وقد استدلّ للثاني بالأصل المقطوع بصحيح «علي بن جعفر» بعد التقييد بروايات
التفصيل؛ وبخبر «الحفيرة» بناء على عدم كونها ممّا يتستّر بها، وإن ذكرها لانتفاء
غير مثلها كما هو الغالب في مفروض السؤال؛ وبناء على اطّراد القيام فيها؛ أو أنّ
ترجيح الركوعين على الستر الشرطي مطّرد مع الأمن من النظر،] سواء [كانت
الوظيفة في القيام، أو الجلوس الواقع في «الموثّق»
لكن دلالة «الصحيح» على جواز الإيماء مع الأمن، تصرّف عن دلالة «الخبر» على
وجوب الركوعين مع الأمن وكذا لا دلالة للموثّق على تعيّن الركوعين، كما لا دلالة له
على تعيّن الجلوس حتّى مع قيام الإمام وإيمائه، فلهم الإيماء قائمين في الفرض، كما في
المنفرد بحسب الصحيح المتقدّم. ويمكن أن يجوز لهم الإيماء جالسين مع الإمام ترجيحاً للستر الشرطي، كما في
«الصحيح» بعد استفادة الاعتبار بالدوران بين الشرط والجزء. واستدل جواهر الكلام، ج
8، ص 210.ّ أيضاً بأنّ المسوغ للقيام مسوّغ للركوعين، لعدم الفرق في مسوغيّة الأمن
بينهما وبين القيام، فإذا ترجّح القيام على الشرط ترجّحا عليه، وإنّما يترجّح الستر
عن النظر المفقود مع الأمن؛ فالمحافظة على القيام، لسقوط الشرط حيث لا يمكن
الجمع بينهما، فكذا يحافظ عليهما، فيسقط الشرط، حيث لايمكن الجمع مع اشتراكهما في
الأمن من النظر. ودعوى
الفرق بإمكان الستر الشرطي مع القيام بوضع اليد دون الركوعين
لانكشاف الخلف فيهما لا محالة،
مدفوعة بعدم وجوب وضع اليد، كما هو ظاهر النصّ
والفتوى، مع أنّه على تقدير وجوبه لا محلّ للتفصيل بين الأمن وعدمه، لاطّراد الأمن
المقتضي للقيام مع وضع اليد. انتهى بتوضيح. وفيه
أنّ مسوّغ القيام لحصول الستر النظري، بالأمن؛ والشرطي، بوضع اليد،
ولا يجري في الركوعين، ولا في غير القيام مع الإيماء، لعدم انحفاظ الستر الشرطي في
الخلف، وعدم التصريح بوجوب وضع اليد لوضوحه، ولأنّه لولا جواز ترجيح الستر
الشرطي على الركوع، لما سوّغ الإيماء في «الصحيح»، وليس تصريحاً ولا ظهوراً في
عدم الوجوب، بل يظهر الوجوب من تجويز الإيماء، أو إيجابه للستر الشرطي للخلف،
المشارك للقابل في الشرط كالنظر. كما ليس في «الموثّق»، على أنّ مسوِّغ الركوعين الأمن الحاصل في صلاة القائم
أيضاً، فلعلّه الأمن مع التنزّل من القيام إلى الجلوس، مع أنّه لو كان هو الأمن فلادليل
على تعيّن الركوعين مع الأمن النسبي من النظر إلى الخلف حتى في حال القيام إلاّ
بالإطلاق القابل للتقييد بما في «الصحيح». والالتزام بتعيّن الإيماء مطلقاً على القائم
الآمن من الخلف، والركوعين على الجالس الآمن من الخلف كتعيّن الإيماء على غير
الآمن، إذا كان جالساً، منفرداً كان كما في حسن «زرارة»، أو إماماً كما في «الموثّق». وأمّا «المرسل» في الحفيرة، فيمكن منع إفادته للحكم في القائم الآمن، لأنّ الغالب
في مثلها عدم التمكّن من القيام، كما أنّ الظاهر هو الأمن بسببها، فعليه يكون، كما في
الماموم الجالس خلف الإمام الجالس، في أنّه يركع ويسجد، ولا دلالة له على كفاية
الأمن ولو في حال القيام في تعيّن الركوعين، فلعلّه مقيّد بعدم القيام، ولعلّه يجمع بين
«الخبر» وما في صلاة العُراة جماعة، وبين ما دلّ على إيماء القائم الآمن بتعيّن الإيماء
مع القيام والأمن، والركوعين مع الجلوس والأمن، وإطلاق ما في «المرسل» لقيام
الآمن يمكن تقيّده بما دلّ على إيماء القائم مقيّداً بما دلّ على أنّ غير الآمن لا يتعيّن، أو
لا يجوز له القيام. ومطلقات الأمر بالجلوس مقيّدة بما دلّ على أنّ الآمن يقوم وغيره يجلس،
وإطلاق أدلّة الإجزاء معارَض بإطلاق دليل شرطيّة الستر، وتقدّم الجزء غير مسلّم
في صورة ثبوت البدل له دون الشرط. وكفى بإطلاق دليل الشرطيّة، أعني الإجماع المنقول المؤيّد باستفادة الوضع
من روايات الصلاة في الستير ، وبالارتكاز المتقدّم،
دليلاً لكون الستر بمعنى الإخفاء
عن الناظر التقديريّ بأيّ آلة كان، وإنّما ذكر القميص ونحوه لمكان التعارف، فإنّ
العاقل المتمكّن لا يتستّر بغير الثياب، كما لا يتحفّظ عن البرد بغيرها. ومنه يظهر أنّه لا حاجة إلى الشهرة في العمل بالصحيح ونحوه، مع أنّ منع الشهرة
في غير محلّه، فإنّ الاختلاف في إطلاق القيام أو الجلوس لا ينافي الاتفاق على الإيماء
للستر الشرطي وهو المقصود؛ وأمّا موافقة كلّ في القيام أو القعود، فليست لازمة مع
وجود روايات التفصيل التي لا شهرة على خلافها.
وبالجملة، فمع وجود إطلاق وجوب الإيماء بالدليل ـ كما في المقام ـ لا محلّ لهذه
الواجبات، لعدم الدليل، وعدم الفهم من أدلّة الإجزاء بضميمة «قاعدة الميسور»
لوجود الدليل الخاص بالمقام.
ومنه يظهر : أنّ محلّ سائر الواجبات إنّما هو الالتزام بوجوب الممكن من الانحناء،
كما في المريض، مع عدم دليل على وجوب الإيماء عليه، لا مثل المقام.
