الفصل الثاني لصلاة في أجزاء ما لا يوءكل لحمه
مسألة : ما لا يؤكل لحمه ممّا يقبل التذكية، يجوز الانتفاع به بعد التذكية، ولا تصحّ
الصلاة فيه.
وقد حكي عليه الإجماع منّا، ودلّت عليه الروايات المستفيضة في السباع
ورواية
«ابن بكير»( وغيرها.
وأمّا الاستدلال
بأنّ الموت إذا تحقّق بزهاق الروح في الحيوان يشمله المنع
عن الانتفاع بالميتة، وتأثير الذباحة مع احتمال دخالة حلّية الأكل في التذكية غير
معلوم، والأصل عدم التذكية، والعلم بجواز الانتفاعات لا يتعدّى به إلى غير المعلوم،
الداخل في عموم المنع يعني الصلاة،
ففيه أنّ تأثير
الذباحة في جواز الانتفاعات بغير
المأكول مع عدم تأثير ما فيه إذا كانت لا على الوجه المشروع، يدلّ على تأثيرها في
التذكية في مورد الجواز، وعدم التاثير في مورد المنع.
مع أنّ كون الميتة من المأكول إذا ذبحت لا على الوجه المشروع، غير جائز الانتفاع؛
وكونها من غير المأكول إذا ذبحت على الوجه المشروع لولا الحرمة، جائز الانتفاع،
أمر مستبعد جدّاً، مع عدم الالتزام بتأثير الذباحة في التذكية هنا دون الميتة من المأكول.
نعم، لا بدّ من إثبات القابليّة في غير المأكول بدليل أو أصل، وإلاّ كان كما إذا ثبتت
القابليّة دون الذبح المشروع المعلوم. كما أنّ ما يستظهر من رواية «ابن أبي حمزة»
من اعتبار حلّية الأكل في التذكية،
مع احتمال إرادة الدخل في جواز الصلاة بالمذكّى، المتعيّن هذا الاحتمال بصراحة رواية
«ابن بكير» بالخلاف، حيث قال عليه السلام فيه :
«ذكّاه الذبح أو لم يذكّه».
كما أنّ الأصل مقطوع بما دلّ على كفاية التذكية في غير المأكول في سائر
الانتفاعات غير الصلاة. كما أنّ الميتة في الآية الشريفة
لعلّها الميتة العرفيّة، وإنّما يلحق بها غير المذكّى
شرعاً بالدليل المقتصر على مفاده في الأحكام، بل يمكن أن يراد بها حرمة الأكل
فقطّ، وإنّما يتعدّى عنها بالدليل، فلا يمكن أن يستفاد منها أنّ غير معلوم التذكية ومنه
غير المأكول، محرّم مطلقاً في سائر الانتفاعات التي منها الصلاة لكونه ميتة.
عموم المنع لذي النفس الذي له لحم
ثم إنّه يمكن أن يقال بعموم المنع لغير ذي النفس أيضاً إذا كان له لحم، ولاعبرة
بالانصراف إلى ما يكون ميتة نجسة، ولذا يتعدّى إلى غير النجس من أجزاء الميتة
النجسة من غير المأكول، [سواء] قيل بكون غير ذي النفس الخاصّ غير قابل
للتذكية، أو أنّ تذكيته بالذبح أو بالإخراج ؛ فإنّه على أيّ تقدير داخل في ما يحلّ
أكله، ومنه السمك المحرّم أكله، وسائر الحيوانات البحريّة، وما يعيش في البرّ والبحر
ممّا ليس له نفس سائلة. وعدم تعارفها وعدم تعارف لبس المأخوذ منه لا يمنع
عن الإطلاق.
نعم، موارد السيرة القطعيّة كالحرج الواضح ممّا يعسر التجنّب عنه على النوع
والأشخاص كالقمّل والبراغيث وأمثالها من المؤذيات،
خارجة
عن العمومات في ما
لا يحلّ، لكنّ الظاهر أنّها حيث لا لحم لها فهي غير داخلة في تلك العمومات، ومثلها
الزنبور والجراد والشمع واللؤلؤ والحرير الممتزج.
والمراد ممّا لا يحلّ في رواية «ابن بكير»
بشارحيّة التصريح فيه، وشارحيّة بعض
ما فيها للبعض،
هو
ما لا يحلّ أكله بلا إطلاق لما لا لحم له يؤكل. ومقتضى الأصل مع
عدم العموم هي البراءة في ما شكّ في مانعيّته. وأمّا سائر الفضلات غير الشعر والصوف من لحس الهرّة ونحوها، فالظاهر دخولها
في العمومات المعبّرة بـ «كلّ شيء منه»؛ نعم، لو قيل بعدم المنع عمّا لا تتمّ فيه الصلاة
وكان التلطّخ للبدن بهذه الفضلات من أوضح أفراد المانع، أمكن إخراجها.
وأمّا صحيح الخرز واللؤلؤ وعدم البأس عمّا في الفم منهما مع عدم المنع
عن القراءة، فلا يدلّ [على] عدم المنع عمّا فيالظاهر، لو عمّهما المانع بكون الأصل ذا
لحم، أو عدم اعتبار اللحم كما مرّ. وأمّا فضلات الإنسان [سواء] كانت للمصلّي أو غيره، فالظاهر انصراف الأدلّة
عنها، ولو كان السبب وقوع الابتلاء الكثير الذي لا يكفي في منعه العموم؛ بل العموم
في أمثال ذلك ممّا يكثر الابتلاء ويستمرّ ما كان قبل صدور البيان إلى ما بعده، محتاج
إلى الدليل الصريح، بخلاف سائر الموارد المحتاج فيها التقييد إلى التصريح.
مع أنّ الصحيح جوّز الصلاة في ثوب يكون فيه شعر الإنسان وأظفاره مع إلغاء
الخصوصيّة إلى غيرهما من فضلات الإنسان، ومثله رواية «الريان بن الصلت»
وخبر «الحسين بن علوان» في البزاق وفي حمل المراة ولدها وإرضاعه
وخبر
«سعد الإسكاف» في النكاح في القرامل وفي جعل سنّ الميت مكان الساقط من سنّ
الحيّ عن «المكارم» عن «زرارة» عن الإمام الصادق عليه السلام
ولو نسج من الشعور لباساً، فالأظهر عدم المنع. واعتبار كون ما يصلّى فيه ممّا
يحلّ أكله تعبير عن مفهوم المنع عما لا يحلّ أكله، لا أنّه اشتراط زائد على المانعيّة،
ومن الواضح عدم اعتبار كون الثوب ممّا يحلّ الأكل في أصله.
وعلى أيّ تقدير، فموارد السيرة ـ كموارد معلوميّة الحرج وأمثالها ـ ممّا لا ينبغي
الاستشكال في عدم المنع فيها.
أدلّة جواز الصلاة و عدمه في ما لا تتمّ فيه الصلاة من غير المأكول
ثم إنّه وقع الخلاف في ما لا تتمّ فيه الصلاة من غير المأكول.
والمنع موافق لمدلول موثّقة «ابن بكير»
لأنّ فيها ذكر الشعر والوبر، والألبان
والروث والبول وكلّ شيء منه ؛ وفيها التصريح بالفساد ولزوم الإعادة، وليس فيها
مجرّد النهي القابل للاستعمال في الحقيقة والمجاز على وجه. وكذلك مكاتبة «إبراهيم بن عقبة» على ما نقل عن «الشيخ» بإسناده في الصحيح
عن «عن علي بن محمّد بن مهزيار» في الجوارب والتكك المعمولة من وبر الأرانب:
«لا تجوز الصلاة فيها»
ورواية «الريان بن الصلت» في الخفاف من أصناف الجلود،
وأنّه لا بأس بهذا كلّه إلاّ الثعالب وكذلك المرويّ عن «أحمد بن إسحاق الأبهري»
ورواية «إبراهيم بن محمد الهمداني» :
«قال كتبت إليه : يسقط على ثوبي الوبر والشعر
ممّا لا يؤكل لحمه، من غير تقيّة ولا ضرورة، فكتب : لا تجوز الصلاة فيه»
وكذلك
إطلاق رواية
«محمّد بن إسماعيل»
ويدلّ على الجواز رواية «ابن أبي عمير»
في ما لا تجوز الصلاة وحده، وفيها التمثيل
بالقلنسوة والخفّ؛ فهي بعمومها تدلّ على الجوازلا تتمّ فيه الصلاة من غير المأكول،
ويقوّي الأخذ بها نظرها إلى مدلول أدلّة الموانع في ما لا يصلّى فيه، فلا تلاحظ النسبة
بينهما.
لكنّه يمكن الخدشة فيه
بأنّ مفادها أنّ ما لا تتمّ فيه الصلاة خارجة عن مدلول أدلّة
الموانع، فلا تجري في ما ورد في ما لا تتمّ فيه الصلاة خاصّة من الحرير، والميتة، وغير
المأكول؛ فالاختصاص الغير المضرّ بالحكومة، ما كان بنحوٍ لا يخالف مفاد الحاكم
الذي هو تخصيص واقعاً، وإن كان يزيد عليه إثباتاً. ومكاتبة «محمّد بن عبدالجبار» الصحيحة، وفيها في السؤال :
«هل يصلّى في
قلنسوة عليها وَبر ما لا يؤكل لحمه، أو تكة حرير محض، أو تكة من وبر الأرانب؟
فكتب : لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض، وإن كان الوبر ذكيّاً حلّت الصلاة فيه إن
شاء اللّه »
لكن فيها اعتبار الذكاة في وبر ما لا يؤكل لحمه مع أنّه ممّا لا تحلّه الحياة،
فلا مانع من حيث الميتة فيه، والمفروض عدم المنع من حيث عدم حلّ الأكل، فأيّ
محمل للتعليق. ومثله وارد في رواية «التحف»
مع زيادة في رواية «التحف»، وهي قوله :
«من
الميتة وغير الميتة»، ويمكن إرادة ذكاة الأصل، يعني عدم كونه نجس العين، أو يتعيّن
الحمل عليه حيث يبتنى الأخذ بها عليه. وما في «المستدرك» عن «فقه الرضا عليه السلام : «وقد تجوز الصلاة لم تنبته الأرض، ولم
يحلّ أكله، مثل السنجاب والفنك والسمور والحواصل، إذا كان ممّا لا يجوز فيمثله
وحده الصلاة»
وجمع في «الحدائق» بين الطائفتين بالحمل على التقيّة، وعلّله باستفاضة الأخبار
على المنع. وفيه أنّ الظاهر أنّه ـ أي المنع ـ المشهور.
علاج التعارض وترجيح روايات المنع
ولا يخفى بُعد الجمع العرفي بين الطائفتين مع التصريح بالفساد في محلّ البحث في
أحدهما، وبحلّية الصلاة في الآخر، فتصل النوبة إلى علاج التعارض.
