New Page 1

فاطمةُ الزَّهراءُ سلام الله عليها : كانَت فاطِمَةُ عليهاالسلام تَنهِجُ فِي الصَّلاةِ مِن خيفَةِ اللّه‏ِ تَعالى

 
 
یا ارحم الراحمین
 
یا ارحم الراحمین
 
الفصل الخامس مسائل الستر الصلاتي طباعة

الفصل الخامس مسائل الستر الصلاتي

ستر العورة و ما يعتبر فيه

مسألة : لا إشكال في وجوب ستر العورة تكليفاً ووضعاً في الصلاة؛ ولا ينبغي الاستشكال في وحدة ما يلزم ستره في المقامين ؛ ولا ينبغي الاستشكال في لزوم ستر العورة بلونها المختصّ بها عن الأبصار، ولذا ورد المنع عن الصلاة في الرقيق والشفاف وما لا يواري في قبال الكثيف والصفيق من الثياب والستير، بل عن مطلق اللبس أيضاً وفي المرفوعة المحكيّة عن «الكافي» عن الإمام الصادق عليه السلام بطريقين فيهما رفع: «لا تصلّ في ما شفّ أو وصف»، وفي الطريق الآخر : «أوصف» وفيهما جميعاً : «يعني الثوب المصقّل»، وليس إلاّ أن الشفاف والصقيل من الثياب يحكي اللون الخاصّ، والأظهر كون الوصف بمعنى حكاية البشرة بما لها من اللون الخاصّ، فهو الموافق للصفيف المقابل للكثيف. 

عدم لزوم ستر حجم العورة

ولا [إشكال] في عدم لزوم ستر الحجم، بمعنى عدم تبيّن غير الجسم للناظرين إلاّ بقرينة تدلّ على أنّه جسم العورة، وإلاّ لما جاز النظر إلى بدن النساء في ضمن أيّ ساتر غليظ.

ويمكن الاستدلال برواية «الواقفي» وسائل الشيعة، ج 1، أبواب آداب الحمام، الباب 18، الحديث 1 و 2 و 3. الذي احتمل فيه «الرافعي»، أو المرافعي» عن أبي جعفر عليهماالسلام : «أنّه كان يدخله، يعني الحمام فيبدأ ويطلي عانته وما يليها، ثمّ يلفّ إزاره على أطراف إحليله ويدعوني، فأطلي سائر بدنه، فقلت له يوماً من الأيّام : إنّ الذي تكره أن أراه قد رأيته، فقال : كلاّ إنّ النورة سترة». ومن الواضح أنّ المرئيّ لم يكن إلاّ ما تحت النورة من العانة لعدم الإزار، فإذا كانت النورة سترة لشيء فهي وأمثالها في الستر سترة لكلّ ما يستر، فيستفاد منه ساتريّة الطين للعورة إذا لطّخها به بالنسبة إلى التكليف، فكذا بالنسبة إلى الوضع، إلاّ أن يدلّ دليل على أخصّيّته من التكليف. وكذا الرواية الثانية في إطباق النورة للعورة والظاهر إرادة غير الإحليل المستور بغير النورة من لفّ الإزار، أو وضع اليد عليه، بل المقصود ساتريّة النورة لما تنوّر فيه بها بلا حاجة إلى الإزار والاعتراض في الثانية لإلقاء الإزار؛ ويمكن أن يكون الأصل في الروايتين واقعة واحدة. ويستفاد من الجواب كفاية النورة في امتثال التكليف بالستر، ومقتضاه أنّ ستر العورة بالوحل يجزي في امتثال التكليف من دون تخصّص في المستور، ولا في مورد الروايتين من العانة وما يليها، ولا بخصوصيّة النورة الساترة لإلغاء الخصوصيّة يقيناً؛ مع أنّ العورة يبدو حجمها بالوحل كالنورة، فلا يلزم ستر الحجم بالإزار المعتاد له وإن كان أفضل، كما في رواية اُخرى

وأمّا المتوسّط بين الأمرين فلا يكون إلاّ برؤية اللون في الجملة، لا اللون الخاص، فهو الذي ينبغي حمل الخلاف بين المتأخّرين عليه، والظاهر أنّ ذلك له مراتب، ففي بعضها يصدق رؤية العين وعدم سترها، وفي بعضها لا يصدق ذلك، والعبرة بتحقّق الستر وعدمه بانكشاف العورة، بعد أن كان المستور أو المبدوّ عين العورة، لا مثالها، ولا صورتها المرتسمة في الصقيل وما له جلاء كالماء والمرآة، فإنّ لحوقه بالحرام لو كان فللاشتراك في الأثر المعلوم أنّ التكليف لأجله.

ثم إنّ الظاهر أنّ الرقّة وكون الثوب شفّافاً لازمه الافتراق عن الكثيف في ضخامة الثوب وغلظه، وكثافته وعدمها، فهو المفترق في عمق المنسوج بلطافته بما له من السدى واللحمة، لا في عرضه أو طوله، في ضمّ أحدهما ووصله بالآخر، فلا يرى العين من خلل الساتر بلا تمييز للّون، بل هو للطافته يحكي البشرة، ويحكي لونها الخاصّ بها، وقد يحكي اللون في الجملة لعدم كونه بتلك اللطافة، بل مع كثافته إذا كان مغسولاً وفيه الماء، أو كان في مقابلة الشمس قد يبدو العين في الجملة مع لون مّا، وقد لا يتميّز اللون الخاصّ المعلوم حال عدم لبس شيء.

وهذا الذي يمكن وقوع الخلاف فيه، وإناطته بصدق الستر في مراتبه. وأمّا مع رؤية العين من خلل الثوب بواسطة ضعف الوصل بين السدي واللحمة، فالظاهر أنّه لا إشكال في عدم صدق الستر، وفي صدق الرؤية التي لا فرق فيها بين البعض والكلّ، مع تمييز اللون وعدمه لكثرة الفواصل بين الأبعاض المرئيّة.

ولكنّه يمكن البناء على إناطة صدق الستر وعدمه عرفاً من جهة أنّ المرئيّ حينئذٍ ذرّات العين، قد تكون مستهلكة في ضمن الفواصل الكثيرة المانعة من الرؤية، فإنّ دعوى صدق الستر وعدم صدق روية الجسم بعينها في بعض موارد رؤية الأجزاء الصغيرة جدّاً، غير مجازفة. كما أنّه لا ينبغي الاستشكال في صورة ظهور العين مع لبس الكثيف إذا كان في ضوء الشمس ونحوها، كالكشف بالآلات الكهربائية المستحدثة، أو كان مغسولاً وكانت الكثافة بحدّ الستر العرفي للعورة في الظلّ، لا في الشمس في ما أشرنا إليه؛ فإنّ الظاهر الحرمة تكليفاً ووضعاً في زمان الانكشاف بأيّ سبب كان، وعدم الحرمة أصلاً في زمان عدم الانكشاف لتحقّق الستر حينئذٍ. فالستر بالثوب الساتر في المتعارف يمنع عن الحرمة ويحقّق الشرط، والاستتار بالظلمة يمنع عن الحرمة ولا يحقّق الشرط، والانكشاف بأيّ سبب وأيّ نحو حرام، فلا يتحقّق معه الشرط، لأنّه مع الحرمة النفسيّة لا تتخلّف الوضعيّة، بلا عكس.

ما يجب ستره من بدن الرجل والمرأة الحرّة

ثمّ إنّ عورة الرجل، السوءتان، فيجب سترهما عن الناظر وفي الصلاة؛ وعورة المرأة الحرّة، جميع بدنها إلاّ ما استُثني. وفي «التذكرة» وغيرها الإجماع بعد بيان وجوب ستر العورة وأنّ عورة الرجل ما ذكر : عند أكثر علمائنا الإجماع على أنّ عورة المرأة جميع بدنها إلاّ الوجه بإجماع علماء الأمصار عدى «أبا بكر بن عبدالرحمن بن هشام»؛ فإنّه حُكي عنه في «التذكرة» التعميم لظفرها. وما في «الجواهر، ج 8، ص 163.»  من نقل كلمة «الحرّة» في ضمن نقل الإجماع فلم أجده في «التذكرة»؛ نعم نقل فيه في المسالة التالية أنّ الأمة الكبيرة يجوز أن تصلّي مكشوفة الرأس بإجماع العلماء.

ويظهر منه أنّ العورة الواجب سترها من المرأة جميع بدنها، إلاّ ما استثنى من الوجه والكفّين والقدمين المذكورات في كتابه، وكذا ما عن «المعتبر» و«المختلف»، وقد سبق استثناء الوجه، وقال في «التذكرة» : «أمّا الكفّان فكالوجه عند علمائنا أجمع»، ثمّ قال : «أمّا القدمان فالظاهر عدم وجوب سترهما»، إلى أن قال : «لأنّ القدمين يظهر منها في العادة، فلم يكن عورة كالكفّين». وبعد القطع بإرادة ناقل الإجماع أنّ العورة الواجب سترها في الرجل كذا، وفي المراة الجميع، لا حاجة إلى إثبات أنّ إطلاق العورة على المرأة على الحقيقة، فيعمّ جميع بدنها الإجماع على وجوب ستر العورة؛ فإنّه إتعاب مُستغنىً عنه؛ كما لا حاجة مع ذلك إلى الكلام في خصوص بعض المواضع كالراس من الحرّة والشعر والعنق، بعد وقوع التعبير بالبدن وجميعه في عبائر نقلة الإجماع، بلا فرق في ما كان مطلقاً، أو في خصوص الصلاة. مع أنّ ذلك ـ أي وجوب ستر الجميع غير المستثنيات ـ يستفاد من سيرة أهل الدين، ومن مرتكزات المسلمين الغنيّة عن الاستعلام بغير ذلك، ويستفاد من الروايات وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلي، الباب 28.  الآمرة بالصلاة في ما هو ساتر لجميع البدن من ثوب للرأس، وثوب لغيره من البدن، أو ثوب واحد شامل للجميع كالخمار. وكذا يستفاد من سيرة أهل الإسلام لزوم سترها غير ما ظهر في العادة، ومنكريّة التكشّف منها، وكذا يستفاد من الأمر بضرب الخمر على الجيوب سورة النور، الآية 31. بناء على حمل التعليل على الحكمة أو المعرضيّة النوعيّة، في قبال حمل الحكم على الإرشاد أو الندب لأجل التعليل. 