وجدان الساتر في الأثناء
ولو وجد الساتر في الأثناء ولم يتوقّف التستّر على المنافي، تستّر به وأتمّ، للعمل
بوظيفة العريان في ما مضى في ما يجوز فيه البدار والتستّربقى، والعفو في الأثناء على
ما مرّ من التعبديّة، وأنّ عدم العلم لمكان عدم التمكّن من الامتثال للأمر بتحصيل
الشرط، وأنّ غير المتمكّن كالجاهل بمناسبة الحكم والموضوع.
وهل العبرة بالتمكّن من الستر بلا منافٍ ولو كان هو الفصل الطويل بين الأجزاء ولو
كان جزءاً واحداً، كما هو الظاهر من «الجواهر الكلام، ج 8، ص 203. »،
أو بأطوليّة
زمان الصلاة بلاستر مع
عدم الاشتغال بالتستّر منها مع الاشتغال بالستر؛ فلا ستر على من لو اشتغل بالتستّر
كان عارياً في دقيقتين، ولو لم يشتغل كان عارياً في دقيقة، لقلّة الأجزاء الباقية، وعدم
اختصاص الشرط بنفس الأجزاء، بل يعمّ الأكوان المتخلّلة، كما لعلّه المراد من المحكي
عن الكشف؟ وجهان، لا يخلو ثانيهما عن رجحان، لكنّه مع ملاحظة تحقّق المنافي وعدمه
يلاحظ طول زمان التكشّف وقصره أيضاً. وإن توقّف على فعل المنافي ولم يتمكّن من الصلاة مع الستر ولو بركعة في الوقت،
أتمّ صلاته. وإن تمكّن فهل يستأنف، أو يستمرّ؟ يمكن للمختار التخيير، للدوران بين الأخذ
ببدليّة وقت الركعة مع الحفظ على الستر، أو بالأبدال في صلاة العاري مع المحافظة
على وقت الركعات كلّها، كالدوران بين ركعة مع المائيّة، وأربع مع الترابيّة على
ما وجّهنا في محلّه فيه من التخيير بين إعمال السببين. وحيث إنّ القاعدة تقتضي
التخيير، فيتعيّن أحد الطرفين بالنهي عن الإبطال سورة محمّد (ص)، الآية 33. وليس بطلاناً وإلاّ لما كان مخيّراً
لولا النهي عن الإبطال.وأمّا الترجيح بنفس البدليّة وانحصارها في الوقت الاضطراري، ففيه أنّ البدليّة
للإيماء والجلوس عن الركوعين والقيام مع المحافظة على الشرط أيضاً ثابتة، والترجيح
بين البدلين بلا مرجّح، إلاّ على ما مرّ. والمناقشة في استصحاب جواز الاشتغال بالصلاة، أو حرمة القطع بتغيّر الموضوع،
أعني التمكّن من الستر، وعدمه،
فيمكن دفعها بأنّ المفروض عدم إيجاب التمكّن
للتكليف، وإلاّ لم يجز البقاء؛ فالمدّعى وجوب البقاء بتحريم القطع بدليله؛ ولولاه،
بالاستصحاب إذا شكّ في إيجاب التمكّن للتعيين لتعارض جعل البدليّة في الطرفين إذا
لم ينته إلى التخيير. و منه يظهر الجواب عمّا قيل من أنّ المحقَّق بطلان لا إبطال ممنوع. لو صادف وجدان الساتر في الأثناء العلم بوجدانه في ما سبق
ولو صادف حصول الستر العلمَ بوجدانه في ما سبق من أجزاء الصلاة، زاد على ما مرّ
في وجه البطلان كون الأمر خياليّاً لا واقعيّاً، فلا يجزي من هذه الجهة، لا من جهة
عدم إجزاء الأمر الاضطراري أو الظاهري لا فرض الأخير.
إلاّ أن يقال : إنّ غير المعلوم كغير الموجود في عدم إمكان الستر، فيجزي ما سبق
فعله بملاك الجهل بانكشاف العورة في عكسه، أي الجهل بوجود الساتر، فعلى المولى
الأمر بهذه الصلاة، أي صلاة العاري ما دام جاهلاً بموضوع الساتر، ولايمكن أمره
بالتستّر مع ذلك، فعدم إجزاء الأمر الخيالى بأصله لايجرى في المقام. وأمّا دفع ذلك
بظاهر النصوص والفتاوى كما في «الجواهر الكلام، ج 8، ص 203.» فيمكن المناقشة فيه بورودها في
العاري المعلوم كونه عارياً، أو المظنون بالظنّ المعتبر بعدم الساتر، لا الأعمّ من واجد
الساتر واقعاً مع اعتقاد عدمه.
إشارة إلى التمكّن من التستّر مع الوقت الاختياري
وظاهر التردّد في صورة التمكّن من الوقت الاضطراري مع الساتر أنّه يستمرّ
أو يستأنف، التسلّم على الاستيناف في صورة التمكّن من التستّر مع الوقت الاختياري
كاملاً.
ونفى عنه الريب في «الجواهر» في البطلان والاستيناف، ولعلّه لمكان عدم
الاضطرار إلى الصلاة بلا ستر، إلاّ في خصوص ما تلبّس به ممّا يتوقف التستّر فيه على
المنافي، والمرفوع إنّما هو الاضطرار إلى ترك طبيعة الستر في طبيعة الصلاة، لا في صلاة
خاصّة؛ وهذا بخلاف السهو والنسيان لتعلّقهما بالطبيعة ولو في زمان خاصّ، وينتقض
بوجدان الساتر بعد الفراغ، فإنّ متعلّق الاضطرار الصلاه الخاصّة بلا ستر دون
الطبيعي، فلا فرق بينه وبين الوجدان في الأثناء في تعلّق الاضطرار بالصلاة الخاصّة
المتلبّس بها على وجه مشروع بناء على جواز البدار، أو فرض العلم بعدم الوجدان
إلى آخر الوقت مع انكشاف الخلاف في الأثناء.
نسيان التذكّر والتذكّر في الأثناء
وكذا الحال في النسيان والسهو إذا علم وتذكّر في الأثناء ولم يمكن التستّر إلاّ بالقطع،
في أنّه يستمرّ ويصلّي صلاة العاري وإن كان قبلُ وكان صلاته صلاة المختار، أو يقطع
ويستأنف صلاة المختار؟ وعلى الأوّل يرتفع شرطيّة الستر الخاصّ بالمختار، ويصلّي
صلاة العاري في الاستتار باليد والإيماء أو الجلوس، مع أنّه متمكّن من الساتر لا في
شخص هذه الصلاة.
التستّر من تحت
وهل يجب التستّر من تحت؟ لا إشكال في العدم، لاستمرار السيرة على الاكتفاء
بالصلاة في القميص الساتر الكثيف، وفيه ما لا يستر من تحت كما هو ظاهر، بل
ولا من الفوق كالجيب الواسع.