وحيث
إنّ روايات المنع مستفيضة بالإضافة إلى قليل من المعارض، وهي أشهر
منها روايةً وفتوى، بناء على ما مرّ في محلّه من أنّ المرجّح الأشهريّة، وأمّا الشهرة
فهي مميّزة للحجّة عن غير الحجّة؛
فلا تصل النوبة مع شهرة إحدى الطائفتين إلى عمل
التعارض بين الحجّتين الشأنيّتين. كما أنّ روايات المنع مخالفة للعامّة المخالفين في أصل مانعيّة غير المأكول، وهي أيضاً
موافقة لعموم المنع من الصلاة في جلد غير المأكول، بعد عدم الفصل بين الجلد وغيره،
وثبوت العموم لما لا تتمّ فيه الصلاة. فعموم السند ممّا يرجّح بموافقته أحد المتعارضين؛ كما أنّ عموم الكتاب كذلك في ما
وقع فيه اشتراط، كما في قوله «إذا قمتم إلى الصلاة، فاغسلوا»سورة
المائدة، الآية 6.فإنّه يمكن الأخذ بعمومه
الكلامي بناء على «الأعمّ»، والمقامي بناء على «الوضع للصحيح» حتّى يعلم
المخصّص، والمفروض ابتلاء المخصّص هنا بالمعارض الموافق لعموم الكتاب وإطلاقه؛
كما أنّ الترجيح بأصدقيّة الراوي يفهم منه الترجيح براويين، لرجوع الأصدقيّة على
ما ذكرنا في محلّه إلى الإخبار بالجهة المختصّة، فهو في قّوة إخبارين من مخبرين.
وبالجملة، فجميع المرجّحات المذكورة في روايات المنع. وأمّا «الفقه الرضوي» فالظاهر ثبوت الكتاب مسنداً إلى الإمام الرضا عليه السلام بطريق
موثوق به، ولا ينبغي إنكار ذلك، ويظهر ذلك بمراجعة ما ذكره المحدّث النوري نوّر اللّه
مرقده الشريف، في خاتمة «المستدرك»، لكنّه إنّما يفيد الحجّة الشأنيّة، فلا بدّ من النظر في
المعارض وما به العلاج.
عدم اعتبار الدباغ في استعمال الجلد
ثم إنّ استعمال الجلد المحكوم بطهارته، لا يفتقر إلى الدباغ؛ فإنّه لا دخل له في الطهارة
عندنا، فما يمكن دلالته على الافتقار، محمول على التقيّة، أو على إرادة الطهارة العرفيّة
لدفع التنفّر، كنزح المقدّرات، ونقل الشهرة ضعيف بنقل أشهريّة الخلاف، كما عن
صلاة «الإيضاح»، وطهارة «الروض».
ما لا تحلّه الحياة
ثمّ إنّ ما لا تحلّه الحياة من الميّت، محكوم بالطهارة، كالحي والمذكّى، فلا مانع من
الصلاة في الصوف والشعر ونحوهما ممّا يؤكل لحمه، بل مع الجزّ لا يجب الغسل. ومع القلع، فهل يجب غسل موضع الاتصال بالميّت ولو لم يستصحب شيئاً
من أجزائه، كما هو ظاهر إطلاق خبر «حريز» حيث أمر بالغسل للصلاة مع الأخذ
بعد الموت، أو لا يجب إلاّ مع الاستصحاب بعد إزالة تلك الأجزاء الميتة، ولو اُخذت
من الحيّ للحكم بالميتة بخلاف المأخوذ من المذكّى، أو لا يجب مطلقاً كما عن «المحقّق
الأردبيلي» احتماله؟ احتمالات. ويمكن أن يكون نظر المحقّق المذكور أنّ الرطوبة لما يلاصق الشعر والوبر ليست
مؤثّرة في النجاسة، كما يظهر بمسّ ذلك المحلّ باليد؛ فإنّ الرطوبة يمكن أن لا تظهر في
الملاقي، ويمكن وقوع الشك في بعض الموارد، وأمّا الإزالة لتلك الأجزاء الميتة أو
المحكوم به إذا اُخذت بالقلع من الحيّ، فهي لازمة في الصلاة. إلاّ أن يمنع ذلك، فإنّ البثورات وما يسقط بالتسريح محكومة بالطهارة، وقد فرض
أنّ المأخوذ من الحي، بحكم الميتة، فهي ميتة طاهرة؛ والأخذ من الميت لا يزيده
نجاسة، وإنّما العارض ملاقاة بعضه للميتة النجسة، وقد سبق التأمّل في إيجابها
لغسل الملاقي. والأمر بالغسل
في خبر «حريز» الذي رواه محمّد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن
أبيه عن حمّاد عن حريز قال :
«قال أبو عبداللّه عليه السلام لزرارة ومحمّد بن مسلم، اللبن
واللباء والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر، وكل شيء يفصل من الشاة
والدابّة، فهو ذكيّ، وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصلّ فيه»
وسائل الشيعة، ج 16، أبواب الأطعمة المحرّمة، الباب 33، الحديث 3.
يمكن حمله
على
الندب، كما يشهد به حليّة اللبن ونحوه من الملاقي برطوبة للميّت. والظاهر رجوع الضمير إلى «كل شيء يفصل»، يعني ما يقبل الغسل، والمراد
من الصلاة ما يعمّ المشروط بالطهارة كالأكل والشرب، كما أنّ المراد من «ما بعد
الموت» ما يقابل التذكية ولو كان من الحيّ.
ما لاتحله الحياة خارج عن موضوع الميتة
ثمّ إنّ الظاهر أنّ استثناء مالا تحلّه الحياة من الميتة، لمكان أنّ الميتة ما ينجس بالموت،
أي يحدث نجاسته بحدوث الموت؛ فما لا حياة له خارج عن الموضوع، لعدم تأثير
الموت فيه شيئاً؛ فما دلّ على جواز الصلاة فيها يدلّ على أنّها ليست ممّا ينجس
بالموت، إذ لا موت لها حادث بموت الحي. وإطلاق ما دلّ على النهي عن شسع من الميتة يقصد به الأعمّ من القليل لا الأعمّ
ممّا لا حياة له، ويدلّ عليه ما في حسن «حريز» من قوله :
«وكلّ شيء يفصل من
الشاة والدابّة فهو ذكيّ»، وكذا المفهوم من قوله عليه السلام :
«وإن أخذته منه بعد
أن يموت فاغسله وصلّ فيه»؛ فتفصيل «الجواهر» بين الطهارة وجواز الصلاة فيه
لعلّه غير تامّ. نعم لو لم يكن النصّ على الاستثناء ربّما كان الظاهر نجاسة الأبعاض بنجاسة
الكلّ بموته. وعليه، فما كان نجساً في حال حياته فلا يؤثّر فيه الموت نجاسة، وكان في حياته
محكوماً بالنجاسة العينيّة لا المقيّدة بالحياة، وما ذاته نجسة فأبعاضه محكومة
بالنجاسة، فلا يعمّها ما دلّ على جواز الصلاة في ما لا تحلّه الحياة من أبعاض الميّت. وأما لا يحلّ أكله من الميّت والمذكّى من غير نجس العين، فلا فرق فيه بين الجلد
والوبر ونحوه، كما عن «المعتبر»، و«المنتهى» من الإجماع على أنّ ما لا تجوز الصلاة في
جلده لا تجوز في وبره أو شعره أو صوفه، إلاّ ما استثنى. يدلّ عليه الموثّق المتقدّم وصحيح «العلل»
كان أبو عبد اللّه عليه السلام يكره الصلاة في
وبر كل شى ء لايؤكل لحمه بعد الحمل على الفساد بأظهريّة ما في الموثّق. بل بتلك الأظهرية يحمل التعليل في خبر «محمد بن إسماعيل»:
«لأنّ أكثرها
مسوخ» على الحكمة، أو العلّية لجعل الحكم بالبطلان على النحو العامّ. وكذا نسب إلى المشهور البطلان بالشعرات الملقاة على اللباس وإن لم تكن جزءاً
منه؛ فإنّ ظهور «الموثّق» في عدم اعتبار اتخاذ اللباس، ومساواة الشعر والوبر والروث
وكلّ شيء منه، أقوى من ظهور «في» في الظرفيّة الحقيقيّة.
عودة البحث إلى ما لا تتمّ الصلاة فيه
وأمّا ما لا تتمّ فيه الصلاة من غير المأكول، فيدلّ على جواز الصلاة فيه على العموم
رواية «ابن أبي عمير» وفيها ـ بعد العموم ـ التمثيل بالخفّ الذي يعمّ ما كان من جلد
غير المأكول؛ وكذا ما في خبر «الريان بن الصلت» وفيها :
«الخفاف من
أصناف
الجلود»، فإنّها تعمّ جلود غير المأكول، بل الميتة منه أيضاً. ولا يضرّ المنع عن الثعالب
بعد جريان احتمال النجاسة، أو المنسوخيّة المانعة احتمالاً عن التذكية بعد إرادة المذكّى
ممّا سبق، أو غير ذلك من المحامل. وأمّا المنع عنه في مكاتبة «إبراهيم بن عقبة» وفيها :
«الجوارب
والتكك المعمولة من وبر الأرانب، فكتب : لا تجوز الصلاة فيها»،
فهي
معارضة بمكاتبة «محمّد بن عبد الجبّار» وفيها :
«قلنسوة عليها وبر
ما لا يؤكل لحمه وتكة من وبر الأرانب»
وفي الجواب : «وإن كان الوبر ذكيّاً حلّت
الصلاة فيه» ولا محمل للمنطوق إلاّ الجواز في ما لا تتمّ فيه الصلاة؛ وأمّا المفهوم من
الجملة الأخيرة؛ فلا بدّ للمجوّز للميتة في ما لا تتمّ فيه الصلاة كما مرّ، من حمله على
الكراهة، أو إرادة المذكّى بالذات في قبال نجس العين. وأمّا الحرير في ما لا تتمّ فيه الصلاة، فالمذكور في رواية «ابن أبي عمير»
«التمثيل بالتكة الابريسم والقلنسوة والزنّار يكون في السراويل»، فيحمل المعارض
ـ كما في مكاتبة «محمّد بن عبدالجبار» ـ على الكراهة. وأمّا الميتة ممّا لا تتمّ فيه الصلاة، فيدلّ على المنع عنه رواية «ابن أبي عمير»
«لا
تصلّ في شيء منه ولا شسع»، وهي خاصّة بالنسبة إلى روايته العامّة المجوّزة، وكذا
مكاتبة «محمّد بن عبدالجبّار» حيث اعتبرت الذكاة من وبر ما لا يؤكل لحمه، مع عدم
تماميّة الصلاة في القلنسوة والتكة المذكورتين فيها. وقد مرّ أنّ ما لا تحلّ فيه الحياة
محكومة بالذكاة، لا مجرّد جواز الصلاة فيه.
وبالجملة، ففيما لا تتمّ فيه الصلاة من غير المأكول روايات متعارضة، ومقتضى
«الموثّقة» المنع، لبُعد التخصيص بما تتمّ فيه الصلاة، ويؤيّدها الرواية في الشعرات
الملقاة على الثوب ممّا لا يؤكل لحمه وفي قبالها مكاتبة «محمّد بن عبدالجبار» المصرّحة بالحلّية للصلاة كان من المذكّى.