وجوب ستر الرأس والشعر والعنق للمرأة

فما ينسب إلى بعضهم من عدم وجوب ستر الراس، مخالف لجميع ما مرّ ولو كان المراد الصلاة. وما عن «الألفيّة» من أولويّة الستر محجوج بما مرّ من عورتيّة جميع البدن المؤكّد باستثناء الوجه والقدمين دون الرأس. وكذا الشعر التابع للبدن الواجب ستره، وإلاّ لما كان غير مذكور مع اقتضاء جميع ما مرّ للوجوب في الصلاة وغيره العامّ؛ فرواية تجويز كشف الرأس في الصلاة شاذّة معرض عنها، مردود علمها إلى أهله. وكذا العنق الذي لا ينبغي التأمّل في مؤخّره المستور بالخمار والقناع والمقنعة والملحفة في العادة، ولو وقع في مقدّمة التابع للوجه في الستر والكشف على احتمال أن يكون كالوجه من «ما ظهر»، مع منافاته للأمر بضرب الخمر على الجيوب في الآية الشريفة النور، الآية 31.  فإنّ لازم ستر الجيوب ستر مقدّم العنق أيضاً بحسب العادة في جرّ ساتر الراس إلى الجيب. وما دلّ على صلاة الصدّيقة عليهاالسلام في درع وخمار، ليس عليها أزيد ممّا وارت شعرها واُذنيها، فيمكن حمله على إرادة ساتريّة الخمار لجميع الشعر كما هو الغالب، مع زيادة التنبيه على عدم لحوق الاُذنين بالوجه في الكشف، فليس فيه ما ليس في غيره. ولو اُريد جميع الشعر في ما لا يصل إلى العنق، احتاج ذلك إلى بيان لا يفي عنه ذكر العنق لما ذكر. بالجملة، فوجوب ستر ما يجب ستره في المشهور في الصلاة والنظر، لا يحتاج إلى دليل آخر بعد نقل الإجماعات، وموافقة النصوص لها، واستمرار السيرة في النظر على ذلك. وكذا قوله تعالى : «ولا يبدين زينتهنّ» بعد استثناء «ما ظهر»، الذي يمكن أن يفهم منه إرادة ما لابدّ من كشفه للحوائج الضروريّة للنوع من المستثنيات، واستثناء المحارم الكاشف عن إرادة مواضع الزينة الغير العامّة في الاستثناء لغير المحارم، مع وضوح عدم استثناء العورتين لغير الزوجين، فلا يكون إلاّ بأنّ جميع بدن المراة زينة، أي موضع التزيّن بالألبسة المرّغبة وغيرها، دون مواضع الحليّ الداخلة في ما ظهر. فإنّ مقتضى الإجماع جرّ عورة الرجل الخاصّة إلى جميع بدن المرأة، مع أنّه مقتضى السيرة في النظر أيضاً، ويمكن فهم اتّحاد النظر والصلاة في الأحكام في غير ما وقع مورداً للبيان، بل يمكن أن يكون الحكمة في الاشتراط هو ملاحظة ما في التكليف من المصلحة الموجبة له بضميمة لزوم احترام الخالق تعالى في مقام إحضار العبد نفسه إليه بما لا يقلّ عن التحفّظ من المخلوق والحياء منهم، كما [يمكن] أن يكون من الحكمة أنّه بالصلاة يخرج عن الاشتغال بنفسه، بحيث إذا ورد أجنبي يتستّر منه في الأثناء، فعليه الستر مثل الصلاة لهذه المَعرضيّة الغالبيّة وإن لم يطّرد، كسائر الحِكَم في بعض الأمكنة والأزمنة، بل مع بعض التستّرات المختلف فيها؛ وبالجملة، فاللازم بيان الدليل في المستثنى، لا في المستثنى منه.

استثناء الوجه من المرأة

فمن المستثنيات الوجه، وهو المذكور في معقد الإجماعات المحكيّة، وهو الموافق للسيرة بدعوة الحاجة إلى كشف الوجه للتعرّف في المعاملات المحتاج إليها للنوع المستمرّ عليها العمل، مع نقل «الذكرى» للإجماع على عدم وجوب سترها في الصلاة، وهو الموافق لاستثناء الظاهر في الآية الشريفة. فإنّ العادة والحاجة من أظهر ما يعيّن به الظاهر في عرف المخاطبين فيها، فلا ينافيه الأمر بضرب الخمر على الجيوب  لستر العنق والصدر، وليس لستر الوجه بعد ضمّ استثناء الظاهر كما ذكر، كما أنّ الأمر بإدناء الجلباب، لعدم كشف بعض الرأس والاُذنين وما ليس من «الوضع»، كما يحصل الكشف برفع الجلباب أو ردّها إلى مؤخّر الرأس.

إطلاق شرطيّة التستر

مسألة: هل شرطيّة الستر في الصلاة مطلقة لحال الأمن من الناظر المحترم أو لا؟

مقتضى إطلاق معقد الإجماع المنقول في «التذكرة» و«المنتهى» و«الذكرى»، الأوّل، وقد فهم في «التذكرة» الإطلاق حيث قال بعد نسبة الشرطيّة إلينا : «فلو صلّى مكشوف العورة في خلوة أو غيرها، بطلت صلاته»، حيث إنّه فهم مغايرة الشرطيّة للتكليف، وعدم ارتهانها بمورد ثبوت التكليف النفسي. والظاهر رجوعه إلى إطلاق الفتاوى بالاشتراط لحال الأمن.

مع أنّه لو كان مقيّداً، لزم التنبيه عليه هنا، وفي بيان صلاة العريان، ولا أثر له في الفتاوى والنصوص، ولا يكون إلاّ لوضوح الحكم المؤيّد بقبح صلاة المتمكّن عارياً في الخلوة، وارتكاز عدم الصحّة عندنا وبحسب العرض على سيرة المتديّنين.

وهو موافق لإطلاق النصوص في صلاة المرأة في الدرع والخمار، والرجل في ثوب واحد ستير والنهي عن الصلاة في ما شفّ أو وصف ، والأمر بصلاة العريان قائماً مؤمياً  ، للانتقال عن الفرض إلى البدل الدالّ على الشرطيّة، مع دخول حال الأمن في إطلاقه، أو اختصاصه إلى الأمن بسبب غيره من الروايات، ولا يمكن التخصيص بصورة عدم الأمن؛ فإنّه بلا وجه. وعلى التقييد يحصل النصوصيّة في المطلقات.

ويدلّ على الشرطيّة صحيح «صفوان» في الصلاة في الثوبين المشتبهين بالنجس؛ فإنّه مع عدم الشرطيّة لا وجه للتكرار ولزومه في حال الأمن، بل له الاكتفاء بالصلاة عارياً. وتنظّر في الاستدلال به في «المنتهى» مع قبوله في مسألة الصلاة في المشتبة بالنجس فيه، ولعلّه لحمله له على عدم إمكان الصلاة عارياً لضرورة أو عدم الأمن، وإطلاقه على خلافه.

كما يمكن فهم المراد من الزينة المنهيّ إبداؤها لغير المحارم سورة النور، الآية 31. بعد الحمل على غير «ما ظهر» المفهوم جواز كشفه مطلقاً، وأنّه جميع بدنها المحكوم في محكيّ الإجماعات أنّه عورة، وإن كان الحكم فيها آكَد. تدقيق في عدم وجوب ستر الوجه في الصلاة ويبقى التأمّل في الاتفاق على عدم وجوب ستر الوجه في الصلاة مع الخلاف في الستر التكليفي، مع أنّ الإجماع على عورتيّة البدن مستثنى منه الوجه في كلام الحاكين، ومن البعيد جدّاً إرادتهم العورتيّة في الصلاة خاصّة، وإن ذكروا الإجماع في بيان الشرط؛ فإنّ أحكام العورة المراد بيانها لا تختصّ بالصلاة، بل المفهوم ما يقابل عورة الرجل وأنّها في المرأة وسيعة تشمل جميع بدنها، فلا يمكن الحمل على العورة في الصلاة، خصوصاً إذا فهم بيان موضوع العورة فيلزمه وجوب الستر نفسيّاً وغيريّاً، وقد وقع الاستثناء في «التذكرة» بعد نقل الاجماع في ما عدا وجه المرأة لبعض من غيرنا أوجب ستر الوجه وغيره حتى الظفر، فليس الحال في المستثنى والمستثنى منه مجهولاً. بل الموافق للمرتكزات أنّ الأمر في الصلاة أشدّ منه في النظر في غير الصلاة، ولذا وجب غيريّاً الستر بلا ناظر ولم يجب نفسيّاً، واحتمل وجوب الساتر من الثوب ونحوه وأطلقوا في النظر، فكيف تلزم بوجوب ستر الوجه والكفّين نفسيّاً وعدم وجوبه شرطيّاً؟ فما في «المفتاح» ـ من الجمع بين الإجماع، والإجماع المستثنى للوجه، والإجماع في الوجه في الصلاة، بالحمل على العورتيّة المطلقة وعدم وجوب ستر هذه العورة خاصّة في الصلاة، حتّى يكون حكم الوجه نفسيّاً مسكوتاً عنه، أو مبيّناً تحريمه ـ خلاف الظاهر من الإجماعات وما يبيّنها من الروايات وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلّي، الباب 28. المفسّرة لـ «ماظهر»سورة النور، الآية 31.  ولظاهر العمل المستمرّ.

نعم، مجرّد تحريم النظر نفسيّاً لا يثبت الاشتراط، فيمكن أن يقال بالحرمة النفسيّة في الوجه ونحوه ورأس الأمة، دون الغيريّة إذا ساعده الدليل. هذا، مضافا إلى ما يستفاد من عدّة روايات، منها الصحيح المرويّ في «الكفاية»، كما في «الرياض» عن «قرب الإسناد» : «عمّا تظهر المراة من زينتها، قال : الوجه والكفّين»  وكأنّ السؤال والجواب ناظران إلى ما في الآية الشريفة : «ولا يبدين زينتهنّ إلاّ ما ظهر منها».

وما في رواية «الفضيل» عن أبي عبداللّه  عليه السلام : «سألت أبا عبداللّه  عليه السلام عن الذراعين من المراة هما من الزينة التي قال اللّه  : «ولا يبديّن زينتهنّ إلاّ لبعولتهنّ»؟ قال : نعم، وما دون الخمار من الزينة، وما دون السوارين»  وسائل الشيعة، ج 14، أبواب، مقدمات النكاح و آدابه، الباب 109، الحديث 1 و 2. وما في المرسل المرويّ في «الرياض» : «ما يحلّ للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن مَحرماً؟ قال : الوجه والكفان والقدمان»  والخبر المستقرب صحّته : «عن الرجل ما يصلح له أن ينظر إليه من المرأة التي لا تحلّ له؟ قال : الوجه والكفّان وموضع السوار»

والعامل بما في مجموعها الأكثر، كما عن «الصيمري» في شرح «الشرايع»، بل نسب في «الرياض» المنع إلى «التذكرة»، ونسب الجواز إلى «الكليني» و«النهاية» و«التبيان» وكتابي الحديث وظاهر «المسالك» وسبطه في «الشرح» و«المحقّق الثاني» و«الشرايع» و«العلاّمة» في جملة من كتبه؛ فالردّ بالإرسال أو شذوذ القول، ضعيف. مع ما في كثير من الروايات من ذكر غير الوجه والكفّين في السؤال والجواب، مع أنّ الابتلاء بهما في الكشف أشدّ،وجعله في «الرياض» ممّا تكاد أن تعدّ من الأدلّة القطعيّة، ولعلّه مفهوم من السيرة المستمرّة على خروج النساء في الأسواق للمعاملات بلا إنكار إلزامي من الشرع، مع أمره بالاحتجاب، ومعروفيّة خروج الظاهر لدى الكلّ؛ فلا يمكن أن يكون منشأه إلاّ وضوح الجواز في النظر بلا رتبة، لا وضوح المنع مع ندرة القول به.

حدّ الوجه المستثنى في النظر والصلاة

وأمّا الكلام في حدّ الوجه فيالنظر والصلاة، فيمكن أن يقال فيه : إنّ التحديد الوارد في الوضوء إرشاد إلى الوجه العرفي بلاتصرّف تعبّدي تشريعي، ولازمه دخول ما عدا المغسول في العورة اللازم سترها.