ويمكن أن يقال ـ بعد موافقة النصوص لما قدّمناه للتعبير بالقميص ونحوه ـ :
إنّه
لا
إشكال في أنّه مع اللباس الساتر للعورتين على المتعارف، كان اللابس على اختلاف
الأصناف يدخل في المجامع، ويصلّي جماعة وفرادى في ما بينهم، وما كانوا يعيبون فيه
مع اختلاف أشخاص القميص والإزار في الطول والقصر، وفيه العتيق ما فيه خرق
وثقب بحيث لو تأمّل متعمّد لرأى العورتين، لا مع عدم التعمّق كما هو المتعارف.
ومنه يظهر أنّ الكافي للستر النظري كافٍ للستر الشرطي، لا للملازمة بينهما، فإنّ
الافتراق من الطرفين ثبوتاً وإثباتاً، والدليل على الشرطيّة الإجماع المنقول، وما يوافقه
من إطلاقات النصوص المستفاد منها الوضع، فيشترط في الخلوة ما لايحرم معه
التكشّف، بل الحرمة على ما ذكروه لا تلازم البطلان هنا ولا في غير المقام، وقد لا
يحرم ما يبطل لبسه كغير المأكول، وتبطل الصلاة عارياً في الخلوة مع المكنة. بل لمكان أنّ الكافي في الدخول في الجامع، كافٍ للصلاة، ولو لم يكن كافياً، لكان
ما يَنبِّه عليه، فالتستّر من تحت أو من فوق شرطيّاً، كالتستر تكليفاً. بل لو فرض الناظر من تحت مع أنّ القميص الساتر في المتعارف يكتفي به في
الصلاة، فالزائد فيه هو التحريم الغير المستلزم للبطلان، وكذا الجيب الواسع، وأمّا مع
عدم الناظر فلا حرمة ولا بطلان؛ فالقول في الموردين بالبطلان ولو احتمالاً لايجتمع
مع الجزم بعدم استلزام التحريم للبطلان، وبعد لزوم أزيد من إزار أو قميص ساتر
للعورتين لتحصيل الشرط. وكأنّ تسلّم الحرمة مع الناظر مع تخيّل أنّ الظاهر كليّة
الشرطية مع التحريم أوجب هذا، مع التفرّع منهم بعدم وجوب التستّر من تحت
شرطاً، فإن كان كذلك، فهو على ذلك حتّى مع الناظر، لأنّه لا يرتبط للشرطيّة
ولا يزيد في الشرط.
نعم، مرّ إمكان استفادة مبطليّة ما يحرم لبسه ممّا ورد في لبس الذهب من التعليل
،
وعلى تقديره يمكن تعدية العلّة إلى الهيئة التي يحرم بها كالعرى اختياراً عند الأجانب،
ومثله كون اللباس بحيث لا يستر من غير جهة تعارف النظر، فتبطل الصلاة كذلك،
ولو لم يكن دليل آخر على الشرطية، ويكون التكشّف من تحت أو فوق مبطلاً، لأنّه
محرّم، لكنّه منحصر في صورة وجود الناظر.
التستّر عن النفس
وأمّا التستّر عن النفس فهو أمر عسر جدّاً مع تعارف القصر في القميص والإزار
ووسعة الجيب، فليس عدم إناطة الشرط بالحرام دليلاً للإبطال في المقام حتّى يكون
مثل التكشّف لدى الزوجة؛ فإنّه سائغ مبطل.
وممّا ذكرناه يظهر وجه النظر في ما نقله في «الجواهرالكلام،
ج 8، ص 204 ـ 205.» ، وفي ما ذكره ردّاً على
«الاستاذين» فإنّ إطلاق الصلاة في القميص مع اختلاف المتعارف منه ذيلاً
وجيباً لا يعرف عنه باشتمال بعض الصور على الحرام الذي لا يرونه مبطلاً.
وأمّا ما ذكره من نفي الخلاف في ما لو صلّى في ثوب واسع الجيب تنكشف به عورته
عند الركوع في البطلان إذا لم يتدارك عمداً قبل الركوع وكذا نسياناً؛ فلو ركع
فانكشفت عورته، بطلت الصلاة من حين الركوع، لا من الأوّل، فالمأموم ينفرد في
الفرضين، فالظاهر عدم المستند للأصحاب غير الأدلّة المذكورة، وقد عرفت عدم
دلالتها، مع زيادة أنّ النسيان يمكن إلحاقه بالجهل لولا أنّ النسيان أيضاً مرفوع، فعليه
التستّر بعد التذكّر في الركوع إن تذكّر فيه.
ما يكفى من الساتر وشرط الاتصال في الستر الصلاتي
وقد ظهر ممّامرّ كفاية التستّر بكلّ ساتر حتى شعر الراس واللحية، نعم يشكل فيهما
تحقّق الشرط لمكان الانفصال عن المستور؛ ففي فرض الانكشاف بسعة الجيب حال
الركوع فقطّ وانسدال الشعر على العورة في الركوع لا تحريم مع الناظر، ولا بطلان مع
عدمه، ولا مع وجوده على تأمّل لمكان الانفصال. ولا دليل على لزوم التستّر بالثوب. وما يستفاد منه الوضع في الصلاة في القميص
إنّما يراد به وحدة اللباس، وعدم لزوم التعدّد في الألبسة المتعارف لبسها في جميع
الأحوال التي منها الصلاة، وأمّا لزوم لبسها فليس المقام مقام بيان ذلك، ولا يفهم
ورود السؤال في ذلك حتّى يستفاد من الجواب عدم كفاية التستّر بالنورة مثلاً
في الصلاة. وعليه، فلا فرق بين الخرق والتستّر باليد ولو لم يكن جامعة للثوب، بل ساترة
لبعض العورة أيضاً ـ كما ذكرناه في ستر العورة بلا وضع اليد، كما أنّ وضع يد
غير الزوجة مثلاً لو كان مَحرماً فليس بمبطل مع المندوحة، الاّ على الوجه السابق
في لبس الحرام ـ وبين التستّر بالشعر الطويل للرأس وشعر اللحية، ولا يقاس ذلك
بالتستّر ببدن الغير مع عدم الاتصال، ومع صدق الصلاة عارياً في الفرض. نعم، يمكن الإشكال في الستر الصلاتيّ، لمكان عدم الاتصال في شعر الراس
واللحية أيضاً؛ فيكون كالصلاة عارياً في الحفرة والظلمة، ومثله التستّر بالوجه راكعاً؛
فإنّه ستر عن النظر لا للصلاة، لعدم الاتصال، فلا بد من اتصال الساتر والمستور
للصلاة، ولا يضرّ كون الساتر بعض البدن مع الاتصال المذكور. وأمّا الاستشكال باعتبار المأكوليّة في الساتر فعجيب جدّاً، وأمّا الانكشاف للنفس
فقطّ فلا مانع منه وضعاً كما مرّ، وإنّما العبرة بالانكشاف للغير ولو تقديراً في الوضع،
والانكشاف فعلاً للغير تكليفاً.