وهي وإن كانت موافقة للرضوي إلاّ أنّ فيها ما يحتمل التقيّة، للنهي عن الصلاة في
الحرير المحض. مع أنّ المورد ما لا تتمّ فيه الصلاة، والمنع عن المأخوذ من الميتة مع عدم المنع من
حيث الموت في ما لا تحلّه الحياة كالوبر المذكور فيها، ولو قيل بالمنع عن الميتة في ما
لا تتمّ فيه الصلاة،وحلّ الصلاة في وبر المذكّىلا تتمّ فيه الصلاة، كما هو موردها.
مع أنّ عدم حلّ الصلاة في الحرير منسوب إلى «أحمد»، ومنصوص خلافه في
رواية «ابن أبي عمير »، وعدم الفرق بين الشعر من الميتة وغيره منسوب إلى بعض
العامّة، وحلّية الصلاة في غير المأكول مذهبهم. فحمل «المكاتبة» على التقيّة لا يخلو عن قرب. والجمع بحمل المانع على ما تتمّ فيه
الصلاة مستبعد، ولا يبقى للجواز إلاّ «الرضوي» في ما لا تتمّ فيه الصلاة من وبر غير
المأكول. والشهرة روايةً وفتوى مع رواية المنع، وكذلك الأبعديّة عن مذاهبهم. إلاّ أنّ الالتزام بالمنع في مثل الشعرات الملقاة على الثوب مع اختلاط
بعض الحيوانات الأهليّة في البيوت، وكذا سائر المحمولات،
لا يخلو عن بُعد
عن سيرة متشرّعة. اللباس المشكوك كونه من غير المأكول
وأمّا الكلام في اللباس المشكوك كونه من غير المأكول، فعن المشهور المنع، وقيل
بالجواز، وقيل بالتفصيل، وسيأتي إليها الإشارة وإلى أدلّتها. أدلة جواز الصلاة: البراءة
وأمّا الجواز فقد استدلّ له بالبراءة في الشبهات الموضوعيّة التحريميّة، كما تجري
فيالتحريميّة النفسيّة الناشئة من الشبهة الموضوعيّة،أوالحكميّة،أوالمفهوميّة. وهذا ربّما يدّعى وضوحه مع انحلال الطلب الغيري في الشروط العدميّة أو الموانع،
إلى وجودات مانعة أو أعدام معتبرة؛ فالمشكوك من العدم المعتبر أو الوجود المانع،
يجري فيه البراءة، دون المعلوم بعد فرض عدم الارتباط بين الوجودات المانعة
والأعدام المعتبرة. وأمّا
على عدم الانحلال بدعوى رجوع القيد إلى السلب الكليّ بحيث إذا خولف
ولو للاضطرار فلا مانعيّة لسائر الوجودات،
فقد يقال بجريان البراءة، لرجوع الشك
إلى جزئيّة الوجود المشكوك للمانع المركّب منها، المعتبر عدم تلك الموجودات المانع
مجموعها على الفرض. ومثله مانعيّة صرف الوجود بمعنى الوجود الانبساطي الجامع
لجميع الوجودات في قبال وجود الطبيعة المرسلة الملازم للاستغراق؛ فالبراءة تنوط
بالأعمّ من الانحلال ومن تركّب المانع، في قبال بساطة المانع، المانعة عن الاشتمال على
معلوم المانعيّة ومشكوك المانعيّة، أعني الجزئيّة للمانع.
ويمكن أن يقال : إذا اعتبر مجموع الوجودات مانعاً في قبال مانعيّة كلّ وجود على
الاستقلال، فاللازم عدم تحقّق المانع مع انتفاء بعض الوجودات المعلوم كونها
من المانع، فلا حاجة إلى إجراء الأصل في المشكوك مانعيّته. نعم، إذا اعتبر مجموع الأعدام المضافة إلى الوقوع في ما لا يؤكل، احتمل انتقاض
العدم بالمشكوك كونه ممّا لا يؤكل، واحتمل كون عدمه من العدم، المعتبر مجموعه
لاحتمال إضافته إلى ما لا يؤكل، وجرى الأصل في كونه الواجب الضمني للشبهة
المصداقيّة، كما يجري في الواجب النفسي لها. مع إمكان منعه، لأنّه بخصوصيّته غير واجب، وبالشكِّ في تحقّق الواجب على أيّ
نحوٍ شكٌ في المحصّل، فلا بدّ من الإحراز، ولا يتمّ البراءة إلاّ بالشك في موضوع
التكليف بالمجموع، كما يأتي. مع إمكان منع أنّه ظاهر [في] صورة الاضطرار، لأنّ المانع إنّما هو غير المضطرّ إليه،
أعني المختار فيه، فبعض المضطرّ إليه كالعدم، فيكون الفرد اللاحق مانعاً على تقديري
الاستغراق والمجموعيّة، فتدبّر.
وإذا اعتبر مجموع أعدام الوقوع في ما لا يؤكل، فالمانع المقابل له أيّ وجود، أوأوّل
وجود بلا تخصّص، وهو مفاد العموم البدلي، ففي هذا الفرض لا يعقل البراءة بالشك
في جزئيّة المشكوك لهذا المجموع؛ فإنّه لا تركّب من الخصوصيّات في مقام الجعل حتى
المتيقّنة الجزئيّة، بل المعتبر أعدام الوقوع في ما لا يؤكل بإضافة الأعدام إلى الطبيعة،
لا إلى الماهيّات الشخصيّة في غير صورة العموم الاستغراقي كما هو المفروض، وقد
فرض الشك في تحقّق مجموع الأعدام المضافة.بل المدار على أنّ الشك في موضوع التكليف النفسي بمجموع الأعدام؛ ففيه يطّرد
البراءة وعدم لزوم الفحص عن الموضوع، لمكان هذه الكليّة من البراءة العقليّة
والشرعيّة. وإذا كان التردّد في المتعلّق مصداقيّاً فمع الانحلال تجري البراءة، ومع عدمه
يتعيّن الاحتياط في الشك في المحصّل الغير الناشيء عن الشك في التكليف؛ فالشك في
الامتثال إذا نشأ عن الشك في التكليف فلا احتياط، وهذا يطّرد في الشك في موضوع
التكليف، وإذا تبيّن التكليف فلابدّ من الخروج عن التكليف المتبيّن بالاحتياط. فمنه ظهر أنّ اعتبار العدم على الاستغراق أو المجموعيّة لا يفترق في جريان الشك في
الشك في الموضوع، وإن كان ناشئاً عن الشبهة المصداقيّة.
وأمّا عدم اختصاص البراءة عقلاً ونقلاً في غير الشبهات المصداقيّة الموضوعيّة،
فلمكان اشتراك حكم النقل بالتقبيح مع الشك في التكليف، وإن كان منشأه الاُمور
الخارجيّة الغير المربوط بيانها بالشارع، ولذا بني المقام على جريانها في الشبهة
المصداقيّة التحريميّة النفسيّة. ودعوى أنّ الشارع ليس وظيفته إعلام الموضوع، بل الحكم فقطّ، فلا عذر مع بيانه
في عدم العلم بالموضوعات، فلا بدّ من الاحتياط عقلاً،
مدفوعة بأنّ عدم كون البيان
من وظيفة الشارع لا يجعل الاستعلام وظيفة للمكلّف، بحيث يجب عليه إشغال أوقاته
في استعلام موضوعات التكليف؛ فإنّه لا يناسب احتمال التكليف بها في شريعة، فضلاً
عن أسهل الشرايع. نعم، في الاحتمالات المرتبطة بما هو أهمّ الحرمات والواجبات، كما في الدماء
والأعراض والأموال المساوية لها، لا بدّ من الفحص أو الاحتياط؛ كما أنّ الفحص
واضح الوجوب عن الأدلّة في ما ينحصر طريقه أي طريق العلم بالشارع وإبلاغاته،
كالأحكام الشرعيّة وضعيّة وتكليفيّة، والموضوعات المستنبطة الداخل فيها الجعل
الشرعي، فلا ينبغي الإشكال في شيء من البراءتين في الشبهات الموضوعيّة، وإن
كانت تحريميّة، كانت نفسية أو غيريّة.
وأمّا الفرق بين القول بالشرطيّة أو المانعيّة، فيلزم العلم بحصول المقيّد على الأوّل
دون الثاني، بل المقيّد مدفوع بالأصل حتى يعلم،
فيمكن منعه
أوّلاً : بعدم الأصل النافي
للمانع إذا لم يستصحب عدمه، وثانياً : بأنّ الفرق بينهما غير متّجه؛ فإنّ دليل المانعيّة
الشرعيّة الجعليّة لايمكن معه بقاء الإطلاق في دليل الأمر من حيث الاقتران بالمانع،
فقهراً يكون عدمه قيداً للمأمور به، ويكون الدليل على المانعيّة والإفساد، دليلاً على
الشرطيّة، والمفروض جريان البراءة على الشرطيّة، مع الانحلال إلى شرطيّة الأعدام
المتعددة للواجب، المقتضي للانحلال إلى معلوم الشرطيّة للعلم بالاندراج تحت
الموضوع، ومشكوكها للشك في الاندارج المذكور، ولذا جمع بين المانعيّة والإفساد
والشرطيّة للصلاة في المأكول مريداً به ضدّ غير المأكول في موثّقه «ابن بكير» فتحفّظ.
ومنه يظهر أنّ الصحيح هو دوران الأمر بين شرطيّة عدم اللبس ونحوه، وبين
مانعيّة اللبس ونحوه، وأنّ جعل المانعيّة جعل لشرطيّة العدم بالاستلزام؛ فالدوران بين
جعلها بالمطابقة أو بالاستلزام. وعلى أيّ، فجعل المانعيّة والمفسديّة، لمكان أنّ المانع
راسم عدم الشرط، لمساوقة عدم عدمه لوجود المانع تقريباً، فلا يستقيم جعل
الدوران بين شرطيّة أحد الضدّين ومانعيّة الآخر، وجمع ما يترتّب عليه من الإشكال
والجواب، إذ لا مجال لتوهّم شرطيّة لبس المأكول مطلقاً، أو في خصوص ما كان
من أجزاء، وإنّما المراد من قوله عليه السلام في «الموثقة» :
«لا يقبل اللّه تلك الصلاة...»
شرح
ما قدّمه من الحكم بالإفساد، لا تأسيس لبيان شرط آخر، وهذا من الوضوح بمكان. وأمّا الشروط الوجوديّة فلزوم الاحتياط وعدم جريان البراءة فيها لمكان عدم
الانحلال إلى معلوم الشرطيّة ومشكوكها، كتردّد الطهارة بين الوضوء والغسل، وتردّد
الساتر بين الحاكي وغيره مع عدم إمكان الاطّلاع؛ بخلاف صورة الانحلال، مثل تردّد
الساتر المعتبر بين أن يكون ثوباً، أو جواز الستر بالحشيش اختياراً، وتردّد التستّر
المعتبر فرضاً بصورة وجود الناظر، كما في غير الصلاة بين وجود الناظر وعدمه،
فتجري البراءة عن شرطيّته في الصلاة إن كانت مشكوكة، كما تجري البراءة
عن لزومه النفسي في غير الصلاة.