ويرشد إلى ذلك ـ مع عدم الإشارة إلى التعبّد في روايات التحديد والتخصيص بخصوص الوضوء وبُعد ذلك بحيث يحتاج إلى التصريح ـ ما في بعض الروايات وسائل الشيعة، ج 1، أبواب الوضوء، الباب عليه السلام 1، الحديث 1؛ الباب 18، الحديث 1. في السؤال والجواب : «أنّ الاُذنين أو الصدغين ليسا من الوجه»، يعني من الوجه العرفي، لعدم سبق ذلك بالتحديد في الرواية.

ويمكن أن يكون الأمر في الآية الشريفة بضرب الخمر على الجيوب لستر سورة النور، الآية 31. العنق والصدر، لا الوجه، في قبال رفعها أو ردّها إلى المؤخّر بحيث تكون ساترة للاُذنين والصدغين وما لا يغسل من الوجه، لا أنّها في المتعارف غير ساترة للصدغين؛ مضافاً إلى أنّ لبس الخمر ـ بل مطلق اللباس ـ ليس إلاّ للتحفّظ من الحرّ والبرد، وإنّما تكشف الوجهَ والكفّين للحاجة والضرورة الغالبية، ولازمه المنع في غير مورد الضرورة الغالبيّة الفرعيّة.

وقد مرّ: أنّ الضرورة هي المبيحة للقدمين، والسيرة في نساء العرب مشتركة فيهما بين الرجال والنساء، فإنّ الغالب غير متمكّنين من تكثير الثياب وليست الغلبة بالعكس، وإن ادّعى في «الرياض» الإجماع على عدم جواز النظر إلى القدمين، ولعلّه مستنبط من عدم القدمين مع الوجه والكّفين في عبائر المتقدّمين، مع أنّ بعضها لم يذكر في حكم بدن المرأة الوجه أيضاً، وبعض مَن ذكر الوجه لم يذكر الكفّين، والعبرة بالذكر في مقام آخر وبمن ذكره وحكى عليه الإجماع، والقدمان وإن لم يقعا في الإجماع إلاّ أنّ الدليل موافق له كما مرّ.

ثمّ إنّه على تقدير الاشتباه في مفهوم الوجه في النظر والصلاة وأنّه الوجه الوضوئي الشرعي أو أوسع، فحيث إنّ الشبهة مفهوميّة والمرجع فيها البراءة عن التكليف والوضع، فلا منع ظاهراً في الصلاة ولا في غيرها.

عدم وجوب ستر القدمين على المراة في الصلاة

وأمّا القدمان فقد نسب استثناؤه في الصلاة إلى المشهور، بل ذكر في «الجواهر الكلام، ج 8، ص 173.» : «لاخلاف فيهما في ما أجد إلاّ من خالف في الوجه»، ولازمه الاتفاق فيهما كالوجه. و يدلّ عليه السيرة في الستر عن الأجانب في نساء العرب كرجالهم، واتّحاد الحكم في النظر والصلاة، لأنّه لستر العورة، فيكونان من الخارج موضوعاً أو حكماً.

ولاستثناء «ما ظهر»سورة النور، الآية 31. الذي لا يفهم منه إلاّ الظاهر في العادة المحتاج إلى ظهوره نوعاً؛ فلو حمل على غير ذلك كان من الحمل المخدوش، أو على الإجمال بعد إمكان الحمل على البيان، فلا حاجة إلاّ إلى عدم التفسير بالخلاف، لا إلى التفسير بالوفاق، مع أنّ المروي الأوّل [وهو [الموافق للمشهور. وأمّا الاختلاف في ذكر ظهر القدمين، أو الاقتصار على القدمين، فغير ضائر بعد موافقة السيرة للإطلاق، مع تبعيّة الباطن للظاهر، فإمّا لا استثناء راساً، أو كان التفكيك مبيّناً بالصراحة لا مسكوتاً عنه، والتعبير بالظاهر، لمكان الأولويّة المفهوم من موضع الرغبات، فيكونان أولى من الوجه والكفين في جواز الكشف، وليس التفكيك خارجاً كما هو ظاهر. وما في النبويّ من توصيف الدرع بالسابغ إلى ظاهر القدمين فلمكان خروج الغاية، وكون الساتر إلى الظاهر أي غير البالغ إلى الظاهر ساتراً للباطن بحسب القدر، لا لإرادة تغطية الظاهر، كما عن «التذكرة». كما يشهد للموافقة ما في «الجواهر»، قال بعد الاستدلال في القدمين في الصلاة : «كلّ ذا مضافاً إلى ما ذكروه في النكاح ممّا يدل على عدم وجوب سترهما عن الأجنبي، ككونهما ممّا ظهر في الزينة من بعض النصوص، وغيره ممّا هو مسطور في محلّه ممّا هو ظاهر في اقتضائه عدم كونهما ممّا نزّل منزلة العورة في وجوب الستر للصلاة أيضاً» جواهر الكلام، ج 8، ص 172.

وقال في الكفّين بعد ذكر التفسير عن «ابن عبّاس» : «وغير ذلك ممّا يقضي بأنّه ليس كالعورة، فلا يجب ستره في الصلاة للأصل، وحصر وجوب الستر في العورة في النصّ والفتوى، أو ما نزّل منزلتها» جواهر الكلام، ج 8، ص 171. وإن احتمل جواهر الكلام، ج 8، ص 175. في آخر المسألة عدم البطلان ببعض ما يحرم كشفه للنظر كالوجه، للاتّفاق على عدم شرطيّة ستره حتى على القول بحرمة كشفه للنظر، وكذا رأس الأمة على القول بوجوب ستره للنظر لا يجب ستره للصلاة، يعني أنّ ما يجب ستره عن الناظر يجب ستره للصلاة بلا عكس، فيمكن التحريم بلا شرطيّة.

جواز صلاة الرجل مع الاقتصار على ستر العورتين أحدهما

ثمّ إنّ جواز صلاة الرجل عرياناً مع ستره العورتين بعد موافقته للأصل، موافق للسيرة المستمرّة على إيقاع الصلاة على الأحوال المختلفة بلا تقيّد بانكشاف سائر البدن غير العورتين بعضاً كما هو واضح، فكذا في كلّ ما عدا العورتين. وأمّا البطلان بكشف إحدى العورتين عمداً مع القدرة، فقد حُكي عليه إجماعنا، وأنّ عليه أكثر العامّة. ويمكن الاستدلال بقوله تعالى : «خذوا زينتكم عند كلّ مسجد»سورة الأعراف، الآية 31. ، كما عن «الذكرى» حكاية القول باتفاق المفسّرين على أنّ الزينة هنا ما يواري العورة للصلاة والطواف، وإن كان إثبات الحجّة بكلام المفسّرين قابلاً للمنع، إلاّ أن يؤيّد ذلك بأنّه بعد البناء على أنّ «المسجد» هو مصدر بمعنى «السجود» الذي يراد به الصلاة لأنّه أهمّها، فيراد من قوله تعالى : «عند كلّ مسجد» للسجود، أو لموضع السجود بما أنّه موضع السجود، فيكون الإيجاب غيريّاً للصلاة. والظاهر أنّه يفهم منه بالمنطوق أو الاُولويّة، وجوب أخذ الزينة الخاصّة، أعني ما يستر العورتين من الثياب؛ بل يمكن دخوله في المنطوق لأنّ ستر العورتين بالثياب من أهمّ التزيّن وأَلْزَمه في العرف؛ وعليه فيكون الأمر غيريّا إيجابيّا، إلاّ في ما علم فيه الندب من سائر ما يستر به سائر البدن. ولا محذور في الجمع مع القرينة كما بيّن في الاُصول، وحينئذٍ يستفاد شرطيّة ستر العورتين للصلاة، وأمّا الطواف فيمكن فهم حكمه بما دلّ على أنّه الصلاة، فيعتبر فيه ما يعتبر فيها إلاّ ما أخرجه الدليل. فيكون التفسير المحكي للمسجد بالصلاة والطواف، بدليلين : أحدهما هذه الآية سورة الأعراف، الآية 29. وللزينة بساتر العورة من طريق الفحوى أو المنطوق على الوجه الذي قرّرناه. ويمكن الاستدلال للشرطيّة بصحيح «ابن مسلم» عن أبي جعفر عليه السلام : «في الرجل يصلّي في قميص واحد؟ فقال : إذا كان كثيفا فلا بأس به» بتقريب أنّ السؤال عن الوضع دون التكليف، وهو أهمّ ما يقع في نظر السائل والمجيب، والجواب بكون القميص ستيرا ونفي البأس عنه بمعنى نفي البطلان المراد في سؤال الراوي، فيكون البأس في المفهوم هو البطلان دون التنزيه. ويمكن الاستدلال على الشرطيّة المجمع عليها بما دلّ(3) على كيفيّة صلاة العاري، وأنّه مع إصابة الساتر ولو كان حشيشا، فالوظيفة هو الصلاة مع التستّر به، ولا تكون وظيفة مع عدم الإصابة، فكذا مع عدم التستّر اختيارا؛ بل الوظيفة هو الصلاة قائما مؤميا مع وضع اليد على العورة وترك الركوع والسجود لئلاّ ينكشف ما خلف المصلّي المستور بالإليتين، وأنّ ذلك مع الأمن من الناظر، وإلاّ فالوظيفة هو الجلوس والصلاة بالإيماء. فالذي أوجب رفع اليد عن الركوع والسجود، هو اشتراطهما بالستر الغير الممكن فرضا، لا التكليف المحض، لفرض الأمن المسوّغ للقيام في الصلاة؛ والذي أوجب الإيماء على الجالس، هو الذي أوجبه على القيام، وهو اشتراط الركوع والسجود بالستر الغير المفترق بين حالتي الأمن والقيام، وعدمه مع الجلوس، فالدلالة على الشرطيّة في الصورتين ثابتة، إلاّ أنّ التأمّل في وجه الانتقال للاشتراط في الركوع والسجود دون القيام، لعدم الانتقال إلى الجلوس إلاّ مع عدم الأمن، الظاهر في كونه لأجل التكليف دون الشرط، وإلاّ لما جاز القيام مع الأمن أيضا.

لكنّ الدلالة على الاشتراط، من جهة الانتقال مع الأمن إلى الإيماء، ولا يكون ذلك إلاّ مع الاشتراط، وإن وقع الاختلاف في غير ذلك، وأنّ الوظيفة هو القيام مع الأمن والجلوس مع عدمه، أو وضع اليد على العورة والصلاة مع الإيماء للركوع والسجود، وهذا مشترك في الكلّ، لكن في الأخير أنّه يجلس فيؤمي للركوع والسجود.

