمّا خبر «ابن مهزيار» المجوّز للصلاة في القرمز، فالاستدلال به مبنيّ على ثبوت
المعنى، وأنّه الموافق للعرف السابق باللغة، وهو محلّ التأمّل، وإن نقل محكيّ
«القاموس»، وذكره في «اللسان»، إلاّ أنّه ذكر : «أنّه صبغ أرمني أحمر يقال إنّه
من عصارة دود يكون في آجامهم»، وقال أيضاً : «ويقال إنّه حيوان تصبغ به الثياب
فلا يكاد تنصل لونه»، وكذا نسبه إلى القائل في «البرهان»، والرواية ذكرها في
«الوسائل» في تعداد ثلاثة، إحداها عن «علي بن مهزيار»، والثانية عن «إبراهيم بن
مهزيار» عن أبي محمّد عليه السلام ، والثالثة عن أبي جعفر عليه السلام مع اختلاف ما، وسند «الفقيه»
إلى «إبراهيم بن مهزيار» صحيح، وهي رواية «الفقيه» عن «إبراهيم بن مهزيار».
كما أنّ الإجماع المنقول في «الجامع» عن «المعتبر» على جواز الصلاة في ما لا نفس
له وإن كان ميتة، غير معلوم، وإن لم يكن معلوم العدم، أعني عدم الدعوى
من «المعتبر» وعلى تقديره، فلعلّه استنباط منهم من السيرة على عدم الاجتناب
عن نحو القمّل والبرغوث والبقّ.
إلاّ أن يقال : إنّها ممّا يعسر الاجتناب عنه نوعاً، وما كان كذلك لا منع فيه،
فلا يتعدّى إلى غير مورد العسر نوعاً وشخصا، كما هو المبحوث عنه.
|