المناقشة في جريان البراءة الشرعيّة في المقام
ثمّ إنّ ما أفاده
في رسالة «اللباس المشكوك» رسالة «الصلاة في المشكوك»
للمحقّق النائيني (ره)، ص 291 ـ 213، طبع مؤسسة أهل البيت (ع). في جريان البراءة الشرعيّة في فرض المنع
عن العقليّة من أنّ اجتماع الارتباطيّة والشبهة المصداقيّة لا يؤثّر في الإشكال في
البراءة بعد البناء على عدم تأثير شيء منهما منفرداً عن الآخر، فالارتباطيّة كالنفسيّة،
والشبهة المصداقية كالحكميّة والمفهوميّة على ما حرّرنا عبارته في المقام،
يمكن أن يتأمّل
فيه. فإنّ الشك في الجزئيّة لما لا يؤكل بالشبهة المصداقيّة في المقام، ليس من الشك في
متعلّق التكليف، كتردّده بين الأقلّ والأكثر من جهة الشبهة المصداقيّة؛ وإنّما الشك في
المتعلّق يتمّ في مثل الشك في مانعيّة مطلق الوقوع في الجزء، حتّى بإلقاء الشعر على
الثوب، أو خصوص المتلبّس باللباس المتّخذ منه؛ لا ما نحن فيه، فإنّ الشك فيه متعلّق
بالموضوع وليس من الارتباطي، بل الشبهة المصداقيّة لموضوع ما لا يؤكل الذي قبلَ
الصلاة الواجبة بعدم وقوعها في جزء منه، كما إذا شك في الخمريّة المضاف إليها حرمة
الشرب؛ فلا محلّ للارتياب في البراءة المقول بها في الشبهات الخارجيّة من دون توهّم
ارتباط بين آحاد الموضوع. والشك في التكليف الارتباطي هنا ناشٍ عن الشك في موضوع التكليف.
والتكليف المشكوك ـ نفسيّاً كان أو غيريّاً، إذا كان منشأ الشك فيه في تحقّق موضوعه
ـ مجرى لأصل البراءة. وحيث يعلم بالاشتراط في تقدير الإضافة إلى ما لا يؤكل،
فالشك في التقدير يستلزم الشك في الاشتراط بالشبهة المصداقيّة، فيدفع بالأصل؛
لا أنّ الشك في زيادة الشرطيّة أو المانعيّة حتّى يدفع بالأصل. وأمّا توجيه ما عن المشهور من المنع بجعلهم الشرط ما يتحصّل من مجموع أعدام
الوقوع في ما لا يؤكل، على :ما حرّرنا به كلام «صاحب الرسالة»،
فمرجعه إلى أنّ
المطلوب أمر بسيط لا ينحلّ إلى معلوم ومشكوك، وإنّما التردّد في محصّله بين
أن يكون مجموع أعدام تسعة أو عشرة. ومثله ما نسب إلى بعضهم من الاستدلال بأنّ الستر مقيّد بعدم الوقوع في
ما لا يؤكل، والشك في المقيّد تحقّقاً مجرى قاعدة الاشتغال. وقد مرّ أنّ الشرطيّة إنّما
هي في موضوع ما لا يؤكل، فما لم يحرز الموضوع لم يحرز الاشتراط والتقيّد،
فلا تصل النوبة إلى بساطة القيد وتركّبه في موطن قيديّته، حتى يجري الأصل على
الثاني دون الأوّل.
مقتضى أصالة الحلّ في المقام
وأمّا الكلام في جريان أصالة الحلّ في ما نحن فيه، فهو نفس الكلام في أصالة البراءة،
بناءً على عموم الحلّية للوضعيّة، كما يناسبه التمثيل في موثّقة «مسعدة بن صدقة»وسائل
الشيعة، ج 12، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. وإلاّ
ففي جريان الأصل في المأخوذ منه الجزء، وإن تردّد أمره بين الحلال اللحم يقيناً
وحرامه يقيناً، كتردّد ما في الكأس بين الأخذ من ماء مباح وآخر محرّم، كالجريان في
المشتبه حكماً أو موضوعاً بين أن يكون حراماً أو حلالاً،
وجه قريب. إلاّ أنّ إثبات جواز الصلاة بالحليّة الظاهريّة الثابتة بأصالة الحلّ في الشك السببي
لا يخلو عن مناقشة. وما في «إزاحة الشكوك ص 79» للآشتياني قدس سره إخراج للصوف المأخوذ عن المشتبه
حكماً عن النزاع بعد جريان أصالة الحلّ في ذلك المشتبه حكماً أو موضوعاً، مع العلم
بحكم النوع الظاهر في أنّ الأصل السببي يثبت حكم الشك في المسبّب؛ فالصورتان
خارجتان عن النزاع المخصوص بما لا مجرى لأصالة الحلّ في الشك السببي،
كالمشكوك أخذه من حرام معلوم أو من حلال معلوم، وقد مرّ تقوية جريان الأصل
المذكور في المأخوذ منه بهذا العنوان. وما أفاده في «الإزاحة» من تأثير الأصل في السبب، لازمه إلحاق التعبّد الثابت
بالأصل ولو لم يكن غير محرز بالعلم، بالأخذ من الحلال المعلوم، المستلزم للعلم
بجواز الصلاة في المأخوذ، كالعلم بالأخذ من الحرام المعلوم، المستتبع للعلم بعدم جواز
الصلاة في المأخوذ. فإنّه على تقدير كون موضوع الحكمين نفس الأنواع المحرمة ذاتاً، لا لعارض
من قبيل عدم التذكية لحلال الأكل بالتذكية، المقابلة للمحلّلة كذلك كالأنعام،
فلا ترتّب بين الحكمين حتى يُثبت الأصل في أحدهما الحكم الآخر، ولا أصل فرضاً
يثبت الموضوع لهما أو ينفيه.
وهذا هو المراد من الأدلّة، لا أنّ المراد الحرمة والحلّية الفعليّتين ولو بالعارض،
كعدم تذكية حلال اللحم، أو الاضطرار إلى حرام اللحم، فتبطل الصلاة في شعر الأوّل،
وتحلّ في شعر الثاني كما هو واضح؛ ولو فرض الترتّب فالتعبّد بالحليّة أو الحرمة
لا يُثبت الحكم المترتّب على الحرمة والحليّة الواقعيّتين، وليس فيه التعبّد بزوال الشك
إلاّ على ما قدّمناه من تكفّل الأصل للحليّة الوضعيّة ومعه لا حاجة إلى الترتّب. وأمّا كون الموضوع لعدم جواز الصلاة معنوناً بعنوان الحرمة بحيث يكون حرمة
الأكل عنواناً مشيراً، فلا يخلو عن تردّد، لعدم قرينيّة ذكر السباع على ذلك. وظاهر
«ما حرّم اللّه » و«ما أحلّل اللّه
» دخالة الوصفين في المنع والجواز، ولا حصلا بالعرض
كالجلل والوطي وشرب لبن الخنزيرة، لصدق «ما حرم اللّه » على الكلّ فيها، مع مزيد
اعتناء باللبن واللحم، فإنّهما معظم الانتفاع بالمأكول، بخلاف المغصوب المحرّم إمساكه،
والمضطرّ إليه المحرّم خصوصُ مورد الاضطرار فيه، بخلاف مثل الاضطرار والغصب
للاختصاص بخصوص الغاصب والمضطرّ.
وبالجملة، فأصالة الحلّ بغير استصحابه، وإن لم يترتّب عليها حليّة الصلاة، إلاّ أنّ
الدليل عليهما واحدة بناء على العموم للوضع، كما ذكرناه.
والمناقشة
في التمسّك بأصالة الحلّ : بأنّ موضوع جواز الصلاة عدم الحرمة الشأنيّة،
والثابت بأصالة الحلّ الحليّة الفعليّة، فإنّ صوف الغنم الميّت تجوز الصلاة فيه مع عدم
الحليّة الفعليّة، فيمكن دفعها بأنّ مفاد الأصل الحليّة المحتملة؛ فإن كانت الحلّية المحتملة
مطلقة فهي مطلقة؛ وإن كانت على تقدير، فهي تُثبت الحليّة على ذلك التقدير، وجميع
الحيوانات قبل التذكية محلّلة على تقديرها لا مطلقاً، ومشكوك الحلية على تقدير
التذكية محكوم بالحليّة على ذلك التقدير، والمذكّى إذا شكّ في حلّيّته محكوم بالحليّة
الفعليّة في شخصه، وعلى تقدير في نوعه؛ فلا مانع من إجراء أصالة الحّل على تقدير
التذكية، وإثبات جواز الصلاة المترتّب فرضاً على الحلال على تقدير التذكية لولا
الإثبات، [و] لولا العموم للوضع والتكليف على ما قدّمناه.
المناقشة في ما أفاده بعض مشايخ العصر
ثمّ إنّه ذكر بعض مشايخ عصرنا المحقّق النائيني (ره) في
رسالة «الصلاة في المشكوك» طبع مؤسسة أهل البيت (ع)، ص 350. أنّ الشك في مانعيّة المشتبه ـ وهي التي استظهرها
في المقام في قبال الشرطيّة ـ يرجع إلى الشك في منع الشارع عن إيقاع الصلاة فيه أو
ترخيصه، وجَعَلَه بمنزلة الصغرى للكبرى الآتية في كلامه؛ وأنّه عليه يبتني التفرقة بين
ما نحن فيه وبين الشك في تحقّق القيود الوجوديّة.