ويمكن أن يقال في شرح ما في الباب من الروايات وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلّي، الباب 50.: إنّ الطائفتين المشار إليهما المختلفتين في الجملة، يحمل المفصّل بين الأمن والقيام معه، وعدمه والجلوس يحمل على إرادة أنّ الآمِن يصلّي قائما مؤميا، لما قدّمناه في الانتقال الذي هو لرعاية الستر الشرطي، فلا ينكشف أزيد ممّا في حالة القيام عاريا لأجل الركوع مثلاً؛ وأمّا التستّر باليد وغير الساتر العامّ للحشيش، فلا يجب لتحصيل الشرط، ولذا اُطلق في الروايات الواردة في مقام البيان؛ وأمّا غير الآمِن فعليه التستّر عن النظر ولو ببعض البدن، فعليه أن يصلّي قائما متستّرا بيده، تغليبا للقيام الركني مع التستّر عن النظر، أو يجلس في الصلاة ولا يتعيّن عليه التستّر باليد، بل يمكن التستر بالجلوس، لعدم ظهور المقدّم من العورة ويؤمي حذرا عن انكشاف الخلف، كما ذكره في الرواية  ، فغير الآمن مخيّر بين الكيفيّتين، وأمّا بعد الإيماء للركوع والسجود، فوظيفته حيث إنّه غير آمن هو الجلوس مطلقا.

وعليه، فالستر الشرطي إنّما يوجب الانتقال إلى بدل الركوع والسجود لا القيام، إلاّ أن يفهم من الانتقال إلى الإيماء أنّه لدفع زيادة التكشّف من الخلف، فدفعها باختيار وضع اليد مع الإمكان كذلك، وإنّما يتخيّر بينه وبين الجلوس غير الآمن الذي يحمل عليه رواية وضع اليد ويمكن أن يكون اشتراك الكلّ في صورة الأمن وعدمه في ما إذا أومأ للركوع؛ فإنّه يجلس ويومئ للسجود، كما لعلّه المراد من رواية وضع اليد، وسيأتي إن شاء اللّه  ما يرجع إلى ذلك.

شرح روايات الباب

وخلاصة الكلام في شرح روايات الباب بعد ضمّ بعضها إلى بعض، وملاحظة مجموعها بدخل الاعتبارات الواضحة : أنّ رواية الإيماء قائما بلا تخصيص وتقييد وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلي، الباب 50، الحديث 1.، مع روايات التفصيل بين الآمن فالقيام وغيره فالجلوس بلا تقييد بالإيماء، مع رواية وضع اليد على العورة على النحو المذكور فيها، يفهم من مجموعها الملحوظ أنّ الإيماء ليس إلاّ لحفظ الخلف عن الانكشاف، فلا يختصّ بواحد من الركوع والسجود، ولا بواحد من القيام والجلوس، وحيث إنّ من الواضح أنّه كما يحفظ الدبر عن الكشف يحفظ القبل عنه، ولا حافظ له إلاّ واحد من الجلوس أو وضع اليد على العورة في القيام، وأنّه إذا كان الملحوظ حفظ القبل عن الكشف، فلا فرق بين الجلوس ووضع اليد في القيام.

وأمّا تجويز ترك القيام مع ركنيّته، فلمكان التسهيل؛ فإنّ التستّر بوضع اليد لايخلو عن صعوبة، بل يتعذّر في الجملة؛ كما أنّ التفصيل بين القيام والجلوس في الآمن وغيره إنّما هو في غير ما لا يقع إلاّ جالسا كالتشهّد، بل السجود أيضا، فالجلوس المراد في قبال القيام إنّما يراد الجلوس في موضع قيام غير العريان، وإلاّ فبعد إيماء القائم للركوع يتعيّن الجلوس لإيماء السجود ولما بعده من التشهّد، وما فيه وضع اليد مقدّما على الجلوس المراد منه محلّ الإيماء للسجود بعد ذكر أنّه يؤمي مع وضع اليد قبل الجلوس، لما مرّ من عدم الحاجة إلى وضع اليد مع الجلوس الحافظ للقبل عن الكشف، وملاحظة مجموع الروايات والأخذ بالجميع كما مرّ، لمكان ورودها جميعا في صلاة العاري؛ فالموضوع وظيفة العاري، وتفاصيل الأحكام واردة على هذا الموضوع، وإلاّ لما أمكن العلاج بتحكيم كلّ منها على الآخر في جهة. 

عدم التستّر جهلاً أو نسياناً أو اضطراراً

ثمّ إنّه يقع البحث في عموم الاشتراط لحال الجهل والغفلة، والسهو والنسيان، وعدم التعمّد مطلقا، أو عروض هذه الأحوال في الأثناء.

والمدار، على ثبوت الإطلاق في دليل الشرطيّة وعدم المقيّد، مع إمكان منعه لورود الروايات في العريان(1)، والمتبادر منه الملتفت إلى كونه عاريا وأنّه يتستّر ولو بالحشيش إذا أمكن.

وتسرية الحكم إلى العاري الغير العالم بكونه عاريا، تحتاج إلى إطلاق إلى الأوسع من مفروض السؤال الذي يرجع إليه الضمير في الجواب، ولا يمكن الجزم به ولو مع البناء على اشتراك الحكم في الامتثال، بل الإطلاق ضعيف وليس بقاطع لأصالة عدم الشرطيّة؛ كما أنّ الإجماع المحكيّ في المقام يحتمل استناده إلى الفتاوى المستندة إلى هذه الروايات، لا غيرها، فلا يتمسّك به في ما لا يتمسّك بها فيه. وعلى تقدير الإطلاق، فدليل رفع السهو والنسيان يقيّد دليل الاشتراط بغير الحالتين، وكذا الاضطرار وعدم القدرة الطارئة دون السابقة، المعيّن فيه الحكم في هذه الروايات في صلاة العاري، وفي ما لا إطلاق في دليل الاشتراط ولا معيّن للحكم بحسب الدليل الاجتهادي، فمقتضى «رفع ما لا يعلمون» انتفاء الشرطيّة المجهولة، وكذا «رفع الخطأ» الصادق على الجهل بموضوع انكشاف العورة. ومنع صدق الاضطرار الغير المتعلّق بالطبيعة بل الفرد، يمكن دفعه بأنّه إنّما يسلّم لو سلّم في مثل عدم القدرة في بعض الوقت إذا سبق على الصلاة، دون الطاريء في الأثناء، كما يؤيّده حرجيّة الحكم بالإعادة والإبطال بمثل ذلك ممّا يخرج عن الاختيار في ما لا دليل خاصّ فيه. وعلى تقدير تسلّمه فيمكن إلغاء الخصوصيّة ممّا في الصحيح لأنّ عدم العلم مع الاختيار كالعلم مع عدم الاختيار في عدم التأثير في التحفّظ الاختياري، مع أنّ صحيح «لا تعاد» وسائل الشيعة، ج 3، أبواب القبلة، الباب 9، الحديث 1. لا يختصّ بالسهو، فيشمل التكشّف القهري وإن التفت في الأثناء، فلا يبطل الصلاة ولا يوجب الإعادة. وبمثل ما ذكر في الاضطرار، قد يقال في رفع السهو والنسيان، ولازمه اختصاص الجريان بنسيان الطبيعة، ولا يكون إلاّ في الصلاة في آخر الوقت، لانحصار الطبيعة في ما وقع فيه النسيان أو الغفلة. مع إمكان دفعه بصدق نسيان الشرط ولو كان في ما وقع في أوّل الوقت، لأنّ المنسيّ في ذلك الوقت طبيعة الستر وما هو الشرط، والجهل متعلّق به، وكذا عدم القدرة، لأنّه في ذلك الوقت ناسٍ للستر في ذلك الوقت وجاهل بالانكشاف في ذلك، أو غير قادر على الستر في ذلك، بل الوقت ظرف للصفة، لا أنّه مأخوذ في متعلّقها، فهو في ذلك الوقت ناسٍ لطبيعة الستر الذي هو شرط موضوع يرفعه نسيانها ولو في وقت، فيدبّر.

والحاصل أنّ ما يتعيّن محلّه من أجزاء الصلاة وشروطها إذا طرأ الاضطرار، أو سائر الأعذار في الأثناء، يصدق الاضطرار الرافع للثابت لولاه، لو لم يرفع ما كان حاصلاً قبل الشروط إلاّ ما إذا كان في آخر الوقت؛ فإنّ الإعادة بعد الشروع المتعقّب بالاضطرار ضيق مرفوع بالحديث وسائل الشيعة، ج 5، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 30، الحديث 2.

ويمكن الاستدلال بالسيرة المستمرّة، فإنّ الالتزام بالإعادة مع إطارة الريح الثوب في الأثناء مخالف للعمل المستمرّ المبني على عدم المبالاة بهذه الأمور الغير الاختياريّة ولا المعلومة قبل الصلاة ؛ فاحتمال البطلان المنسوب إلى «التذكرة» لنسبته إلى علمائنا كما ترى مخالف لما عن ظاهر «المبسوط»، و«البيان»، و«كشف اللثام»، و«الدروس»، و«المنظومة»، مع ما مرّ من إلغاء الخصوصيّة ممّا في الصحيح(1) بما مرّ ؛ وباستظهار اتّحاد الصلاة كلاًّ وبعضا في الشروط، فما لا يضرّ بالكلّ لا يضرّ بالبعض؛ بل عدم العلم طريق إلى عدم القدرة كما أنّ العلم طريق إليها، فالعفو مع عدم العلم إذا استمرّ لمكان استمرار عدم القدرة، فكذا عدم القدرة لا مستمرّا، وإن كان لا لعدم العلم، فتدبّر. بل ترك الاستفصال المقتضي للصحّة ولو طرأ في الأثناء، المعلوم لزوم الستر حينئذٍ المشتمل على مقدار من الزمان، لا يتمكنّ فيه من الستر قطعا؛ مع أنّ جماعة كالفاضل في عدّة من كتبه، و«المعتبر» صرّحوا بالصحّة في هذا الفرض الذي هو مقتضى إطلاق «الصحيح»، ومن الغريب الجمع بين الحكم بالبطلان في مسألتنا والصحة في مورد إطلاق الصحيح القوي بملاحظة التعبير بقوله في السؤال : «يصلي». وعدم بيان لزوم الستر لما بقي لا يضرّ بالإطلاق بعد وضوح لزومه لما يأتي به من سائر الأبعاض، كما يظهر من السؤال علم السائل باللزوم لولا عدم الاختيار.

فما عن «التحرير» من أنّه : «لو قيل بعدم الاجتزاء بالستر كان وجها»، بعد حكمه بالصحّة، خلاف التدقيق في «الصحيح»، وخلاف ما ذكرناه من السيرة العمليّة المبنيّة على سهولة الأمر في هذه الوظيفة التي هي أهمّ الوظائف وأعمّها لعامّة طبقات المكلّفين بها. قال في «الدروس» : «ولا تبطل الصلاة بانكشاف العورة في أثناء الصلاة من غير فعل المصلّي، نعم تجب المبادرة إلى الستر. ولو صلّى عاريا ناسيا، فالأصحّ الإعادة في الوقت وخارجه».

ولا وجه للتعبير بالأصح مع إجماعيّة الحكم عنده، وليس قوله : «الأصحّ...»، لمكان ما عن «ابن الجنيد»، مع اختلاف كلامهما، حيث إنّ كلام «ابن الجنيد» في غير العامد، وكلامه في الناسي، وهذا يوجب القضاء وذاك الإعادة فقطّ. ويقرب منه ما عن محكيّ «البيان»، قال : «لو تعمّد كشف العورة بطلت صلاته، ولو نسي فالأقرب ذلك»، والاشتراك في الكشف عن عدم إجماعية الحكم عنده.