لو لم يكف الساتر إلاّ لإحدى العورتين
ولو لم يجد المصلّي ساتراً إلاّ لإحدى العورتين، وجب ذلك ولا يسقط بفقد الساتر
الآخر، فإنّ تخصّص بإحداهما وتعيّن فلا كلام، وإلاّ فهل يتخيّر، أو يتعيّن ستر القبل،
كما عن «الفاضلين»، و«الشهيدين»، وغيرهما؛ أو يحتمل رجحان الدبر، كما
عن «البيان»، لاستتمام الركوعين به، مع أنّ ساتر القبل حينئذٍ الفخذان؛ أو يستر القبل
قياماً والدبر في الركوعين. لأنّ المكشوف في القيام، وقبل الركوعين هما؛ أو خصوص
الدبر، لأنّ الستر الشرطي يقدّر فيه التكليفي؟
يمكن أن يقال : يتعيّن ستر القبل بوضع اليد في القيام كما مرّ، فلا حاجة إلى ستر
القبل بالثوب، فإن تستّر الدبر، بالإليتين، فلا حاجة في القيام أيضاً إلى ستر الدبر
بالثوب، وإلاّ تستّر به للقيام وللركوعين؛ فإنّه إنّما يؤمي لانكشاف الدبر. فلو أمن الانكشاف، ركع وسجد وإن كان في غير جماعة العراة كما احتملناه؛ وعلى
تقدير العدم، فلا إشكال فيه مع ستر الدبر بالثوب حيث لا مانع عن الركوعين،
فله أن يركع متستّراً بالثوب في الدبر، وبضمّ الفخذين للقبل، وإن لم يمكن فبوضع
اليد على القبل، ويراعي عدم الانكشاف للآخر في ما بين القيام والركوعين. وأمّا ترجيح ستر الدبر بالتمكّن من الركوعين به، فإنّما يتمّ على مسلك من يذهب
إلى الإيماء مع الأمن والقيام؛ وأمّا من يذهب إلى التوظيف بالركوعين حينئذ كما عليه في «الجواهر
الكلام، ج 8، ص 210 ـ 217.» ، فلا يرجّح ستر الدبر بالتمكّن. وكونه مع عدم إمكان التستّر الشرطي
الساقط، إنّما يجدي لو قيل بتعيّن ستر القبل وترجيحه، لا بالتخيير حتى يوجد مرجّح.
والغرض أنّه على هذا لا ترجيح لستر الدبر بالتمكّن، وإنّما يرجّح بذلك من يذهب إلى
الإيماء مع الأمن والقيام، كما ينسب إلى الكثير. ولا فرق بين تمام العورة وبعضها، ولا ترتيب في الأجزاء، إلاّ أنّه يحتمل رجحان
ستر الحشفة لأقبحيّتها انكشافاً. كما أنّه لولا ملاحظة التمكّن من القيام مع الركوعين بوضع اليد على القبل، والتستّر
بالثوب في الدبر، أمكن ترجيح القبل لتعدّد العورة، وزيادة الكميّة في القبل بالنسبة
إلى الدبر. وأمّا ما عن «المبسوط» من قوله : «لو وجد ما يستر به بعض عورته، وجب ستر
ما يقدر عليه»، فهو في التعميم للجزء، لا العورتين أو إحداهما، إلاّ أن يجري
فيه بالفحوى. وأمّا الاستدلال لترجيح ستر القبل بخبر «أبي يحيى» فيمكن تقريبه بأنّ ستر
الدبر حاصل بلا اختيار في المتعارف في القيام والجلوس، وإنّما المحتاج إلى الستر
الاختياري، القبل، فيكون محقّقاً بالثوب الساتر لو كان لازماً، أو بالأعمّ منه ومن
وضع اليد لو لم يكن.
ويمكن أن يقال:
بأنّ الستر الحاصل ما كان مشتملاً على الإيماء، مع وجوب
الركوعين مع إمكانهما مع الستر للدبر، فلا مرجّح لستر القبل المحتاج إليه بالثوب على
الفرض في القيام على المحافظة على الركوعين لستر الدبر؛ وأمّا في الجلوس فحصول
الاستتار به إنّما هو للنظر؛ وأمّا للشرط فربّما لا يحصله القائل بلزوم الثوب، كما أنّ
الجلوس لغير الآمن من النظر بلا ساتر، والمفروض وجود الساتر لولا مزاحمة ستر
الدبر في الشرط. وأمّا جعل
عدم سقوط قادحيّة كشف الدبر في حال مرجّحاً لستر الدبر،
فيمكن
المناقشة فيه بأنّ ما في جماعة العراة يرجّح الركوعين على ستره شرطاً، وكذا ما في خبر
«الحفرة» وهو المحتمل أن يستظهر من خبر «أبي البختري» بل كلّ ما يدلّ على
سقوط ستر القبل شرطاً، يمكن استفادة سقوط ستر الدبر كذلك بالفحوى، والمزاحمة
لا تؤثّر إلاّ في التخيير أو الترجيح بغير ذلك؛ وأمّا الترجيح بالحفظ عن الناظر
الراجح على كلّ ما يزاحمه من أفعال الصلاة قياماً أو ركوعاً، فلايختصّ بالدبر حيث
لم ينكشف القبل، بل يجري في العكس، فليس من موجبات ترجيح ستر الدبر على
التعيين في كلّ مقام.
وأمّا على ما سلكناه فلا بدّ من تحصيل الستر الشرطي للدبر حتى لا يقع في الإيماء
مع القيام للآمن، ومع الجلوس لغير الآمن، وستر القبل بوضع اليد قائماً، وبضمّ
الفخذين في صورة الصلاة جالساً، وفي ما كان الستر عن الناظر متوقّفاً على الستر
بالثوب؛ فإنّه يوجب الترجيح على ما يزاحمه جزءاً كان أو شرطاً، وهو العالم.