وذكر في بيان هذه المقدّمة : «أنّ الكلام تارة في رجوع الجهة المستتبعة للمانعيّة، إلى
المنع الشرعي المولوي عن إيقاع الصلاة في آحاد ما ينطبق على عنوان المانع الخارج،
وقد ظهر ممّا مرّ عدم استقامة الفرق بين الشرطيّة والمانعيّة في المقام؛ وأنّه يكشف
جعل المانعيّة عن تقييد الإطلاق من حيث وجود الشرط، أعني عدم ما هو مانع
شرعاً؛ وأنّ المانع المعتبر عدمه سواء كان عبارة عن صرف الوجود، أو كلّ وجود؛
فإنّه يضاف إلى ما لا يؤكل، وهذا موضوعه، والشك فيه يستلزم الشك في المانعيّة
واشتراط العدم». وهذا أعني انحلال الموضوع إلى وجوداته الواقعيّة المعلوم بعضها المجهول بعضها،
هو ملاك الانحلال المفيد للبراءة هنا، كان انحلال المانع إلى الوجودات المانعة أو لا،
لكون المانع صرف الوجود؛ ولذا فمثل هذا الانحلال المفيد إذا كان في ناحية الشرط
الوجودي، جرت البراءة أيضاً؛ كما إذا فرض أنّ الشرط في الصلاة هو الواجب
عن الستر في غير الصلاة؛ يعني [إذا كان] الشرط، الصلاة بالتستّر من الناظر، فشك في
وجود الناظر، لم يجب التستّر مقدّمة لإحراز الستر الواجب، لأنّه ليس واجباً مطلقاً
غيريّاً على الفرض، فتجري البراءة المختارة في كون الشرط مجموع أعدام الوقوع في
ما لا يؤكل، أو مطلق العدم، أو عدم الصرف، وبين كونه كلّ عدم لكلّ وقوع في ما
لا يؤكل بالنحو المقتضي للانحلال في نفس الشرط لا في موضوعه. وإنّما يمنع عن البراءة في الشروط الوجوديّة، القطعُ بالشرطيّة، إمّا للقطع بوجود
شرطها، أو لعدم مشروطيّتها، ثمّ شكّ في وجود ما هو الشرط، فشكّ في وجود
الواجب المقيّد به، فمقتضى قاعدة الاشتغال وجوب إحراز المقيّد بإحراز وجود قيده. وذكر في الكلام في الإطلاق من حيث الأضداد الوجوديّة، المقابلة للوقوع في ما
لا يؤكل من الواقعة في ما يؤكل، أو في ما ليس من الحيوان : «أنّه لا مقيّد لغير جعل
المانعيّة، وأنّ المستفاد كفاية الشكّ في حرمة الشيء ـ يعني ولو كانت غيريّة ـ في تحقّق
موضوع هذا الأصل، ولا يلزم إحراز الوقوع المضادّ للوقوع في ما لا يؤكل ». وقد ذكرنا أنّ الشرط عدم الوقوع في ما لا يؤكل، والوقوع هو المانع، وليس
الشرط ما يلازم عدم الوقوع في ما لا يؤكل ممّا ذكر، كما هو ظاهر «الموثّقة» وسائل
الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلي، الباب 2، الحديث 1.
وذكر في شرح المقدّمة الثانية في كلامه، وهي عدم اختصاص ما يدلّ على اعتبار
هذا الأصل، يعني المجوّز للصلاة مع الشك في المانع بما إذا كان المنع المشكوك نفسيّاً
ناشئاً عن المبغوضيّة الذاتية، بل يعمّها وما إذا كان من جهة القيديّة : «أنّ الحرام الوارد
في عنوان الأدلة ـ سواء اُريد به المعنى الوضعي العارض لذوات الأشياء الخارجيّة
من حيث تعلّق أفعال المكلفين بها، أو الاقتضائي العارض لنفس الأفعال فليس هو
إلاّ عبارة عمّا منع عنه الشارع، وحرّم العباد عنه في عالم الجعل والتشريع، ولو باعتبار
ما يتعلّق به من الأفعال كالصلاة فيه مثلاً فالجعل التشريعي المقتضي لذلك هو
التحريم، والمجعول الشرعي المعبّر عنه باسم المصدر هو الحرمة، ومعروضها هو
الحرام، والحلال ما يقابل ذلك، أما استناد المنع أو الترخيص المذكورين إلى مبغوضيّة
الشيء في حدّ نفسه وعدم مبغوضيّته كذلك، أو استقلال الجعل المقتضي لذلك، فهو
خارج عن مدلول اللفظ لغةً وعرفاً.»عبد ويشهد لذلك الاستعمالات الواردة في ما نحن فيه وأشباهه في لسان الرواة،
وجواب الأئمّة ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ بحيث يظهر منه أعميّة حاقّ
مدلول اللفظ عن القسمين، لا لأجل التجوّز فيه» ثمّ سرد عدّة من الروايات الدالّة على ما استفاده من الأعميّة لمكاتبة «محمّد بن
عبدالجبار» في الصلاة في قلنسوة حرير محض ومرسلة الفقيه بما فيها من التعبير بقوله عليه السلام :
«ولم يحرم لبسه ومسّه
والصلاة
فيه»
ورواية الخصال، وفيها :
«يجوز أن تتختّم بالذهب وتصلّي فيه، وحرّم ذلك على
الرجال» وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلي،
الباب 16، الحديث 6. ورواية «الشيخ» عن «موسى بن أكيل»، وفيها :
«فحرّم على الرجال لبسه
والصلاة فيه» ومكاتبة «محمّد بن عبدالجبّار» الاُخرى، وفيها :
«لا تحلّ الصلاة في
الحرير المحض. وإن كان الوبر ذكيّاً حلّت الصلاة فيه»
وما رواه عن «عمّار الساباطي»، وفيها في السؤال :
«لا تحلّ الصلاة فيه»
أي في
الثوب الواحد الذي ليس له سواه. والتوقيع المروي في «الاحتجاج» والتوقيع الآخر المحكي عن «الخرائج»، وفيه :
«فحرام عليك وعلى غيرك الصلاة فيه»
. انتهى المشار إليه.
ويمكن أن يقال : إنّ التعبير بالوضعي والاقتضائي لا يخلو عن مسامحة، بل الحرمة
العارضة للأعيان، باعتبار الأفعال المتعلّقة بها من التوصيف بحال المتعلّق؛ فالحرمة
المنسوبة إلى الأعيان والأفعال، اقتضائيّة وبمعنى فارد، وفي قبالها الحرمة الوضعيّة.
والميزان أنّ الفعل الذي يتسبّب به إلى غيره تسبّباً اعتباريّاً، فحرمته بمعنى عدم
حصول المسبّب به، لا ما ينشأ عن مفسدة في نفس السبب، بخلاف ما كان المقصود
نفسه، أو ما يتولّد منه تكويناً، فالحرمة فيه تكليّفيّة. والمقصود مغايرة الحرمتين،
لا عدم إمكان اجتماعهما في ذات السبب بملاكين نفسي وغيري. والحاصل أنّ أصالة
الحلّ بدليلها العام تعمّ الحليّة النفسية التكليفيّة والوضعيّة الغيريّة.
ويؤيّده
أنّ الحرمة التكليفيّة في الأمثلة المذكورة في رواية «مسعدة»
وسائل الشيعة، ج 12، أبواب ما يكتسب به الباب 4، الحديث 4. وهي
من أدلّة الأصل المذكور ـ تابعة للوضعيّة في البيع والنكاح، فلا تكون الوضعيّة الثابتة
في السبب خارجة عن العموم الممثّل بما في تلك الموارد. ولا يمكن التحليل التكليفي في
تلك الموارد إلاّ بالتحليل الوضعي، كما لا يمكن التحريم التكليفي فيها مع التحليل
الوضعي للأسباب.
مع أنّه قد مرّ كفاية أصالة البراءة في ما نحن فيه، لأنّ الشرطيّة المجهولة للجهل
بموضوعها، شرعيّة قابلة للوضع والرفع، فيشملها رفع المجهول في ضمن التسعة وكذلك البراءة العقليّة على الوجه المتقدّم تقريره. فما قيل من : اقتضاء الشكّ في الامتثال إحرازه على اليقين لقاعدة الاشتغال، مزيّف
بما
في محلّه من أنّه كذلك إذا لم ينشأ عن الشك في أمر شرعي في الوضع والرفع يشمله
ما دلّ على رفع المجعول الشرعي إذا كان مجهولاً بأيّ سبب كان الجهل، وإلاّ جرى
الإشكال في البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين. وأمّا الكلام في استنتاج الصحّة في الظاهر من جريان الأصل في الشرطيّة
أو المانعيّة، فشيء لا يختصّ بالمقام، ويجري في الشبهات الحكميّة في دوران الواجب بين
الأقلّ والأكثر الارتباطيّين؛ فالشبهة الموضوعيّة، كالحكميّة بعد تسلّم جريان أصالتي
البراءة والحلّ فيهما معاً في استفادة الصحّة الظاهريّة الموقوفة على انطباق المأمور به
على المأتيّ به. وبعد ضمّ ما بالوجدان إلى التعبّد بعدم الشرطيّة المجهولة والمانعيّة
المجهولة، كان الجهل في الحكم أو في موضوعه.
ويمكن أن يستشهد له بمثل ما إذا شكّ في الاشتراط بالشبهة الحكميّة التي منشأها فقد
النص، فهل يشكّ أحد في صحّة المأتيّ به في الظاهر بمثل هذا الشكّ؟ والشكّ في
الامتثال آتٍ هنا أيضاً. والقطع بالفراغ بالنسبة إلى ما في قطع التكليف به في حيثيّة
القطع به مشترك بين الشبهة الموضوعيّة والحكميّة. والشك في الامتثال في المأتيّ به
من حيث الشك في التكليف وبلحاظ ما يشكّ في أصل التكليف به أيضاً، مشترك
بين المقامين.
ومقتضى تحليل الأمر إلى اليقين والشكّ في التكاليف معاملة الاستقلال مع
التكاليف الضمنيّة الانبساطيّة، فإن صحّ هذا التحليل، كان الشكّ في الامتثال ناشئاً
عن الشك في تكليف زائد لو كان، كان ارتباطيّاً.
وحكم العقل بالاشتغال إنّما هو في ما تمحّض الشكّ في الامتثال من دون أن ينشأ
عن الشك في التكليف؛ فلا يبقى إلاّ احتمال توقّف تحقّق معلوم الشرطيّة بما يعلم به
الامتثال، وذلك في تقدير شرطيّة المتحصّل من مجموع الوجودات، أو مانعيّة صرف
الوجود؛ وذلك لو تمّ، ففي معلوم الاشتراط لا مشكوكه، للشكّ في تقدير الاشتراط كما
مرّ، فلا وقع لهذا الاحتمال.
مقتضى الأصل الموضوعيّ في المقام
وأمّا الكلام في الأصل الموضوعي المتقدّم على الحكمي وإن كان استصحاباً، فضلاً عن
البراءة الشرطية المشكوكة أو المانعيّة المشكوكة، ولو للشكّ في موضوعها، وهو كون
الشيء ممّا لا يؤكل، أو وقوع ما لا يؤكل على المصلّي،
فحاصله، أنّ المانع هو كون
اللباس أو ما يلحق به ممّا لا يؤكل، والشرط إنّما هو عدم تحقّق هذا المانع؛
فالشكّ
في
كون الحيوان ممّا لا يؤكل أو في وقوع جزء منه على المصلّي، بناءً على لحوقه باللبس،
شكّ في تحقّق ما هو المانع وفي تحقّق ما هو الشرط، والأصل في المانع والشرط اعتبار
اجتماع المشروط مع الشرط ومع عدم المانع، أمّا اتصافه بعدم المانع فيحتاج اعتباره
إلى مزيد عناية في دليل الاشتراط؛ وإلاّ فنفس مثل : «لا تصلِّ في غير المأكول»، أو
«أنّها فيه فاسدة»، أو أنّه «حتّى يصلّيها في غيره» لا يفيد إلاّ اعتبار اجتماع الصلاة
زماناً مع عدم المانع.