وفي «الذكرى» : «ولو قيل بأنّ المصلّي عاريا مع التمكّن من الساتر يعيد مطلقا، والمصلّي مستورا ويعرض له التكشّف في الأثناء بغير قصد لا يعيد مطلقاً، كان قويا، نعم يجب عليه عند الذكر الستر قطعا؛ فلو أخّل به بطلت حينئذٍ لا قبله»، وقوله عند الذكر يوجب تعميم حكمه الانكشاف لنسيان الستر في الأثناء، مع أنّ التخصيص بقوله : «ويعرض له التكّشف في الأثناء» قابل للمنع، إذ ليس فيه إلاّ كونه عاريا واقعا، ولا دليل على الانتقال فيه، بل في خصوص الملتفت إلى كونه عاريا غير متمكّن من الساتر والستر، وهذا أيضا لا يجتمع مع إجماعيّة بطلان صلاة العاري الناسي؛ مع أنّ المفهوم من صحّة صلاة العاري وغير العالم أولويّة طروّ ذلك في الأثناء من الاستمرار، لا العكس باشتمال الثاني على زمان العلم مع عدم إمكان الستر، وليس الملاك إلاّ ارتكاز الاعتبار بالتمكّن من التستّر وجدانا، وعدمه الحاصل في مضمون صحيح «علي بن جعفر»  فلا فرق بين النسيان والخطأ، والاضطرار والسهو والجهل.

ولا نعرف ظهور كلماتهم في الإجماع على بطلان صلاة الناسي للستر، وليس ذكرهم للاشتراط واقتصارهم عليه وعلى بيان صلاة العاري والجاهل، مع ذكر كثير لحكم الجاهل العالم في الأثناء، دليلاً على المفروغيّة في صلاة الناسي؛ بل يمكن أن يكون فهموا الشرطيّة ممّا فهمناها منه من النصوص  واقتصروا على ذكر المنصوص من حكم الصور المذكورة حينئذٍ، وليس ذكر التفصيل بين الناسي وغيره في كلام «مالك» في ذكر أقوالهم إلاّ بيان للاختلاف في ما بينهم، وليس مذهب «مالك» في المقام تامّ الموافقة للمستفاد من أدلّة المقام عندنا.

وبالجملة، فتعميم الحكم بالصحّة لصور الجهل والنسيان والاضطرار وإن علم في الأثناء وتمكّن وتستّر، هو الموافق لحديث «الرفع»وسائل الشيعة، ج 5، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 30، الحديث 2.  ولصحيح «لا تعاد»وسائل الشيعة، ج 3، أبواب القبلة، الباب 9، الحديث 1. ولإلغاء الخصوصيّة في صحيح «علي بن جعفر» في المقام، الذي ذكر في كلمات جماعة إطلاقه لصورة التبيّن في الأثناء، وقد سبق ما في «الدروس»، و«الذكرى»، وأفتى بالصحّة في «العروة»، و«السيّد الأستاد الأصفهاني» في «حاشيتها»، وفي «الوسيلة»، ويؤيّده ما مرّ من ارتكاز التسهيل في هذه الفريضة المهمّة من الجهات الغير الاختياريّة في غير الأركان. وأمّا ناسي الحكم الوضعي وجاهله، فمقتضى ما ذكر من الأدلّة هو الصحّة أيضا. ودعوى الاتفاق على عدم معذوريّة الجاهل في غير المستثنيات يمكن منعها، لعدم الإجماع، بل الإجماع على العذر في تلك الموارد، لا العدم في غيرها؛ كما أنّ عدم العذر التكليفي لا ينافي العذر الوضعي المطلوب هنا، وقد ثبت في الحجّ موارد للعذر، فلا يمكن الاستناد إلى الإجماع بعد وضوح عدم العذر تكليفا إلاّ في الفروع الدقيقة التي لا تعمّ بها البلوى، والأمر في النسيان أوضح، والاحتياط مع عدم العسر الشخصي نجاة من الهلكات.

وظيفة المصلي عند فقدان الثوب

مسألة : إن لم يجد المصلي ثوبا يستر به عورته، استتر بما يجده ولو كان حشيشا أو ورق الشجر، كما في صحيح «علي بن جعفر» وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلي الباب 50، الحديث 1.

وفيه ذكر الحشيش المعلوم كونه مثالاً لذي ساتر غير الثوب ولو كان غير متعارف، أو كان في الاستتار به صعوبة غير منتهية إلى العسر الشخصي، كما يرشد إليه قوله فيه : «إن أصاب حشيشا يستر به عورته، أتمّ صلاته بالركوع والسجود؛ وإن لم يصب شيئا يستر به عورته، أومأ وهو قائم»، لا لذكر الستر في القضيّة الاُولى لمعلوميّته قيديّة الستر للحشيش، بل لذكر الستر في الثانية بعد ذكر الشيء، حيث إن المستفاد منه أنّ العبرة بالساتر بلا مداخلة شيء آخر فيه، فهو المراد ممّا في القضيّة الاُولى، وإلاّ لم يحتج إلى قضيّة مفصّلة اُخرى، وكان قوله : «وإلاّ أومأ» كافيا، فلم يذكر إلاّ لبيان ما تقدّم، وذكر القرينة على إرادة الساتر في الاُولى التي هي بمنزلة المنطوق للثانية التي هي بمنزلة المفهوم. مضافا إلى عدم الدليل على إرادة أزيد من الساتر في النظر والصلاة، وقد مرّ أنّ الأصل اتّحادهما في الساتر والمستور إلاّ بدليل، فإنّ الدليل على شرطيّة ستر العورة للصلاة لا يدلّ على إرادة ما تعارف الاستتار به في ذلك الزمان وفي تلك الأمكنة، وإن احتاجوا في بيان الاكتفاء بثياب آخر إلى ذكر الأمثلة.

ولعلّ مستند الاتفاق على الشرطيّة ما فهمناه منه من روايات صلاة العريان وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلّي، الباب 50 .  المحفوظ فيها الستر بالإيماء مع الإطلاق لصورة الأمن، بل التقييد في بعضها بالأمن والقيام الموجب لتقييد الإيماء قائما بالأمن، لما مرّ، وكذا نصوص صلاة المرأة في الدرع والخمار التي لا يستفاد منها إلاّ شرطيّة الستر، لإطلاق ما فيها لصورة الأمن من الناظر، ولا يستفاد منها شرطيّة الثوب، لورودها لبيان المقدار الواجب ستره، لا ما يستر به، حتّى لا يكتفي بالجلد الكافي اتّفاقا، كما حُكي بل نسب إلى الأكثر عدم اشتراط الثوب في الساتر، إلاّ ما يأتي في الطين من القولين، وقد نسب الجواز اختيارا إلى الأكثر في ما عن المجلسي قدس سره لعدم الدليل على اعتبار انتفاء الثوب في جواز التستّر بغيره.

وبالجملة، فالترتيب المحكيّ عن «المسالك»، خلاف المستفاد من الأدلّة من إلغاء الخصوصيّة والاكتفاء بتحقّق الستر الكافي في النظر اتّفاقا، وكذا في الاختيار في الصلاة لقوله عليه السلام : «أما علمت أنّ النورة سترة»وسائل الشيعة، ج 1، كتاب الطهارة، أبواب آداب الحمام، الباب 18، الحديث 1 و 2. والورود في مقام النظر لا يخصّص الوارد المعلوم فيه ما يراد بالستر الذي هو غير مستور في المعنى إلاّ عند من استأنس بالمتعارف، فلا ريب في الاكتفاء بكلّ ساتر ولو كان غير منفصل عن البدن؛ بل يمكن أن يكون وضع اليد على العورة بدلاً عن الجلوس مع كفاية كلّ منهما لستر القبل كاملاً مع الإتيان بغير ذلك من واجبات الصلاة، وإنّ الإيماء ـ كما مرّ ـ لستر الخلف فقط ولو مع الجلوس. فالظاهر، أنّ الطين والجصّ ونحوهما كالحشيش، ويراعى كمال الستر وعدم العسر الشخصي، ولذا لا أثر في النصوص للإطلاء بالطين مع ذكر الأصحاب له من جهة الفهم من رواية السترة العامّة على ما مرّ، أو من جهة فهمهم الإطلاق في لزوم ستر العورة في الصلاة. وكذا ما ذكروه من النزول في الوحل والماء الكدر، وليس في عبائر الأكثر ما يفيد ترتّب الحشيش على الثوب، ولا ترتّب الطين على الحشيش، بل في بعضها ما يفيد التخيير وعدم الترتيب، وإنّما المرعي أفعال الصلاة كلاًّ أو بعضا غير ساقط على أيّ تقدير ولو إلى بدل، وكمال الستر. وكذا الدخول في الحفيرة الواقع في النصّ والفتوى، فإنّ ستر الكلّ ستر للبعض، الذي لم يعتبر فيه عدم ستر الكلّ، والعرف فارق بين الحفيرة والبيت الواسع الذي هو مستور فيه، لا مستور به. وكذا الظلمة، وقد ذكر في رواية الحشيش التعبير بالستر وبالركوع والسجود، وفي رواية الحفيرة خصوص الركوع والسجود، وورودهما في العريان ومن لا ثوب له، لا خصوص من لا يصيب الحشيش أيضا.

وبالجملة، بعد عدم الدليل على خصوصيّة للساتر، بل المرتكز اتّحاد الساتر الصلاتي والنظري، والمستور في الصلاة وعن النظر، إلاّ أن يدلّ دليل على الخلاف. الجمع بين روايات المقام و صلاة العاري و ما يرد عليه