صلاة المرأة الفاقدة لمطلق الساتر
وأمّا المرأة ففي صورة عدم وجدان الساتر أصلاً، فهل هي كالرجل إن امنت من النظر
إلى العورتين قامت وأومأت، وإلاّ جلست وأومأت؛ أو أنّها لا تقوم مع عدم الأمن
من النظر إلى سائر بدنها أيضاً، لأنّه كلّه عورة، بل مع الأمن أيضاً لعدم سقوط الستر
الشرطي مع الأمن؟
فكما يسقط الركوعان من الرجل الآمن من النظر إلى العورتين، سقطا من المراة
الآمنة من النظر إلى شيء من البدن، لبقاء الاشتراط مع الآمن أيضاً، بل لعلّ القيام
غير جائز لها وضعاً إذا كان استتارها في الجلوس في مواضع من بدنها لا تستر
بقيامها، فلذلك يكون إطلاق جلوسها وإيمائها آمنة وغير آمنة، للنظر إلى شيء
من بدنها موافقاً للاحتياط. ودعوى
عدم الدليل على ترجيح الستر الشرطي في غير العورتين على مثل
الركوعين، مدفوعة بأنّ العورة، لها حكم مشترك في النظر والصلاة وإن كان بعضها
مختصّاً ببعض الأحكام، يؤثّر الاختصاص في صورة الدوران بين أنفسها، لا الدوران
بينها وبين غيرها من أبعاض الصلاة؛ فالراجح على الركوع ستر العورة بما أنّها عورة،
لا بما أنّها عورة خاصّة، وإن كانت عورة الرجل خاصّة، والدليل متعرّض لها،
ولاشتراك الكلّ مع عدم الأمن في الجلوس والإيماء ووضع اليد.
لو لم تجد المرأة إلاّ ساترا لإحدى العورتين
لو وجدت ساتراً لإحدى العورتين دون الاُخرى، فهل تتخيّر، أو ترجّح ستر القبل،
أو الدبر، أو يحكم بمثل الحكم في الرجل؟
وقد مرّ
أنّها تحتاط باختيار الجلوس الساتر لأزيد ممّا تستر في القيام من مواضع
بدنها. وعليه، فستر القبل حاصل بالفخذين، والمحتاج إلى الستر الدبر في حال
الركوعين، حتى لا يتعيّن عليها الإيماء حتى مع الأمن، لمكان تقدّم الستر الشرطي على
الركوعين، مع ما في الركوعين في المراة مع زيادة التكشّف على الرجل للعورة
لاختلافهما فيهما بالزيادة، إلاّ أنّه يحتاج إلى ستر الدبر مع الركوعين على ستر الزائد
المنكشف بسبب الركوعين ولو مع ستر العورتين، مع أنّ الإيماء مشتمل على ستر
الزائد على الدبر. وفي «الجواهر» هنا ما يحتاج إلى الإصلاح، حيث قال : «أو لأنّ ستر الإليتين
بالنسبة إليها كالعدم...» جواهر الكلام، ج 8، ص 220. والأصحّ أن يقال : فلا يرجّح القبل بذلك، أي بستر الإليتين على الدبر، كما أنّه
لا يرجّح عليه، أي على الدبر بالأفظعيّة، أي ليس الوجهان، أعني ستر الإليتين
أو الأفظعيّة مرجّحين لستر القبل على ستر الدبر. ولو وجدت ساتراً لعورتين، فهل تجب عليها صلاة المختار كالرجل لعدم اندراجها
في نصوص العاري المفصّلة بين الأمن وعدمه؟ بل مع عدم الأمن يعارض حرمة
كشف ما عدا العورتين بالقيام وغيره، وجوب القيام وغيره من الأفعال، ولا دليل
على الترجيح بستر غير العورتين؛ بل بعض النصوص الدالّ على عدم البأس بخروج
رجل المرأة في الضرورة لعدم كفاية الثوب ربّما يدلّ على اغتفار انكشاف ما عدا
العورتين مع عدم التمكّن، وأنّه لا يسقط بذلك شيء من الأفعال، أو أنّ الترجيح بستر
العورة، وهي مختصّة بهما في الرجل، وعامّة لغيرهما في المرأة، وعلى الأوّل يكون
فرض تحريم الكشف غير مبطل كسائر المحرّمات المقارنة. لكنّ الظاهر أنّ الشرط ستر العورة، وهي في حقّها عامّة، فلا ينبغي الارتياب في
مبطليّة ترك الستر من المراة لغير العورتين، وليس إلاّ الترجيح للستر على أفعال
الصلاة، كما يرجّح بستر العورتين على الاختلاف، أو يقال بالتخيير؛ فكلّ من التحريم
مع عدم الأمن، والشرطيّة معه ومع الأمن، يجري هنا ما يجري في العورتين لها
وللرجل، وقد مرّ ما في الرجل. وأمّا المرأة فيمكن تعيين الجلوس عليها مع عدم الأمن، وإن قلنا بالجواز في الرجل
لإمكان الاستغناء بالوضع لليد في القبل وبالإيماء في الدبر، وهذا حاصل في القيام،
بخلاف المرأة فإنّها تستر الواجب بالجلوس في غير العورتين، وكذلك تعيين الإيماء
لانكشاف ما عدا القبل بالركوعين أيضاً، وهو حرام مانع عن الركوعين. وأمّا مع الأمن فلا يكون الترجيح المذكور إلاّ للستر الشرطي الغير الحاصل
بمجرّد الإيماء، ومقتضى رجحان الستر الشرطي للعورة بما أنّها عورة، جريان
ما يجري في دبر الرجل المقتضي لتعيّن الإيماء هو تعيّن الجلوس الساتر للعورة شرطاً،
فإنّ بدن المرأة كعورة الرجل في التحريم في محلّه، والاشتراط والترجيح في محلّهما بما
دلّ على أنّ بدنها عورة، وأنّه يجب ستر العورة، وأنّه يُقدم ستر العورة بما أنّها عورة،
لا بما أنّها قبل أو دبر، مع كفاية الارتكاز والسيرة في المسلمين على إنكار صلاة المراة
عارية قائمة بمجرّد ستر عورتيها، كالرجل الذي قد مرّ إمكان عدم تعيّن ذلك عليه،
وأنّه يمكن أن يجوز له الجلوس مع الأمن، والإتيان بالوظيفة من الركوعين أو الإيماء.
وفي حال الجلوس والأمن، يمكن ترجيح الستر الشرطي على الركوعين، لأنّ لها
البدل، وترجيحهما لأنّهما من الأجزاء والأركان، وقد وقع الترجيح بكلّ منهما في إيماء
القائم الذي قيامه لعدم المزاحم، وإيماؤه لرجحان الستر الشرطي على الجزئين، وركوع
المأموم الجالس الذي جلوسه لحفظ القبل عن النظر وللستر الشرطي، ولركوعه
لرجحانه على الستر الشرطي فقطّ؛ فالاحتياط في الركوعين، لضعف ترجيح الشرط
في غير العورتين مع العكس في العورتين في المأموم، فتدبّر.