فلا محلّ للإيراد بالإثبات في المستصحب، مع الاتصاف المطلوب من قضيّة
اشتراط الصلاة بعدم الوقوع في ما لا يؤكل، فيكفي تكفّل الأصل لعدم ما ثبت
مانعيّته، أو لوجود ما ثبت شرطيّته مع الشكّ فيهما في زمان تحقّق الصلاة، بلا حاجة
إلى إثبات اتّصاف الصلاه بذلك الشرط، أو بعدم المانع؛ كما أنّ استصحاب الطهارة إلى
حين الصلاة وفي أثنائها، يكفي في التعبّد بحصول الشرط، وإن لم يكن اتصاف الصلاة
بالاقتران بالطهارة مجرى الاستصحاب، ولا ممّا يثبت باستصحاب الطهارة. فعليه، فيمكن دعوى الاكتفاء بأنّ لبس المصلّي لما لا يؤكل، أو ما بحكم اللبس ـ
وهو المانع المفسد للصلاة ـ لم يكن قبل الصلاة، فهو إلى زمان الصلاة على ما كان؛
وكذلك عدم اللبس أو ما بحكمه كان قبل الصلاة، فهو على ما كان إلى حين تحقّق
الصلاة. ولا حاجة إلى إثبات اقتران الصلاة بعدم اللبس من جهة مطلوبيّة الاقتران
بعدم المانع شرطاً، فيجاب بأنّ الاقتران بالحمل الشائع لا يُثبت الاقتران بالحمل
الأوّلى؛ ولا إلى إثبات أنّ المشكوك ليس ممّا لا يؤكل، بل يكفي إثبات عدم لبس غير
المأكول تعبّداً. وعلى تقدير استفادة اعتبار الاتصاف، فالمانع هو اتصاف الصلاة بالوقوع في ما
لا يؤكل، والشرط إنّما هو عدم المانع، لا الاتصاف بعدم الوقوع في ما لا يؤكل، والمانع
ـ وهو اتصاف الصلاة بالوقوع في ما لا يؤكل ـ لم يكن قبل الصلاة، فهو على ما كان
في زمان الصلاة، كما إذا شك في طروّ بعض المبطلات في أوّل أجزاء الصلاة.
الفرق بين العدم المحمولي والنعتي في جريان الاستصحاب والمناقشة فيه
ودعوى أنّ استصحاب عدم الاتصاف محموليّاً لا يُثبت العدم النعتي، فإنّ استصحاب
السالبة بانتفاء الموضوع، لا يثبت السالبة المنتفية بانتفاء المحمول،
مدفوعة
بأنّ العدمين
لا فرق فيهما في أنفسهما، وإنّما الفرق في معروضهما وموضوعهما، المعدوم في ما مضى
والمحقّق في ثاني الزمانين؛ فمرجع الاتصاف بالعدم مطلقاً إلى عدم الاتصاف المضاف
إلى موضوع قبل وجوده أو بعده، فيكون كاستصحاب عدم القرشيّة في المرأة. وعليه، فلا يستقيم ما عن «الشيخ الأنصاري» قدس سره
انظر رسالة «الصلاة في المشكوك»، ص 404. من الفرق بين ترتّب الأثر على
العدم المقارن، أو على العدم النعتي، فلا يجري استصحاب عدم كريّة الماء وعدم
حيضيّة العدم، ويجري في استصحاب عدم كون الشرط مخالفاً للكتاب من جهة الشك
في كون الحكم الكتابي ممّا لا يقبل التغيّر بالشرط. لابتنائه على الفرق بين العدمين في الاستصحابين في ما لهما من نفس الأمريّة، وإنّما
الفرق بين الوجودين ـ أعني المحمولي والنعتي ـ من حيث إنّ استصحاب الوجود
المحمولي لا يثبت اتصاف الموضوع الخاصّ به، فلا يترتّب الأثر المفروض ترتّبه على
اتصاف الموضوع بالوصف. مع أنّ كلاًّ من الصلاة والتلبّس بما لا يؤكل في حال الصلاة من عوارض بدن
المصلّي، لا أنّ التلبّس من عوارض الصلاة، وصدق الصلاة في ما لا يؤكل إنّما هو
بالعرض وبتوسّط كون المصلّي متلبّساً بما لا يؤكل، فليست الصلاة مع التلبّس بنحو
من العرض ومحلّه. مع أنّ العرض ومحلّه الشخصي إذا اُخذا في الموضوع للحكم، فإنّما يستفاد اعتبار
الاتصاف الملازم للأخذ المذكور في الوجوديّات، أي في الشروط الوجوديّة؛ لا عدم
التلبّس وهو الشرط، لأنّه عدم للمانع، ولا نعتيّة في الأعدام. بل تقسيمات الوجود
الأربعة، لا تجري في الأعدام؛ فالوجود قد يكون لا ماهيّة له لقوّته، كالواجب تعالى؛
أو لغاية ضعفه كالرابط، ويفترقان بالوجود «في نفسه بنفسه»، و«لا في نفسه
ولا بنفسه»، وقد يكون «لنفسه» كالجوهر، و«لغيره» كالعرض. وأعدام هذه
الوجودات المفروضة ليس لها هذه الشؤون. والفرق بين السالبة المحصّلة والموجبة المعدولة المحمول، منطقي لا فلسفي حقيقي،
والمرجع إلى عدم الاتصاف، لا الاتصاف بالعدم.
كما يظهر ذلك من ملاحظة صحّة السالبة بانتفاء الموضوع على النحو المفهوم
من المنتفية بانتفاء المحمول، أعني النسبة السلبية، كما يقولون، لا سلب النسبة، كما
نقول، وإنّما يلتزمون به في ورود السلب على النسبة بأن يقال «ليس زيد قائماً، لا في
مثل «زيد ليس قائماً». ويشهد لما ذكرنا عدم اعتبار وجود الموضوع في السالبة. ولو كانت المنتفية بانتفاء
الموضوع غير حقيقيّة، لاعتبر في الحقيقيّة ولو كانت سالبة، كما يعتبر عندهم في
الموجبة المعدولة المحمول. ولو كانت النسبة مطلقاً متوقّفة على وجود الموضوع ولو
لم تكن ثبوتيّة، لكانت متوقّفة على وجود المحمول أيضاً، وهو لا يجتمع مع السلب.
فمنه يظهر:
أنّ النسبة السلبيّة نفسُ أمريّتها سلب النسبة الواردة على طرفين
ثبوتيين، بل النسبة مطلقاً غير مستقلّة في الثبوت ونحوه، تابعة للمنتسبين فيهما حتّى في
الموجبة، حى يصحّ أن يقال : «لا حيوان لا متحرّك بالإرادة». وحينئذٍ فمرجع أخذ
الصلاة مع عدم التلبّس، إلى المقارنة الوجوديّة، أي إلى أخذ المتقارنين في موضوع
الحكم بالصحّة؛ فاستصحاب عدم التلبّس قبل الصلاة إلى زمانها ممّا يتمّ به الموضوع
بضمّ ما بالوجدان في أحد الجزئين إلى ما بالأصل، وهذا الاستصحاب لا فرق فيه بين
طروّ الشك والمشكوك في أثناء الصلاة، أو حدوثهما في أوّل الأجزاء، بناء على اعتبار
هذه الشروط في الأكوان المتخلّلة، بل مطلقاً بناء على جريان الاستصحاب في أوّل
أجزاء الصلاة.
وبالجملة، فمجرّد فرض الجزئين ـ العرض ومحلّه ـ، لا يمنع عن الاستصحاب،
ولا يحدث الإثبات فيه، وسيأتي إن شاء اللّه مزيد إيضاح لذلك.
تحقيق في الفرق بين السالبة المحصّلة والموجبة المعدولة المحمول
ثم إنّ المحقّق صاحب الرسالة قدس سره ـ بعد ما ذكر الإشكال في استصحاب العدم المحمولي
لإثبات العدم النعتي في ضمن مقدّمتين، ذكر فيهما ما لا يخلو من التعبيرات عن مخالفة
اصطلاح أهل الفنّ في الرابط والرابطي وغيرهماـ أورد على نفسه بما حاصله : صدق
السالبة المحصّلة بانتفاء الموضوع، بخلاف الموجبة المعدولة المحمول، فلا فرق بين
المستصحَب والمتعبّد به بالاستصحاب رسالة
«الصلاة في المشكوك»، ص 438.
وأجاب عنه ـ بعد الغضّ عن أنّ ذلك ينافي تسالمهم على رجوع العمل إلى
التوصيف، وأنّ السالبة المعدولة محمولة كـ «زيد ليس بلا قائم»، تلازم الموجبة
المحصّلة المفروض توقّفها على وجود الموضوع كـ «زيد قائم» ـ
أنّ رجوع السلب
المحصّل
إلى سلب الربط الصادق عند انتفاء الموضوع بخلاف ربط السلب في الموجبة المعدولة
المحمول، مبني إمّا على عدم اشتمال السالبة على النسبة، وورود السلب فيها على النسبة
الثبوتيّة، ومرجعها إلى سلب الحمل وقطع الربط. ثمّ زيّف هذا المبنى بلزوم انقلاب المعنى الحرفي اسميّاً، فيكون السلب محموليّاً، أو
يكون الرابط استقلاليّاً. ولا يخفى ما فيه، فإنّ المدّعي لذلك يُنكر كون المعنى الحرفي الذي هو النسبة المدلول
عليها بالحروف، غالباً على قسمين ثبوتيّة وسلبيّة، بل هو وجود «لا فينفسه» وليس
نقيضه إلاّ «عدمه»، لا «عدم لا في نفسه»؛ كما أنّ عدم الواجب تعالى فرضاً «عدم
مابنفسه»، لا «عدم بنفسه». ولو لزم من سلب الربط اسميّة الربط ومحموليّته اللازمة
لمسلوبيّته، لزم من إثباته في الموجبة المعدولة المحمول الاسميّة أيضاً، لأنّه ربط السلب،
وليس ربطاً سلبيّاً كما يدّعى في السالبة المحصلة. والذي يشهد على عدم الانقسام ـ الذي يكون الأصل فيه مراجعة ما في الخارج،
وتنزيل الحكم والكلام عليه، لا العكس ـ هو عدم الفرق الحقيقي بين قولك «لا ربط
بين زيد والقيام» و«زيد ليس بقائم»، و«زيد لا قائم» إلاّ تعبيرات مختلفة تحسّنها أدنى
مناسبة المقام. ويشهد له أيضاً أنّ النسبة في الموجبة المعدولة المحمول ثبوتيّة؛ فلو كان النسبة
المدلول عليها ثبوتيّة واقعاً ـ كما هي كذلك في الحكميّة المدلولة للكلام ـ لزم كون
النسبة الثبوتيّة التي ليس ثبوتها في نفسها، بل في طرفيها، محقّقة مع عدم أحد الطرفين،
وهو لتحقّقها مع عدمهما، إذ المقوّم بالغير المكتفي بطرف واحد عرض لانسبته،
والمفروض أنّها قسم رابع للوجود.