وأمّا ما يقال في الجمع بين روايات القيام، وروايات الجلوس، والمفصّلة بين الأمن وعدمه، فحاصله تقييد الأوّلة بالأخيرة، كما هو الوظيفة في العموم والخصوص بحسب الموضوع، كما أنّ اللازم تقييد المفصّلة أيضاً بصحيحة «على بن جعفر» في إيماء القائم، وصحيح «زرارة» في إيماء القائم أو الجالس من حيث المتعلّق. ولا تنافي بين التقييدين هنا، فإنّ الأوّل في الموضوع وبحسبه، والثاني في خصوص إطلاق الصلاة وبحسب المتعلّق، وهو الصلاة مع الإيماء يعني أنّ صحيحة «علي بن جعفر» تدلّ على القيام مع الإيماء، ورواية التفصيل تدلّ على أنّ القيام وظيفة الآمِن والجلوس وظيفة غير الآمِن، كما أنّ صحيح «زرارة» يدلّ على أنّ الوظيفة حتى للجالس هو الإيماء؛ فرواية التفصيل شارحة للصحيحين من حيث بيان محلّ القيام والقعود، كما أنّ الصحيحين يدلاّن على التوظيف بالإيماء في القيام والجلوس، ولا إطلاق في رواية التفصيل ينافي هذا التقييد، فمن المعلوم أنّ جلوس غير الآمن إنّما ينفعه لستر القبل، فكيف يستفاد منها أنّه يركع ويسجد؟ بل يفهم منها الإيماء لستر الخلف، كما يصرّح بالجلوس لستر القبل، ومن المستبعد افتراق الأمن وغيره في غير القيام والجلوس، فهما في الإيماء متّحدان، وقد فهم ذلك في الجالس فكذا القيام، وقد صرّح بذلك في الصحيحين، فبعد الجمع بين الأخبار تكون رواية التفصيل مقيّدة بالكسر في جهته، وبالفتح في جهة اُخرى. وحيث إنّ جلوس غير الأمن ليس إلاّ لستر القبل، وهو حاصل بوضع اليد مع القيام، فلا يبعد تغيير الرجل، وتعيّن الجلوس على المرأة لأنّها كلّها عورة. وذلك هو الموافق لحكم المشهور من التفصيل، والإيماء مطلقاً في العريان ومن لا ثوب له، وكيف يؤمر غير الآمن بالجلوس الذي لا يستر إلاّ القبل، ولا ساتر للخلف إلاّ الإيماء المبنيّ على الستر بالإليتين في القيام والجلوس؟ مع أنّ الاستتار المرعيّ هاهنا إن كان للصلاة، أو له وللنظر، فاللازم الاستتار للصلاة بالإيماء الساتر للخلف في كلا الحالين؛ وقد مرّ نقل الإجماع على الشرطيّة، وإطلاق هذا النقل مع ما ذيّله به في «التذكرة» من التصريح بالبطلان في خلوة أو غيرها؛ مع شهادة الارتكاز ببطلان الصلاة عارياً في الخلوة أو الظلمة مع التمكّن من ستر العورة بساتر، كما أنّ ما مرّ من توظيف الآمِن بالقيام مع الإيماء كما هو لازم التقييد المذكور كون سقوط الركوع والسجود والتنزّل إلى البدل فيهما في الآمن، لأجل الشرطيّة المطلقة لصورة الأمن وعدم التمكّن من الساتر غير الإليتين للخلف.
وبالجملة
، حيث إنّ الستر الصلاتي كالنظري إنّما يحصل للخلف بالإيماء، ولا بدّ من ستر القبل أيضاً للصلاة، فلا بدّ للآمن من وضع اليد على العورة. وعليه، فغير الآمن إنّما يجلس لستر القبل الغير المنحصر بالجلوس، فله اختيار القيام والستر باليد، والجلوس والستر بنفس الجلوس مع ضمّ الفخذين، أو مع وضع اليدين، وقد ذكر ذلك في الروايات على التفرّق، الراجع إلى ما قدّمناه بشهادة الاعتبار. نعم، المراة يتعيّن عليها الجلوس، لعدم الساتر لغير العورتين مع أنّ بدنها عورة إلاّ الجلوس، ولا أزيد من الستر بالجلوس، ولا بأس بالجمع بين الرجل والمراة في الجلوس المأمور به وإن اختلف الأمر فيهما. وهل ما في صحيح «زرارة» صلاة قياميّة أو جلوسيّة؟ يترجّح الثاني لما فيه من الجمع بين الرجل والمرأة وتاخير الإيماء من الجلوس، وإن كان يصحّ الأخير على الأوّل أيضاً، لأنّ إيماء الركوع مقدّم على الجلوس، وإيماء السجود مؤخّر عنه. وعلى أيّ، فهو مقيّد بعدم الأمن الذي يقوم معه الرجل في موضع القيام، ويجلس مع عدم الأمن مخيّراً في موضع القيام، وإلاّ ففي موضع الجلوس لا بدّ من الجلوس مطلقاً، كان لإيماء السجود، أو للتشهّد والتسليم. وعليه، فالقيام الركني الصلاتي لا يسقط في حقّ الرجل إلاّ مع عدم الأمن، وسقوطه فيه على التخيير بين القيام ووضع اليد، أو الجلوس والضمّ، أو وضع اليد والإيماء لحفظ الخلف مطلقاً، والمرأة تستر بالجلوس تنزّلاً عن القيام، كما ينزّل الكلّ عن الركوع بالإيماء رعاية للستر. وكلّ ذلك مستفاد من الروايات بعد جمعها والجمع بينها، وإعمال الاعتبار، والتوفيق بينها وبين كلمات الأصحاب رضوان اللّه  عليهم.

ثمّ إنّ تعبير المشهور بالأمن مع ذكر «الرؤية» في النصوص، هو الموافق لانحصار الطريق إلى واقع عدم الرؤية في تمام الصلاة في الأمن. كما أنّ المراد «رؤية العورة» لا «رؤية العريان» كما فهموه، فإنّ غير ذلك محتاج إلى البيان، وعدمه كافٍ في فهم الأوّل كما لا يخفى؛ ويؤيّده أنّ أمر المرأة بالجلوس تعييني مطلقاً، لأنّ بدنها عورة.

مراتب الصلاة عند فقد الساتر

مسألة : إذا لم يجد المصلّي ثوباً يستر به عورتيه، صلّى متستّراً بأيّ ساتر لا مانع فيه كالحشيش والورق.

ولو لم يجد ساتراً صلّى عارياً، فمع الأمن من الناظر المحترم يجوز أن يصلّي قائماً مؤمياً للركوعين، ومع عدم الأمن المطلق يجوز أن يصلّي جالساً مؤمياً. والأظهر جواز الركوعين في الجلوس والقيام المختلفين بالآمن من الناظر إلى القبل وعدمه إذا أمن من النظر إلى الخلف، كما هو الحال في الصفّ الواحد للمأمومين الجلوس. والأظهر لزوم وضع اليد على العورة في القيام، وضمّ الفخذين للستر في الجلوس، ويحتمل جواز الجلوس للآمن، والقيام لغيره مع رعاية الإيماء أو الركوعين على ما قدّمناه. ولا مانع من كون المراد رؤية العورة وعدمها، وكون الأمر في الرجل تخييريّاً، لما فيه من الحزازة في الصلاة قائما عارياً ولو مع وضع اليد، فإنّ الجلوس له كوضع اليد ممّا يستأمن به الغير الآمن لو لا ذلك. 

عودة إلى الجمع بين الروايات و كيفيّة صلاة العاري

ويمكن أن يقال : إنّ الجمع بين الطائفتين المطلقتين لكلّ واحد من الجلوس والقيام، مع الاشتمال على الإيماء أو لا معه، بما دلّ على التفصيل بين الأمن وعدمه، كالجمع بين روايات التفصيل مع المطلقات في لزوم الإيماء، نظراً إلى أنّ التقييد من جهة يجتمع مع التقييد من جهة اُخرى؛ فكلّ دليل يتقيّد بالآخر في جهة، ويقيّد الآخر من جهة اُخرى. والجمع بين الدليلين بالتصرّف فيهما معاً وإن كان غير مقبول، إلاّ أنّه لمكان عدم التعيين في نحو واحد للجمع، ومع التعيّن فلا بأس بالجمع به، وفرض الكلامين واحداً صادراً من واحد يفسّر كلّ منهما الآخر في جهة خاصّة، فهو كقرينيّة صدر الكلام لذيله في جهة، والعكس في جهة خاصّة اُخرى غير مربوطة بالجهة الاُولى.

وأمّا الجمع بين روايات التفصيل بين الآمن وعدمه، ورواية إطلاق القائم وإيمائه ورواية إطلاق الجالس وإيمائه كرواية إطلاق القيام أو الجلوس بدون ذكر الإيماء بالتقييد لكلّ بالآخر، فلمكان عدم عموم البلوى وشيوعه بمفروض ما فيها من السؤال والجواب، لندرة فرض العريان بلا اختيار بحيث لا يتمكّن من التستّر ولو بغير الثياب، فلا يكون المقيّد فيها وارداً بعد وقت الحاجة، كما لا مانع من ارتكاب التقييدين المتعاكسين مع الانحصار كما مرّ، هذا. ويمكن المصير إلى ذلك من ناحية نفس رواية التفصيل  بحيث تكون تقيّد ما يقابلها من المؤيّدات والمؤكّدات، وذلك بتقريب أنّ الجلوس ليس في حقّ الرجل إلاّ لستر القبل، وهو لازم نفسيّاً وشرطيّاً، ومسقط لفرض القيام الركني؛ ولزوم الستر كذلك لازم في الخلف أيضاً، وموجب للتنزّل إلى الإيماء، كما أنّ الآمن إنّما يتستر بالإليتين في الدبر، وأمّا القبل فعليه التستّر باليدين إن أمكن، وإلاّ فبالجلوس؛ فالدليل على إطلاق الشرطيّة لصورة عدم الناظر يفيد أنّه إنّما يتستّر عن النار بالإلتين، وأمّا للصلاة فلا بدّ من ضمّ التنزّل إلى الإيماء لستر الخلف، كما أنّ عليه وضع اليد لحفظ القبل للصلاة من دون ملاحظة دليل الإيماء هاهنا؛ فلا بد في الآمن من رفع اليد عن شرطيّة الستر، أو التنزّل إلى الإيماء؛ ومقتضى إطلاق دليل الشرطيّة عدم الاختصاص بصورة الناظر، ولازمه الإيماء مع الأمن، وهذا الوجه يؤيّد ما قدّمناه من الوجه، مع عدم رجوعه إلى ما يشتمل على القياس. نعم لا بدّ من توجيه ما استفدناه من الجمع بين الروايات بإرادة توظيف غير الآمن من النظر على التخيير بين الجلوس والقيام لاستتار القبل بهما مع الحفظ باليد إن كان رجلاً، والمرأة يتعيّن عليها الجلوس مطلقاً لتحصيل الستر الصلاتيّ، والآمن يتستّر بوضع اليد ويقوم إن كان رجلاً، ويؤمي الجميع للتحصيل الستر الصلاتي للخلف مع الأمن، ومطلقاً مع عدم الأمن.

فإنّ المستفاد من موثّق «اسحاق بن عمّار» موافقة صلاة الإمام في جماعة العراة المستحبّة لهم، كما نقل عليه الإجماع عن «الذكرى»، وكتب «العلاّمة». وما في خبر «أبي البختري» من قوله أخيراً : «ثمّ صلّوا كذلك فرادى»، لابدّ من تأويله بما يوافق غيره، إمّا بالحمل على الجواز فلا ينافي استحباب الجماعة، ولا بدّ من كون التباعد بحدّ يوجب الاستتار عن النظر، أو حمل قوله : «فرادى»، على أنّ الوظيفة ذلك إن صلّوا فرادى، ومخالفة صلاة المأمومين بالجلوس مع الركوع والسجود؛ أمّا الجلوس فلمكان عدم الأمن؛ وأمّا الركوع والسجود ففي ما مرّ دلالة على لزوم الستر المطلق للخلف بالإيماء، فإنّ الآمِن يؤمي لستر الخلف للصلاة، وغاية ما هاهنا أن يقع الأمن من النظر إلى الخلف، فكيف يوجّه ما فيه من السجود والركوع الذي عبّر بهما فيه مقابلاً لإيماء الإمام، ومع قوله : «على وجوههم»؟

وقد حُكي نفي الإيماء على المأمومين عن «الوسيلة» و«الدروس» و«النهاية» و«الجامع» و«الإصباح» و«المعتبر» و«المنتهى». وعن «القواعد» و«البيان» و«المدارك» الإيماء على الجميع، ونقل أيضاً عن «جُمل السيد» و«مصباحه» و«المفيد» وعن «كشف اللثام» احتمال إرادة الإيماء بوجوههم. ويمكن التوجيه بأنّ الصفّ الواقع خلف الإمام الجالس المؤمي الغير الآمِن لهم الأمن في الخلف دون القدّام، فعليهم لستر القبل الجلوس، وإنّما عليهم لإيماء لستر الخلف للصلاة مع المحافظة على القيام، والمفروض عدمه هنا، فلا مانع من التعبّد بالركوع والسجود حيث لا قيام ركني، وقد وقع التنزّل عنه إلى البدل لستر القبل بغير وضع اليد، لعدم معهوديّة ايتمام القائم بالقاعد، بل في الرواية تنبيه على عدم مشروعيّته.