وقد تحصّل ممّا مرّ:
أنّ صلاة العارية قائمة ولو مع ستر العورتين ولو مع الأمن
من الناظر، على خلاف الارتكاز، بل عليها في الظاهر اختيار الأستريّة في اللباس
والهيئة، ولا تكون إلاّ بالجلوس؛ فإن وجدت ساتراً لإحدى العورتين، أمكن ترجيح
ستر الدبر مع عدم انكشاف الأزيد من العورتين بالركوعين، أو الانكشاف بحدّ يمكن
ترجيحهما على الستر الخاصّ، فإنها بستر الدبر تتمكّن من الركوعين، والقبل لا يحتاج
إلى الساتر تكليفاً ولا وضعاً، لاستتاره بالفخذين وضمّهما، وباليد مع الحاجة. وعدم
كون الساتر غير العورة، جهة مشتركة في غير الكفّين، مع أنّ ستر الدبر بالإليتين ليس
كالعدم، فإنّهما كسائر البدن، وستر الأفظع بغيره واجب في نفسه. وبالجملة، فالستر للعورتين باليد والإليتين، حاصل تكليفاً ووضعاً عندنا في حال
القيام والجلوس الجائز، وفي حال الركوعين إنّما يحتاج إلى ساتر من غير البدن الدبر،
فيختصّ بالساتر الخارجي إذا لم يكن ممّا يمكن ستره بالدبر. وكأنّ القائل بالتخيير هنا ـ كما في «المنظومة» ـ لاحظ اشتراكهما في الاستتار
بالفخذين والإليتين، مع أنّ كليهما عورة، فلم يلاحظ الركوعين، أو لاحظ كشفهما أي
الركوعين للأزيد من العورتين بالقدر الراجح على الركوعين. وقد مرّ أنّ الإيماء لستر الخلف؛ فمع استتار القبل أو انكشافه بالنحوالمشترك بينه وبين
الدبر، يترجّح الأخير بالتمكّن به من الركوعين دون ستر القبل؛ كما أنّ الأفظعيّة غير
مرجّحة هنا مع الاشتراك في الاستتار ولو كان الظاهر عورة أيضاً. نعم مع الاشتراك في الاستتار باليد، أو باليد والفخذين المضمومتين بحيث تمكّنت
من الركوعين مع ساتر لا يكون عورة مكشوفة بسبب الركوعين، أو كان الانكشاف
الخاصّ غير مسقط للركوعين فلتخييرها في وضع الساتر الخارجي على أيّ موضع
وجه، لكن ظاهرهم التخيير بين العورتين، ويمكن حمله على غير صورة الاستتار بما
مرّ، وفيه ما مرّ.
وظيفة الخنثى بالنسبة إلى التستّر
وأمّا الخنثى المشكل، فعليها ستر القبلين تكليفاً ووضعاً، وهل عليها ستر الزائد
المحتمل كونه عورة لاحتمال كونه امرأة؟ مقتضى الأصل البراءة كالنظر إلى من يحتمل كونه إمرأة؛ فإنّه إمّا يحرم النظر
من الرجل والكشف من الخنثى، أو يجوزان على الشخصين، والعلم بتكليف واحد
منهما لا يؤثّر تنجيزاً في واحد منهما.
ويمكن أن يقال : إنّها تعلم إجمالاً بحرمة كشف ما عدا العورتين عن النظر وفي
الصلاة، أو بحرمة نكاح النساء، فيجب عليها الاحتياط فيهما. وإن لم يجد الرجل أو المرأة إلاّ ساتراً لواحد من القبل والدبر، ففي التكليف يقدّم
ستر القبل لكونه أفحش في الارتكاز، إلاّ أن يتمكّن من سترهما، أو أحدهما خاصّة
باليدين وفي الوضع؛ فالتطابق بين الحرمتين، على القاعدة، إلاّ أنّ مقتضى ما مرّ، أنّ
الإيماء لعدم الاستتار في حالتي الأمن والعدم؛ فإذا دار الأمر بين ستر الدبر مع
الركوعين، أو القبل مع الإيماء في ما لو لم يستر القبل بالثوب لم يجلس، قدّم ستر الدبر
وركع وسجد، وكذا في ما يجلس مع عدم ستر القبل بالثوب لتقدّم الركوعين على
خصوص القيام، وعليه يبتني فهم الحكم في الخنثى.
لولم تجد الخنثى إلاّ ساترا لإحدى العورتين
فلو لم تجد الخنثى إلاّ ساتر أحدهما، أو الدبر، قدّمت الأخير المعلوم كونه عورة، كما
يأتي البحث السابق إن وجدت ما يستر الدّبر، أو كلتا القبلين في ما وجدت ساتراً
لإحدى العورتين.
وقد مرّ أنّ القبل يستر باليد والفخذين، والدبر بالإليتين، إلاّ أنّه في الركوعين يستر
الدبر بشيء مع الإمكان، وإلاّ أومأ، ومثله غير الآمن، إلاّ أنّه يجلس لستر القبل
وجوباً أو جوازاً.
وفي عبارة «الجواهر» هنا ما لا يخلو عن شيء، لقوله : «وإن لم تجد إلاّ ساترَ
أحدهما، قيل : قدّمت القبل» جواهر الكلام، ج 8، ص 221. والأولى أن يقول : «إلاّ ساتر أحدهما، أو الدبر»،
وإليه يرجع قوله أخيراً : «قلت : قد يرجّح الدبر»، فيكون قوله «وإن لم تجده...»
كالمعترض هنا. ولو لم تجد إلاّ ساتراً لأحد القبلين دون الآخر، أو الدبر، ففي الستر التكليفي
يترجّح الستر عن الحاضر ما يختصّ بغير مماثله، للأقبحيّة كشفاً ونظراً، ولو حضرا
معاً أمكن التخيير، بل هو الوجه، لا الإشكال المنقول عن «الجامع». ومنه يظهر أنّ غير الآمن يعمل ما يعمله المستتر عن النظر، لرجحان الستر
التكليفي علي ما يزاحمه من أفعال الصلاة، لكنّه لا جدوى فيه بعد إمكان ستر الآخر
بالكفّ أو بضمّ الفخذين، فانّه يجب سترهما ولو كان أحد الساترين ثوباً والآخر
من البدن، ولو احتمل كونه أي الساتر عورة عامّة.
وأمّا الستر الشرطي للآمن من النظر مطلقاً، فعليه الستر في كلّ منهما ولو مع
اختلاف الساتر. ولو لم يتمكّن من غير ساتر أيّاً ما كان لواحد من القبلين فقطّ، أمكن ترجيح
عورة النساء، لأنّها فيهن عورة صنفاً وشخصاً، بخلاف عورة الرجال.