ويشهد أيضاً لما ذكرنا أنّ تقسيمات الوجود لم يقل أحد بجريانها جميعاً في العدم،
بحيث يكون الوجود الواجبي واجباً في نفسه لنفسه بنفسه، والعدم كذلك، والجوهري
وجوداً في نفسه لنفسه بغيره، وهناك عدم كذلك؛ بل ليس في العقل إلاّ عدم الوجود
الواجبي، وعدم الوجود الجوهري، وعدم الوجود الرابطي، لا عدم واجب، وعدم
جوهري، وعدم عرضي، فمن أين صار عدم النسبة عدم سلبي نسبي ربطي؟
وما أبْعَدَ ما بين هذا التقسيم وأجزائه في العدم في خصوص النسبة المنقسمة إلى
ثبوتيّة وسلبيّة، وبين إنكار المعنى الحرفي مغايراً للوجود الرابطي، والمصير إلى أنّ
المعنى الحرفي هو العرض الموجود لغيره، ولازمه إنكار القسم الرابع للوجود راساً،
وإنكار النسبة الثبوتيّة فضلاً عن السلبية في قبال العرض، وكلاهما خلاف ما ينتهي
إليه البرهان، ويشهد به الوجدان. وقد كان بعض مشايخنا قدس سرهم ، منبّهاً على قصر التقسيمات في الوجوديّة، ومنكراً
للنسبة السلبيّة الغير الراجعة إلى سلب النسبة الثبوتيّة، ومع هذا ذكر في بحثه ـ على
ما في ظنّي بعض مجاري الأصل في الأعدام الأزليّة ـ الإيراد على الجريان في خصوص
ذلك المورد، بأنّ المفهوم من الدليل موضوعيّة العدم عن وجود الموضوع، لا مطلقاً،
وهذا غير محرز في الاستصحاب، لعدم الحالة السابقة. مع أنّ المستصحب نفس العدم الذي هو جزء للموضوع، وليس أخذه في الموضوع
إلاّ بأن يؤخذ الجزء الآخر وجود الموضوع، والكلام في إثبات أخذ الاتصاف
بالعرض جزءً ثالثاً، وهو النسبة اللازمة لأخذ العرض ومحلّه الشخصي في الموضوع؛
وعلى تقديره فلا مانع من استصحاب عدم انتساب هذا الموجود إلى الوصف المتيقّن
قبل الموضوع إلى زمان وجوده، ولا يلزم إثبات الاتصاف بالعدم، كما يلزم إثبات
الاتصاف بالوجود في إثبات الحكم المرتّب على وجود الموضوع المتّصف
بوجود العرض.
واستنتج في «الرسالة» للمحقّق النائيني قدس سره ممّا ذكره : «أنّ حديث سلب الربط من
الشعريات، وأنّه ليس فارقاً بين السالبة المحصّلة والموجبة المعدولة المحمول، والفرق إنّما
هو في ترتّب الثاني على الأوّل ترتّبَ العنوان الثانوي على محصِّله» «رسالة الصلاة
في المشكوك»، ص 452. وهذا أيضاً ليس بفارق في عدم جريان الأصل مع اعتبار وجود الموضوع في
القضيّتين في المقام، وإنّما الفرق بين القضيّتين، في رجوع السالبة إلى الشك في التكليف
والشرطيّة، وفي الموجبة إلى الشكّ في الامتثال، لأنّ الشك في تحقّق كون المصلّي،
لا لابساً لغير المأكول، وهو المعتبر فرضاً، فلا بدّ من الاشتغال.
قلت :
قد مرّ أنّ موضوع غير المأكول إذا كان مشكوكاً، فالشكّ في اعتبار كونه غير
لابس للمشكوك، وإن كان المعتبر عدم اللابسيّة للشيء من أفراد غير المأكول
الواقعيّة، فإنّ كون المشكوك منها غير معلوم؛ فالشكّ في الدخول فيموضوع الاعتبار
يوجب الانحلال الذي هو موضوع البراءتين. وعليه، فليس في السالبة بانتفاء
الموضوع إلاّ حسن العبارة. مع أنّ الربط في تحصّله إذا كان على قسمين ثبوتي وسلبي، فلا يتوقّف على قسمين
ثبوتي وسلبي، فلا يتوقّف على طرفين ثبوتيّين، وإلاّ لم تصحّ السالبة، فليكن
غير متوقّف على طرف ثبوتي أيضاً، فتصحّ السالبة بانتفاء الموضوع أيضاً؛ فإنّ تحقّق
العدم غير تحقّق الوجود وله النفس الأمريّة فقطّ، فكيف يتوقّف على أزيد من نفس
الأمر في الطرفين؟ وتعلّق الغرض العقلائي بسوق السالبة بانتفاء الموضوع، أمر
اتفاقي لا كلّي.
ثم زيّف في الرسالة ثانيَ الشقّين المبنيّ على أحدهما الالتزام بسلب الربط وتربيع
أجزاء القضيّة وكون الجزء الرابع وقوع النسبة التقييديّة أو لا وقوعها ـ بأنّه مستلزم
لورود السلب على الإيجاب، أو ورودهما على الربط المشترك بينهما، مع أنّه لا يخرج
عن حقيقتهما، فليس إلاّ تثليث الأجزاء، يعني مع الترديد في الجزء الثالث المسلّم
عندهم بين الثبوتي والسلبي.
وقد مرّ ما يظهر منه ما فيه، وأنّ النسبة الكلاميّة [وهي] الدالّة على الحكميّة، الحاكية
عمّا في الواقع المنحصر بثبوت النسبة، المستلزمة لثبوت المنتسبين، وعدمها بعدمهما أو
عدم أحدهما، ومفاد الموجبة الهوهويّة، ومفاد السالبة سلب الوحدة لا وحدة سلبيّة؛
فمفاد الإيجاب «هو هو»، ومفاد السلب والعدول «ليس هو هو»، لا أنّه «لا هو» بنحو
من النحوين، أعني ربط السلب، أو ربط سلبي.
ومنه يظهر الجواب عمّا دفع به إيراد استحالة ارتفاع النقيضين، فلا مانع
من استصحاب عدم النعت، بأنّ التقابل بالمناقضة الموجبة لاستحالة الارتفاع في
الوجود والعدم المحموليّين ؛وأمّا النعتيّان فالتقابل، بالعدم والملكة، لاعتبار الصلاحية
بوجود الموضوع، وارتفاعهما بعدم الموضوع ممكن؛ فإنّه لا عدم نعتيّ حتى يقال
لا يقين به، بل اليقين بعدمه قبل وجود الموضوع، وإنّما الموجود الوجود النعتي، وهو
مرتفع بعدم الموضوع تارة، وبعدم المحمول اُخرى، فيستصحب عدم النعت أي عدم
الوجود النعتي بين الطرفين بعدمها، إلى زمان وجود الموضوع المركّب منه ومن نعته
موضوع الحكم، وينتفي الحكم المرتّب على هذا المجموع. وأمّا استصحاب عدم إذن المالك مع الشك في كون الاستيلاء على مال الغير بإذنه،
فلا محلّ لنعتيّة إذن المالك للاستيلاء؛ فأصالة الضمان بعد تنقيح الموضوع بالأصل
المفيد لكون الاستيلاء على مال الغير مقارناً لعدم إذن المالك، محكمّة على أيّ تقدير. وأمّا أصالة عدم القرشيّة بعد الخمسين في ما تراه المرأة المشكوك قرشيّتها، فيمكن
الاستناد فيها إلى الإلحاق بالغالب وأنّه أمارة معتبرة؛ كما يمكن أن تكون مستندة إلى
استصحاب عدم الانتساب إلى قريش فينفي حيضيّة المشكوك انتسابه إلى قريش في
ما تراه بعد الخمسين؛ ومثلها أصالة عدم الانتساب إلى الميّت مع الشكّ، فينتفي الإرث،
أو المنع والحجب عن الإرث المشكوك انتسابه إلاّ في احتمال الأماريّة. هذا كلّه في الشكّ في أوّل الشروع في الصلاة أنّها تقع في غير المأكول أو لا؟ وأمّا
الشكّ في الأثناء في الواقع أو وقوع غير المأكول، فموضوع الاستصحاب فيه محرز بناء
على الهيئة الاتصاليّة في ما بين أجزاء الصلاة، وهي التى يقطعها اُمور، وإلاّ فالواقع في
ضمن الجزء المنتفي بانتفاء شرطه لا يصدق معه القطع حقيقة، وكذا النقض والبطلان
على الدقّة؛ فلا مانع من الاستصحاب حتى على نعتيّة عدم الوقوع في ما لا يؤكل،
لأنّها كانت منعوتة بعدم الوقوع في ما لا يؤكل، فهى على ما كانت. ويؤيّده
ـ لولا ما مرّ من عدم وصول النوبة إلى الاستصحاب مع الأصل في السبب
الغير الاختياري، الذي هو الوقوع في غير المأكول في الشكّ في الواقع دون الوقوع ـ
أنّه لا ينبغي أن ينسب إلى فقيهٍ الحكم بالبطلان مع الشكّ في الوقوع في أيّ مانع، أو
ما يشترط عدمه في الأثناء، لاستمرار السيرة على عدم الاعتناء، بل على عدم
الفحص في احتمال الوقوع قبل الصلاة أيضاً؛ وإن كان يجتمع ذلك مع عدم شرطيّة عدم
الوقوع على المصلّي قصراً للشرطيّة على ترك اللبس. وممّا ذكرنا يظهر
ما في التفصيل المذكور في «الرسالة» في جريان البراءة بين الشكّ في
بول الخفّاش مثلاً في محلّ لو بال لأصاب المصلّي، أو في الإصابة لبوله المحقّق المعلوم،
وجعل الأوّل من الشكّ في الشرطيّة الزائدة على الشرطية المعلومة فتجري البراءة،
والثاني من تحقّق الشرط المعلوم شرطيّته فيلزم الاحتياط. فإنّ العلم بالصغرى في ما يشترط عدمه إن كان لازماً، ففي الصورتين؛ وإن كان
العلم بالكبرى كافياً ففيهما؛ فالشكّ في الوقوع شكّ في تحقّق المانع الغير الاختياري
المعتبر عدمه، كان ناشئاً عن الشكّ في أصل الوقوع، أي في وجود الواقع، أو في
الوقوع على المصلّي مع العلم بأصل وجوده، فتجري البراءة عن الشرطيّة الزائدة
وعن المانع الزائد المعتبر عدمه إمّا للشك في وجود المانع، أو مانعيّة الموجود. كما أنّه على تقدير وصول النوبة إلى الاستصحاب يقال : [إنّ] عدم المانع ـ وهو
الوقوع ـ متيقّن، والشكّ، في انقلابه إلى الوجود، مع أنّه لو وجد كان مفسداً، فمقتضى
الاستصحاب عدمه، كان الشكّ ناشئاً عن حرمة أكل الواقع، أو وجود جزء
من المحرّم، أو إصابة الموجود منه للمصلّي، ويجمعها الشك في وقوع غير المأكول على
المصلّي، أو وقوع صلاته في جزئه. وقد مرّ أنّ
النعتيّة للعدم ولو كانت مسلّمة في متعلّق التكليف التحريمي الغيري، فلا
محلّ لها في موضوع التكليف المذكور، أعني الكون من أجزاء ما لا يؤكل، ومع الشكّ
في الموضوع يشكّ في حكمه، فتجري أصالة البراءة عن الشرطيّة، وأصالة الحلّ بمعنى
حلّ الصلاة فيه. مع أنّه لا يستفاد من الدليل اعتبار العدم النعتي، بمعنى أنّ الصلاة يعتبر فيها صدق
أنّ الصلاة لم تقع في غير المأكول، بل مفاده أنّه يعتبر فيها عدم وقوعها في غير المأكول،
أعني عدم النعت، أي عدم ما لو كان موجوداً كان ناعتاً، لا العدم النعتى، حتى يلزم
الإثبات لولا دعوى خفاء الواسطة، أو مع عدم صحّتها بحسب الكبرى.