وبالجملة، الإيماء للمأموم الجالس فيه تنزّل عن الأصل الواجب في القيام والركوعين، بخلاف إيماء المنفرد الآمن القائم؛ فإنّه يتنزّل عن أصل واحد دون أصلين، فلا غرابة في ارتكاب تقييد ما سبق بغير المأموم الجالس في صفّ واحد؛ نعم لا يجري ذلك في الأزيد من صفّ وإن اقتضاه الإطلاق إلاّ أنّه يمكن الانصراف عنه بما مرّ من الأدلّة، فيؤمي الصفّ الأوّل ويركع ويسجد الصفّ الثاني، كما عن «التحرير» و«الذكرى».

والأظهر : أنّ المصلّي قائماً للأمن، يجلس لإيماء السجودين وللتشهّد والتسليم كالمستور بالثوب، كما أنّ القائم الآمن إذا اختار الركوعين يجلس للسجودين. كما أنّ مقتضى ما تقدّم في غير الجماعة ـ من عدم تعيّن الجلوس على غير الآمن من النظر في غير المرأة، وأنّ له الجلوس لستر القبل، كما له الاكتفاء له بوضع اليد، كما له القيام مع ستر القبل بوضع اليدين للصلاة مطلقاً، وللنظر مع عدم الأمن، كما أنّ على الآمن وغيره الإيماء لستر الخلف للصلاة مطلقاً، وللنظر لغير الآمن ـ هو جريان ذلك هنا أيضاً بملاحظة الاعتبار المرشد إلى عدم الاختصاص بمورد دون مورد، لأنّ ذلك من ملاحظة الأمن وعدمه، وأفعال الصلاة وأبدالها بدون اختصاص بصورة الانفراد، وإنّما المعرضيّة بسبب الجماعة للتكشّف الممنوع وضعاً مطلقاً، وتكليفاً في الجملة. فعليه، يمكن أن يقال : لهم اختيار القيام وستر القبل مطلقاً بوضع اليد، وستر الخلف للصلاة بالإيماء بأن يختار ذلك للإمام والمأموم بدون تفرقة بينهما؛ وكما أنّ الأمر بجلوس غير الآمن، يمكن حمله على التخيير فكذا الإمام الذي هو سبب الاجتماع، يكون كالمأمومين غير آمن من النظر إلى القبل؛ كما أنّ الإمام لا يأمن من النظر إلى الخلف بخلاف المأمومين في صفّ واحد، فإنّ إيمائهم حينئذٍ لستر الخلف للصلاة. وحيث إنّ مستند تعيّن الجلوس موثّق «اسحاق بن عمار» وهو بهذا الاعتبار المفهوم  من روايات المقام وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلّي، الباب 50 . قابل للحمل على التخيير، فلا مانع من المصير إلى التخيير هنا، نعم تعيين ذلك مخالف للنصّ هنا وفي ما مرّ، وأزيد حزازة في المقام، أعني جماعة العراة قياماً، كما هو واضح.

استحباب الجماعة للعراة

مسألة : يستحبّ الجماعة للعراة بأن يجلسوا صفّاً واحداً خلف الإمام الجالس، ويؤمي الإمام، ويركع المأمومون ويسجدوا؛ كما لهم الانفراد مع التباعد الموجب للأمن في الجملة، والعمل بما يعمله المنفرد الآمن مطلقاً، أو في الجملة، أي في العورتين أو إحداهما فقطّ. والمراد من الآمن هو الآمن من الناظر المحترم، لا مطلق الناظر على الأظهر.

ولو لم يجد الرجل إلاّ ساتراً لإحدى العورتين أو بعض الواحدة، وجب ذلك تكليفاً وشرطاً، لعدم الارتباط في شيء منهما، وعمل في غير المستور بوظيفة العاري في ذلك، وفي المستور بوظيفة اللابس على ما مرّ في الأفعال المربوطة بكلّ منهما.

ومع الدوران بين العورتين يستر عندنا ما لا ساتر له ولو من غير الثوب كالفخذين اليدين والإليتين؛ ومع الاشتراك في ذلك عدماً يستر الدبر إذا تمكّن بستره من الركوعين في القيام والجلوس، كما أنّ القائم المستور دبره بالإليتين الغير المستور قبله يستره بالثوب، فإذا أراد الركوعين ستر الدبر واستتر في القبل بضمّ الفخذين، ويتخيّر مع عدم الترجيح، ووجب الستر بالثوب كما هو الأحوط للمختار، ومع عدم الأمن من الناظر من جهته رأساً ترجّح التستّر فيه به والعمل بالوظيفة في الآخر، يعني وظيفة العاري من الجهة الاُخرى الغير المستورة للشرط.

والحاصل أنّ إيماء المأموم الجالس، لا يستفاد من إيماء القائم الآمن، كما لا يستفاد من إيماء الجالس الغير الآمن بما يدلّ عليهما من الدليل. والقاعدة في ذلك من حيث دوران الأمر بين الستر الصلاتي للخلف والمحافظة على الركوع والسجود، هو تقديم الجزء على الشرط. وإن كان مع التساوي في الجزئيّة والشرط، يتعيّن تقديم ما ليس له البدل على ما له البدل، ولذا قدّم الستر الشرطي في صلاة المنفرد مع الأمن، وذلك لأهميّة الجزء ومقوّميّته للصلاة بخلاف الشرط المتمحّض في الشرطيّة، لما مرّ من أنّه بسبب وحدة الصفّ آمن من جهة النظر إلى الخلف، وغير آمن من جهة القدّام الذي يحصل ستره بكلّ من وضع اليد أو الجلوس. ولعلّ ما في «الموثّق» من ترجيح الركوع والسجود للجالس، لمكان تقديم الجزء على الشرط في المأموم الآمن من النظر إلى الخلف.

مع أنّه على تقدير التساوي فالترجيح بالدليل الذي هو في خصوص جماعة العراة، وما سبق من الأدلّة في الإيماء في خصوص الانفراد، أو بنحو يعمّ الاجتماع خصوصاً مع فهم الاعتبار بالأمن وعدمه، لا بخصوص الانفراد وعدمه؛ بل يفهم ممّا في الموثّق من الفرق بين الإمام والمأمومين، أنّ العبرة بوجود الأمن من تكشّف الخلف للغير في المأمومين وعدم أمن الإمام من ذلك، وأنّ الإيماء كما مرّ لستر الخلف فقطّ، وأنّ إيماء الآمن القائم ـ وإن كان لرعاية الستر الشرطي فقطّ ـ مخصوص بغير المأمومين الجالسين، فيمكن جريانه في المأمومين إذا كانوا قائمين وسوّغنا لهم مع الإمام ذلك لما مرّ. ومن المرجّحات كفاية الساتر لإحدى العورتين دون الاُخرى الغير المستورة بشيء.

وهل المراة كالرجل، فمع استتار العورتين فقطّ تصلّي صلاة المختار؟ الأظهر العدم مع عدم الأمن من الناظر المحترم، فتجلس لزيادة الستر وتؤمي لعدم زيادة التكشّف في غير العورتين المستورتين فرضاً؛ ويحتمل التخيير وترجيح الستر الشرطي، والأحوط اختيار القيام والركوعين، وترجيحها على الستر الشرطي لمكان الجزئيّة، وخلوّ النصوص عن مغايرتها مع الرجل، فيحتاط في غير المعلوم كعدم الأمن على ما مرّ، لكن الأظهر الأحوط تعيّن الجلوس مع عدم الأمن في الفرض، والاحتياط به مع الأمن حسبما يقتضيه الارتكاز المناسب لعورتيّة جميع بدنها، وأنّها الموجبة لتبديل الركوعين بالإيماء، لا خصوصيّة العورتين؛ ومع الدوران بين عورتيها سترت غير المستور بساتر مّا، ومع الاشتراك سترت القُبُل لأنه أفظع وكشفه أقبح.

وبالجملة، فالترجيح بحسب القاعدة بالجزئيّة والشرطيّة، وبثبوت البدل وعدمه، فيتعارضان في المورد.

ودعوى أنّ الترجيح بعدم البدل إنّما هو مع التساوي في الجزئيّة والشرطيّة، ومن سائر الجهات، معارضة بأنّ الترجيح بالجزئيّة إنّما هو مع التساوي في عدم البدل وفي سائر الجهات، وقد فرضنا أنّ الجمع بين الشرط والجزء غير ممكن، وكلّ واحد مقدور في نفسه. ومع عدم المرجّح ولو بسبب التعارض يحكم بالتخيير بحسب القاعدة بين الإيماء جالساً، أو الركوع والسجود، وقد احتملنا التخيير بحسب ما مرّ من الروايات بين الجلوس والقيام لغير الآمن، لإمكان التستّر في القدّام بكلّ من وضع اليد والجلوس لأجل الشرط والنظر، كما يتستّر الخلف بالإيماء من النظر وللشرط أيضاً، لكنّه في الجماعة حيث يأمن النظر إلى الخلف بوحدة الصفّ فيتمحّض الإيماء للستر الشرطي للخلف، كما في القائم الآمن، ويكون حكم الجالس الآمن هنا كحكم القائم الآمن مع الانفراد، كما أنّ الأمر بالركوع والسجود تحفّظ على الجزء.

فيمكن أن يكون الترجيح بالدليل الخاصّ في خصوص المأموم الجالس الآمن بوحدة الصفّ، ويمكن أن يكون الأمر بالسجود والركوع هنا تخييريّاً، وكذا ما في القائم من الإيماء المخصوص بالآمن، كما أنّ أصل جلوس الكلّ يمكن فيه التخيير في الأمر، وعلى تقدير تعيّن الجلوس يحتمل تعيّن الركوع والسجود الموافق لظاهر الأمر، وأن يكون إيماء القائم الآمن تخييريّاً، لأنّ الأمر لا يستفاد منه الإيجاب بعد الورود في مقام توهّم إيجاب الأصل وعدم جواز البدل، وإن كان أصل القيام على الآمن واجباً على الأصل. والخنثى المشكل يستر القبلين للمقدّمة، ولا يجب ستر غير العورتين دبراً وقبلاً للشكّ في كونه امرأة، تقتدي في الصلاة بالرجل وبمن يعلم أنّه مثلها في الواقع، لكنّها تعمل بالاحتياط لعلمها بتحريم نكاح النساء، وتحريم الكشف في النظر وفي الصلاة، فعليها الاحتياط. ولو لم تجد إلاّ ساتراً لواحد من الدبر أو القبلين، تستر باليدين أمكن، وبغيرهما في ما لا يمكن. ولو لم تتستّر للتعذّر بغيره، سترت ما يمكن معه من الركوعين، وهو الدبر على ما مرّ. ولو لم تتمكّن إلاّ من ستر واحد من الثلاث سترت الدبر أيضاً، لما مرّ، ولكونه متيقّن العورتيّة. ولو لم تجد إلاّ ساتراً لأحد القبلين ولا ساتر غيره، سترت القضيب عن المراة، والفرج عن الرجل، لو لم تتمكّن من سترهما بالجلوس وستر ما لا تتستّر به بذلك الثوب، وإلاّ تعيّن ذلك على الأظهر، وكذلك لو اجتمعا عنده، فإن فُرض عدم التمكّن منه، تخيّرت في ستر واحد من القبلين.