وترجيح عورة الرجال، لأوسعيّتها قدراً وعدداً، لأنّها قضيب وانثيان إن قدر على
ستر جميعها؛ ومع عدم تعيّن المرجّح، يتخيّر في ستر إحداهما؛ وإن كان القضيب
والانثيين للأقبحيّة التقديريّة، لا يخلو سترها من رجحان. وهذه الاعتبارات لا إشكال في ابتناء البطلان كالحرمة عليها إذا انتهت إلى القطع،
أو في ما يكفي فيه الاحتمال للترجيح.
عدم وجوب ستر الرأس على الأمة المحضة والصبيّة في الصلاة
مسألة :
الأمة المحضة والصبيّة تصلّيان بغير خمار، فلا يجب عليهما وضعاً ستر الرأس في
الصلاة، وهو مجمع عليه عندنا، وعند العامّة مع استثناء «البصري» في خصوص
المتّخذة لنفس المالك والمتزوجّة كما عن «المعتبر» و«الذكرى». وحيث إنّ الاستثناء
من الوضع، فلا محلّ للمناقشة في عموم الجواز للصبيّة.
ويدلّ على الحكم في الأمة الصحاح المستفيضة، كصحيحتي «محمد بن مسلم»
وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلي، الباب 29، الحديث 1 و 2 و 7. ،
وصحيحة «عبدالرحمن بن الحجاج» عن أبي الحسن عليه السلام وصحيحة «محمّد بن مسلم» عن أبي جعفر عليه السلام . ومقتضى عموم النصوص ومعاقد الاجماعات، عدم الفرق بين أقسام الأمة التي لم يتحرّر منها شيء تحريراً لا ردّ فيه، واُمّ الولد من الإماء في
جميع الأحكام غير النقل المعاوضي، والانعتاق بعد موت المالك من نصيب الولد، فلا
مجال للاستثناء فيها.
ومقتضى ما في صحيح «محمّد بن مسلم» عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«قلت له : الأمة تغطّي
رأسها؟ قال : لا، ولا على اُمّ الولد أن تغطّي رأسها إذا لم يكن لها ولد»
وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلي، الباب 29، الحديث 7. ـ مع التحفّظ
على الظهور في اللزوم، والعموم للتكليف والوضع، ولموت المولى وحياته، مع أنّها بعد
الموت والانعتاق من نصيب الولد ليست من الإماء ـ هو أنّه عليها
التغطية مع الولد،
ولا يخلو ما فيه الغرابة، أعني لزوم التغطية بمجرّد الاستيلاد، مع أنّ جميع أحكام
الإماء ثابتة لها غير النقل المعاوضي والانعتقاق بعد الموت؛ فلو كانت في التغطية
كالحرائر، لكان ذلك من الواضحات.
مع أنّ وضوح
الروايات المطلقة التي لا استثناء فيها، والنصوص على وفقها،
يقتضي
عدم الاستثناء المذكور مع أنّها خاصّة بالصلاة؛ أو حمل قوله عليها بحسب المفهوم،
على الجامع بين الاستحباب والوجوب، مع أنّ الترجيح لإطلاق النصوص بعد كون
النسبة عموماً من وجهٍ بسبب الفتاوي وعمومها على ظهور هذا الصحيح، مع أنّه
يتبنى على العمل به في نفي التغطية تكليفاً، كما عن «الشيهد الثاني قدس سره » أنّه المشهور،
خلافاً للمستظهر من تقييد جواز النظر إلى الأمة بمزيد الشراء، مع معارضتها
بالخصوص لخبره الآخر عنه: أنّه سأل أبا جعفر عليه السلام عن الأمة:
«إذا ولدت عليها
الخمار؟ فقال: لو كان عليها، لكان عليها إذا حاضت، وليس عليها التقنع في الصلاة»
ورواه في الفقيه عن محمد بن مسلم صحيحاً.
[ثم إنّه] إذا حمل على إرادة أنّ التكليف يتبع الوضع، فمن لا وضع في حقّه ـ لعدم
اشتراط الخمار في صلاة الأمة الحائضة ـ فلا تكليف في حقّه بسبب الولادة، وأنّ
التكليف لا ينفكّ عن الوضع؛ وإن وقع العكس فثبت الوضع في مورد عدم ثبوت
التكليف في الخلوة والظلمة ونحوهما، والضعف ينجبر بإطلاق ما عن المشهور
من الفتاوى، بل إطلاق معاقد الإجماعات المحكيّة، بل مرّ صحّتها من طريق «الفقيه».
أو حمل على أنّ الحيض أسبق من الاستيلاد؛ فالتغطية لو كانت للمستولدة كانت
عليها بالحيض وللصلاة؛ فإنّها أوسع من التكليف أو هما متلازمان، وحيث ليس في
حقّها الوضع بالحيض فليس فيها التكليف والوضع بالاستيلاد. وقد مرّ: أنّه مع معارضة الخاصّين فالترجيح بالشهرة مع عدم الجمع العرفي القابل
في المقام، وبالموافقة للعموم الذي هو من السنة ؛ فالأظهر هو المصير إلى ما عليه
العمل بذكر العموم وعدم الاستثناء في الفتاوى.
في دخول الرقبة في الرّأس
ثمّ إنّ الظاهر دخول الرقبة هنا في الرأس، لأنّ الساتر المنفي هو الخمار والقناع، والستر
للرقبة في الغالب بهما، بل هو المفهوم من التستّر، إلاّ أن أمر حينئذٍ بغيره، ومثله الإذن
للصلاة في قميص واحد.
وأمّا غير الرقبة، فلا بدّ من ستره في الصلاة، كما يفهم ممّا عن «التذكرة»: «عورة
الأمة كالحُرّة إلاّ في الرأس عند علمائنا أجمع» ؛ وعن «المنتهى» عدم جواز كشف
الأمة ما عدى الوجه والكفّين والقدمين ناسباً إلى علمائنا، وهو مقتضى قصر الاستثناء
عن حكم المرأة على الرأس، وعدم ذكر أنّها كالرجل، كما حكي عن بعض العامّة؛ كما
أنّه أيضاً مقتضى الجمع بين دليل العموم في المرأة والخصوص في رأس الأمة؛ والمراد
استثناء الرأس في الأمة ممّا يحكم بلزوم الوجه والكفّين ؛ فإنّه لو لم يكن شيءٌ إلاّ دليل
الاستثناء في الحرّة لدلّ عليه في الأمة بالأولويّة المرتكزه مع عدم مصرّح بالخلاف في
المقام؛ نعم من لا يُستثنى في الحرّة فلا دليل على استثنائه في الأمة للوجه والكفّين؛
لكنّ الكلام على تقدير الاستثناء في الدليل والقول. ثم إنّ المراد بعد جمع عبارتي المنع والترخيص، هو رفع المنع الوضعي الحاصل في
الحرّة البالغة، لا إثبات لزوم الكشف وضعاً لغيرها لورود الاستثناء وموقع توهم
الحظر ولشهادة الارتكاز بأن المقام من موارد الاقتضاء في الحرّة واللااقتضاء في الأمة،
لا اقتضاء العدم ؛ والنتيجة فهم الترخيص في المستثنى فقط. وروايات الضرب محمولة على التقيّة، كما في نظائرها، كما يظهر من روايات
وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلّي، باب 29. التصريح بالاختيار لها في الستر
والكشف، كخبري «أبي بصير»، و«أبي خالد القماط».