وهذا في استصحاب عدم الوقوع في غير المأكول بنحو ينقّح به الشرط دون
الأصلين المذكورين، مع أنّ الشكّ في صحّة الصلاة ناشٍ عن الشكّ في الشرطية
المدفوع بالأصلين؛ فلا محلّ لاستصحاب عدم الوقوع في ما لا يؤكل حتى يترتّب
عليه صحّة الصلاة الواقعة في المشكوك كونه ممّا لا يؤكل، حيث يشكّ في وقوعها في
ما لا يؤكل بذلك الشك.
جريان البراءة في الشك في سائر الموانع
ثمّ إنّه لا يختصّ ما ذكرناه بالشك في غير المأكول، بل يعمّ سائر الموانع، فتجري البراءة
عن الشرطيّة والمانعيّة المشكوكتين في الشبهات الموضوعيّة، بل الحكميّة مع عدم
ارتفاع الشك المسبّبي بالحكم في الشكّ السببي، فيجري ما ذكر في الشكّ في الحرير
والذهب، بل الميتة أيضاً لولا اقتضاء الأصل في الشكّ السببي عدم التذكية، فلا يترتّب
على المشكوك تذكيته أثر المذكّى من جواز استعماله في ما يشترط فيه الطهارة
أومطلقاً. والفرق بينه وبين ما لا يؤكل أن التعبّد بعدم التذكية تعبّد بالموضوع الذي
من أحكامه عدم جواز الصلاة فيه في عرض عدم جواز الانتفاعات بالميتة، بخلاف
التعبّد بحليّة الأكل ظاهراً؛ فإنّه يمكن مفارقته عن التعبّد بما لو كان للحليّة والحرمة
من الحكم، لصحّة التعبّد بنفس حليّة اللحم، وإنّما يتعبّد بأحكامه بنفس التعبّد بالحلّية
لو دلّ على التعبّد بكونه الحلال الواقعي، كما هو مفاد الأمارة، بل الظنّ الاطمئناني
على وجه، بل الاستصحاب لو جرى في مورد على وجه، هذا.
وقد مرّ أنّ
الحليّة المتعبّد بها في دليل الأصل تعمّ التكليفيّة والوضعيّة، وأنّ التمثيل بما
في رواية «مسعدة»وسائل الشيعة، ج 12، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. يناسب العموم الذي لا مانع عن الالتزام به، ولو لم يقع
ذلك التمثيل. وعليه، فلا يراد من إثبات الحلية التكليفيّة إثبات حكمها في المقام وهي الوضعيّة،
حتّى يقال : «إنّها في موضوع الشكّ في الوضعيّة، وهو غير مرتفع وجداناً، ولا تعبداً
بالتعبّد بالحلّية التكليفيّة التي هي ما متيقّن دليل أصالة الحل إلاّ على الأصل المثبت». بل يقال : إنّ الشكّين وإن كانا طوليّين، والتعبّد بحلّ الأكل أعمّ من التعبّد بآثاره
الشرعيّة التي منها حلّ الصلاة، إلاّ أنّ التعبّد بالحلّ بالمعنى العامّ يشمل الشكّين
الطوليّين، كما يشمل العرضيّين لو كانا؛ فإنّ مفاده جواز أكل المشكوك حرمته، وجواز
الصلاة في المشكوك جوازها فيه. ودعوى أنّ حمل رواية «مسعدة» على الأعمّ، والالتزام بأصالة الحلّ الوضعيّة في
جميع الأبواب، وفي جميع الشروط والموانع من العقود والإيقاعات والمعاملات، لازمه
تأسيس فقه جديد، مدفوعة
بأنّه لا مانع من الالتزام [به] في غير موارد الإجماع، وفيها
يكفي الاجماع دليلاً مانعاً عن العموم؛ كما في ما ثبت فيه إناطة الحلّ الوضعي بالعلم، أو
ما يقوم مقامه بدليل اجتهادي؛ كما أنّ قاعدة الفراغ وأصالة الصحّة من التسهيلات
على الشاكّ موافقة لعموم الحلّ للوضع فيها.
ومنه يظهر وجه الاكتفاء بأصالة البراءة، فإنّها تعمّ الحكم التكليفي والوضعي. ولولا
هذا العموم، لما أمكن رفع الشرطيّة المجهولة بأصالة البراءة في ما لا محلّ للتكليف فيه،
حتّى يرفع احتماله بها، كالشك في أخذ الشعر من هذا الحيوان المحلّل قطعاً، أو
ذاك الحيوان المحرّم قطعاً، بل في ما يشك في التكليف فيه. فإنّ رفع التكليف تعبّداً، لا يستلزم رفع الشرطية الموقوف على رفع الشك فيها،
فكيف يتمسّك بالأصل في رفع الشرطيّة المجهولة للشعر بعموم دليل هذا الأصل،ولا
يتمسّك به في المقام بمجرّد طوليّة الشكّين، وعدم تكفّل دليل الملزوم رفع حكم اللازم
لعدم رفعه للشك فيه؟
وعليه، يكون الشكّ في غير المأكول موضوعاً أو حكماً، كالشك في الحرير
والذهب موضوعاً أو حكماً، في عدم ترتّب الوضع على التكليف في المشموليّة لدليل
أصالة الحل أو البراءة الشرعيّة الجاريتين في الوضع المجهول، في عرض الشمول
للتكليف المجهول، أو في ما ليس هناك تكليف مجهول مبتلى به.
جريان البراءة في الدم المشتبه بين المعفوّ عنه وغيره
ثمّ إنّ الطهارة من الخبث إذا كانت مشكوكة، مجرى أصالة الطهارة، وبها يحكم بجواز
ترتيب آثار الطهارة على المشتبه التي منها جواز الصلاة فيه. وأمّا خصوص الدم المشتبه ـ بعد نجاسته على جميع التقادير ـ بين المعفوّ عنه،
كالأقلّ من الدرهم من غير الدماء الثلاثة، ودم القروح والجروح وغيره، ولم يكن
استصحاب ينقّح الموضوع، فهل القاعدة تحكم بالاشتغال لإحراز الصلاة مع الطهارة،
أو البراءة؟
ويمكن أن يقال : إنّه حيث كانت المانعيّة للصلاة الموجبة لاعتبار العدم شرطاً في
صحّتها لخصوص الدم البالغ قدر الدرهم ومن غير الجروح، فمع الشكّ يكون مانعيّته
مشكوكة، ومقتضى عدم المانعيّة وعدم اعتبار العدم شرطاً في الصحّة. ولا فرق في الشك في المانعيّة، بين الشبهة الموضوعيّة أو الحكميّة، كما إذا شككنا في
العفو عن دم خاصّ ولم يكن عموم يتمسّك به في عدم العفو مع الشكّ، وإنّما يمنع عن
البراءة في ما إذا علم بالمانعيّة وشكّ في تحقّق المانع، أو الشرط للشك في تحقّق
المشروط بلا أصل يعيّن الحال. ومثله الشك في كون هذا الماء الملاقي للنجس من ماء الاستنجاء أو من غيره؛
فالشك في كون الصلاة مع المعفوّ عنه أو لا ـ حيث كان ـ منشأه الشكّ في التكليف
الغيري الذي هو منشأ المانعيّة والشرطيّة من الشك في الامتثال الناشيء عن الشكّ في
التكليف، الذي هو مجرى أصالة البراءة دون الاشتغال، كما في سائر موارد الدوران
بين الأقّل والأكثر.
دفع المنافاة بين الواجب و الحرام من ناحية الإحراز
تنبيه : ربّما تتوهّم المنافاة بين الالتزام بلزوم إحراز تحقّق الواجب، فلا يكتفي
بالمشكوك تحقّقه ولو للشك في الصدق، أو في تحقّق قيده مع العلم بتقيّده، إلاّ أن يكون
الشكّ بعد الفراغ، وبين ما هو المعروف من أنّه مع الشكّ في تحقّق الحرام ولو للشك في
تحقّق قيده المعلوم تقيّده به، فلا عقوبة مع الارتكاب. وذلك لرجوع التحريم إلى طلب
العدم، المشابه لطلب الوجود في الواجبات؛ فلماذا يلزم إحراز الوجود في رفع العقاب،
ولا يكفي احتماله في الواجبات، ولا يلزم إحراز العدم في المحرمّات، ويكتفى باحتمال
العدم في رفع العقاب؟ والحلّ أنّ الأمر بالطبيعة تخييري في حصصها، والنهي عن الطبيعة تعييني في
حصصها، ومقتضى الشك في كون شيء من حصص الطبيعة الواجبة، الشكّ في تعلّق
الوجوب بها إلاّ إلى بدل، ولازمه عدم الاكتفاء بها عن الطبيعة الواجبة تعييناً، كانت
مطلقة أو مقيّدة، وكان الشكّ في التحصّص للشك في تحقّق الطبيعة أو تحقّق قيدها. وأمّا الشك في تحقّق الحرام الراجع إلى الشك في كون الشيء من حصص
الطبيعة المنهي عنها، ومع هذا الشك، فيشك في تحريم الشيء شمولياً عينيّاً، وتجري
البراءة عنه، والتكليف بطلب ترك الطبيعة المحرّمة ـ مطلقة كانت أو مقيدة ـ بحاله،
وفعليّة العلم بالصغرى والتحصّص كما تتوقف على العلم بالكبرى في المقامين،
فمقتضى بقاء التكليف بالطبيعة في المقامين وعدم فعليّة التكليف الجزئي في مورد
الشك في الموضوع وإن كان تخييريّاً في الواجب بالنسبة إلى الخصوصيّة تعيينيّاً في
الحرام، يقتضي عدم الاكتفاء بالمشكوك في الخروج عن الإيجاب المعلوم على
اليقين، وعدم التنزّه لزوماً عن المشكوك، وإن بقي التحريم المعلوم تعلّقه بمتعلّقه
منجّزاً في صورة العلم بالكبرى والصغرى.