ستر الأمة عند العتق في أثناء الصلاة
ولو انعتقت في أثناء الصلاة، تستّرت في ما بقي من الأجزاء؛ فإن لم يتخلّل زمان بين
العلم بالانعتاق والستر، فلا ينبغي الاستشكال فيه ؛ فإن تخللّ زمان ـ كما هو الغالب ـ
ولم يكن مناف لطول الزمان أو لغيره، فعن الاستاذ الأكبر قدس سره وغيره، الجزم بالاكتفاء
بالستر لما بقي، وهو مناسب للمرتكز، لبُعد لزوم القطع مع بقاء جزء مثلاً يحتاج إلى
الستر له إلى عمل له زمان، ولعلّه مقطوع به في كلامهم كما ذكره السيّد قدس سره في المطالع،
ولا خلاف فيه إلاّ من كشف اللّثام، كما في الجواهر ؛ فإن كان لأنّه المفهوم من
العمومات، فكما بينّاه، وإن كان للظفر بحجّة خاصّةٍ غير ما عندنا، فذلك بعد الغاء
الخصوصيّة ينفع في جمع الشروط الممكنة في حال الاشتغال بالصلاة غير الخمس
وغيرها فيه الدليل. بل لعلّه المتيقّن من مثل عبارة «الشرايع»، ولا يكون إلاّ مع كون
الواجب في كل آن، الأعمّ من ابتداء الصلاة جامعة للشرائط الفعلية، وإتمامها كذلك،
والقطع بذلك نافع في ما يأتي من بعض الفروع، وهو المناسب لما يلتزم به في انكشاف
العورة بالريح أو الغفلة في الأثناء مع الستر بعد الاطلاع، والجامع عدم التمكّن، لا مجرّد
عدم العلم، بل وإن علم في الأثناء بهبوب الريح شديداً المستلزم للانكشاف، ولعموم
رفع الاضطرار لما يكون في أثناء الصلاة، وإن لم تعمّ مثله في خارج الصلاة من الزمان،
ولضعف عموم دليل الشرطية للمفروض، كعدمه في صورة عدم التمكّن لتحصيل
الساتر رأساً حتى بعد القطع. ومنه يظهر: أنّ المقام لا يفترق عن وجدان الستر في الأثناء، والتمكّن منه بعد
الشروع في الصلاة بسبب تغيّر الموضوع هنا دون الفرض؛ فإنّ زمان الاطلاع ـ وهو
زمان الاشتغال بتحصيل الساتر والتستر ـ زمان تغيّر الموضوع مع العذر في الستر،
فيتحد مع الفرض في واقعيّة التكليف الشرطي بالستر؟ مع العذر وعدم التمكّن
من الستر.
ومنه يظهر : الإشكال في صورة لزوم المنافي ووجوب القطع مع السعة ؛ وذلك
لعموم الاضطرار للفرد المشتغل، وضعف دليل الاشتراط لما كان في الأثناء مع التمكّن
من الإتمام مع الستر، بل الشرطية فيه غير معلومة، فهي مرفوعة. وهو ـ أعني
الاستمرار هنا ـ محكيّ عن «المعتبر» و«الخلاف» وغيرهما، وإن صرّح بخلافه في
«الشرايع»، وإن كان الأحوط فيه الإتمام بلا تستّر والإعادة مع التستّر. وإن لم يعلم بالعتق إلاّ بعد الصلاة، فعن جماعة، الصحة ؛ وهو مقتضى عموم
«لا تعاد». وحكي عن «المنتهى» ما يظهر منه الإجماع على الصحّة هنا، وقد مرّ ما يوافقه،
وذكر في صورة لزوم القطع، وهي السعة والاحتياج إلى المنافى، أنّه لا بدّ من بقاء وقت
ركعة مع الشروط والستر، وإلاّ استمرّت، ولا يكون ذلك إلاّ مع قصر الشرطية على
التمكّن، إلاّ أنّ الدعوى هو عدم التمكّن في مجموع الوقت، لا شخص صلاة اشتغل بها،
والدفع بعموم رفع الاضطرار على الوجه الموافق للامتنان، لا الملغى للاشتراط، وكذا
الارتكاز المناسب للحكم في صورة الانكشاف عن غفلة وبلا اختيار.
ستر الصبية إذا بلغت في أثناء الصلاة
وأمّا الصبية البالغة في الأثناء بغير المبطل، فحكمها في «الشرايع» معطوف على
«المعتقة» في الأثناء، ويقال: إنّ التشبيه في لزوم الاستئناف مع الفعل الكثير مع إمكان
التصحيح في غيره كما عن «المبسوط» و«السرائر» و«المعتبر» و«المنتهى»، للاشتراك
في عدم التمكن في أوّل زمان البلوغ، أو الاطلاع عليه على التستّر، وضعف الشرطية
فيه؛ وأنّ «لاتعاد» تعمّ الأبعاض؛ وأن الوجوب غير لازم في العمل بالمأمور به مع أنّه
لو كان لازماً لكان كذلك مع دوام الستر أيضاً، لعدم إجزاء المندوب عن الفرض
عندهم، مع أنّه في محلّ التأمّل أو المنع في عمومه وأنّ الواجب الأعم من الإتمام
للصلاة الصحيحة لولا الإيجاب بنفسها، لا بجميع شروطها ؛ فإنّ الطهارة المستحبة من
البالغ يؤدّي بها الفرض، مع أنّ بُعد لزوم القطع هنا ممّا يناسب الارتكاز، وكذا استبعاد
عدم لزوم الصلاة عليها رأساً لو لم تتمكّن من القطع والاستئناف مع الساتر مع أداء
ركعة. ومن الغريب دعوى عدم جواز الإتمام والإعادة، حتى في صورة عدم توقّف الستر
على المنافي، لا لعدم وجوب ما سبق، ولا لعدم الستر في زمان ما.