حكم جلوس المرأة عند فقد غير ساتر العورتين

وهل المراة إذا لم تجد إلاّ ساتر العورتين، عليها الجلوس في الصلاة مع الركوعين، لأنّ بدنها عورة، فكما تجلس للناظر لأقلّيّة الكشف عنه تجلس للصلاة لأقلّيّة الكشف فيها إجراءً لأحكام العورة؟

لا يخلو عن تأمّل، لأنّ تبديل القيام بالجلوس لا بدّ له من دليل مفقود في غير عدم الأمن من الناظر، كما دلّ في تبديل الركوعين بالإيماء مع الأمن من الناظر، والأحوط ارتكازاً لها الجلوس لو لم تجمع بين الصلاتين على الكيفيّتين، أعني القيام والجلوس. واحتمال التخيير فيه ـ لمكان أنّه لا بدّ له من الستر الشرطي للقبل إمّا بوضع اليد، أو بالجلوس، ولا يتعيّن الأوّل ـ يمكن دفعه بأنّه لا يوجب سقوط القيام. وإطلاقات الأمر بالجلوس  قد فرض تقيّدها بعدم الأمن، إلاّ أنّ الإيماء فيه للستر الشرطي للخلف. ويمكن فيه التخيير بينه وبين المحافظة على الجزء وهو الركوع والسجود، كما يمكن الأمر بهما في المأموم الجالس تخييريّاً، وإنّما يلتزم بالتعيّن للإيماء في حقّ المأموم إذا لم يأمن من النظر إلى الخلف حتى مع وحدة الصفّ، كما يلتزم به في الجالس المنفرد. ويمكن دعوى انصراف «الموثقّة» عن الفرض، ويبقى ما فيها من الأمر بالركوع والسجود. فيمكن أن يقال بأنّ المتيقّن أو المفهوم من الروايات السابقة خصوص المنفرد، كما أنّ «الموثّقة» في خصوص المأموم، فيتغاير الموضوع فيهما؛ وعلى تقدير استفادة العموم من الروايات السابقة  المجتمعة بما مرّ، فالموثقة مخصوصة بالجماعة، ويخصّص بها عموم الأمر بالإيماء، لستر الخلف شرطاً.

تعيّن الإيماء مع عدم الأمن

فتحصّل : أنّ إيماء المأموم الجالس مع عدم الأمن حتى مع وحدة الصفّ في خط واحد، هو المتعيّن، لانصراف «الموثّقة» عن ذلك، واقتضاء غيرها من العموم، أو ما يُلغى فيه الخصوصيّة للإيماء للستر النظري والشرطي للخلف؛ وأمّا مع الأمن فمع قيام الكلّ وأمن المأمومين من الخلف فالستر الشرطي مستفاد ممّا فيه الأمر بالإيماء على القائم الآمن بإلغاء الخصوصيّة، لكنّ الكلام في جواز القيام لأخصيّة «الموثّقة» من العمومات؛ ومع جلوس الكلّ فالموجب للركوع والسجود، وتقديم المحافظة على الأصل فيهما على رعاية الستر الشرطي، هو «الموثّق» الذي عمل بها مع ما مرّ من أخصيّة موضوعه من العمومات، أو المغايرة.

وما في صحيح «علي بن جعفر» من الإيماء على القائم الخاصّ بالمنفرد، أو العامّ له، تقديم لما ليس له البدل، وهو الستر الشرطي على الركوع والسجود، مع تقيّده بالأمن بسبب الروايات المفصّلة؛ فمع استفادة التعيّن في كلتا الطائفتين يتعيّن العمل بكلّ منهما في مورد، وأنّ غير الآمن من النظر إلى الخلف يؤمي إذا كان جالساً؛ فإنّه المتيقّن من حسن «زرارة»  بلا خصوصيّة للانفراد، فيختصّ ما في «الموثّق» بالآمن الجالس المأموم، بل لا خصوصيّة للمأموميّة، وإنّما العبرة بالأمن من النظر إلى الخلف دون القبل؛ فيجري فيمن جاز له الجلوس الساتر للقبل؛ فليس عليه تقديم الستر الشرطي على الركوع والسجود، بل يمكن إلغاء خصوصيّة الجلوس؛ فلو جاز القيام للإمام والمأموم، جاز للمأمومين الركوع والسجود مع الأمن من النظر إلى الخلف لولا المعارض للموثق، وكذا القيام الجائز للمنفرد؛ فيجوز معه في صورة الأمن من النظر إلى الخلف، أو مطلقاً مع التستّر بوضع اليد الركوع والسجود تقديماً للجزء على الشرط. والمستفاد من الصحيح في إيماء القائم بعد التقييد بالمفصّل، ترجيح الشرط الذي ليس له البدل على الجزء الذي له البدل؛ والتخصيص بالآمن القائم كتخصيص «الموثّق» بالآمن الجالس، لايخلو عن تأمّل، وإن انحفظ أصل القيام دون الركنين الآخرين في مورد «الصحيح»، وانحفظ الركنان دون القيام الركني في مورد «الموثّق»، لكن لازم التخصيص عدم جريان في صورة قيام الكلّ، وقد يستبعد ذلك. لكنّه لا ينبغي الإشكال في الجالس الآمن من النظر إلى الخلف في جواز الركوعين له، وفي القائم الآمن مطلقاً، أو من الخلف في جواز الإيماء له؛ وفي ما عدا الصورتين، فمقتضى القاعدة، التخيير بعد البناء على صحّة العمل من حيث القيام والجلوس، لعدم البدل للشرط وأهميّة الجزء الذي له البدل وعدم تعيّن الترجيح بشيء منهما، لأنّ إلغاء الخصوصيّة معارض بالمثل في الطائفتين المذكورتين، والفرق الثابت في «الموثّق» ذهب إليه جماعة، كما أنّ إيماء الجميع منسوب إلى جماعة ممّن تقدّم، وحيث إنّ العمل بالروايات، فلا اثر في الفتاوى في غير ما يفهم من الروايات، وفهم الإلزام منهما مشكل لما مرّ. وما عن «الذكرى» ـ من الإشكال في «الموثّق» بأنّه مع صدق المطّلع يجب الإيماء، ومع عدم صدقه يجب القيام ـ يمكن الجواب عنه بالأمن من النظر إلى الخلف في كلّ من القيام والجلوس في خطّ واحد، فلهم الركوع والسجود ترجيحاً للجزء على الستر الشرطي، وعدم الأمن من النظر إلى القبل، فلهم الجلوس للستر التكليفي والشرطي، كما لهم القيام مع قيام الإمام. وما أجاب به ـ من أنّ التلاصق في الجلوس أسقط اعتبار الاطّلاع بخلاف القيام ـ مخدوش بما عرفت.

فيمكن أن يقال بعد ملاحظة مجموع الروايات في غير المعنون بالجماعة، مع «الموثّق» المختصّ بالجماعة؛ وبعد ملاحظة أنّ الإيماء ليس إلاّ لستر الخلف عن النظر وللشرط، أو لخصوص الشرط؛ وأنّ الجلوس ليس إلاّ لستر القبل الذي يخلفه وضع اليد، وأنّ روايات التفصيل لا بدّ من التقييد بها للمطلقات؛ وأنّ جلوس المنفرد ليس إلاّ لعدم أمنه من النظر إلى الخلف، ومثله جلوس الإمام والمأموم؛ وأنّ الوظيفة في صورة عدم الأمن من النظر إلى القبل هو الجلوس المبيّن في الجماعة؛ وأنّه يمكن الاستغناء عنه بوضع اليد للمجتمع والمنفرد، فيقوم الجميع مع وضع اليد الساترة للقبل، وفي صورة الأمن من النظر هو القيام المصرّح به في صحيحة «علي بن جعفر» المطلقة، وفي روايات التفصيل؛ وأنّ القيام حينئذٍ لستر الخلف شرطاً؛ وأنّه لا فرق بين القيام والجلوس في صورة الأمن من النظر إلى الخلف في أنّ الإيماء لترجيح الشرط، والركوع لترجيح الجزء من دون تكليف بالنظر وحكمه؛ وأنّه لو لم يجب وضع اليد على القائم، لما جاز له ترك الركوع والسجود بالإيماء لستر الخلف مع الأمن؛ وأنّه لا بدّ من تسويغ الإيماء للآمن من النظر إلى الخلف القائم للصحيحة بعد التقييد بما فيه التفصيل،ومن تسويغ الركوع والسجود للآمن من النظر إلى الخلف مع الجلوس؛ ويحتمل التعيين لما مرّ في الموردين كما هو ظاهر الأمر في المقامين، ويحتمل تخيير كليهما بين الأمرين مع إلغاء الخصوصيّة للقيام في الأوّل، والجلوس في الأخير، كما يتعيّن الإيماء على غير الآمن من النظر إلى الخلف، كان جالساً، كما وقع في ما يستفاد من صحيح «زرارة»، أو قائماً إن سوّغنا القيام له مع وضع اليد للنظر وللشرط. وعليه، فالاحتياط للقائم الآمن من النظر إلى الخلف في الإيماء،وللجالس الآمن من النظر إلى الخلف في الركوع والسجود، وفي المقامين،محافظة على بعض أصول الصلاة، والفرق بين الآمن من النظر إلى القبل وغيره فياختيار الأوّل للقيام مع وضع اليد واختيار الثاني للجلوس، وأنّه لا أثر للجلوس إلاّ ستر القبل للنظر، أو للشرط، أو لهما كما في غير الآمن، وأنّه يُلغى خصوصيّة الجماعة مع عدم الأمن من النظر إلى الخلف، فيُعيَّن الإيماء حينئذ للمنفرد كما يتعيّن للإمام، كما أنّه على تقدير جواز الجماعة مع القيام يمكن لحوق المأموم بالآمن المنفرد من النظر إلى الخلف فيؤمي مع وضع اليد،ويمكن لحوقه بالمأموم الجالس الآمن من النظر إلى الخلف فيركع ويسجد، ويختلف ذلك باختلاف المبنى في الإيماء للقائم والركوع للجالس مع أمنهما من أنّه على التعيين أو التخيير.

والأظهر جواز ترجيح الستر الشرطي بالإيماء لكلّ آمن من النظر إلى الخلف مع قيامه الجائز، كما إذا جوّزنا القيام للجماعة متستّرين باليد فقاموا كذلك، فلهم الإيماء للركوع والسجود، وفيه إلغاء لخصوصيّة الانفراد للقائم، وترجيح الركوع والسجود لكل آمن من النظر إلى الخلف مع جلوسه الجائز، كما إذا جلس المنفرد لعدم الأمن من القدّام، وكان آمناً من النظر إلى الخلف، فله أن يركع ويسجد، وفيه إلغاء لخصوصيّة الجماعة لصراحة صحيحة «عليّ بن جعفر» بعد التقييد بروايات التفصيل،وصراحة«الموثّق»في كلّ واحد من الأمرين على الترتيب. ويبقى الكلام في تعيين ذلك في غير ما ذكر فيه اللحوق، أعني مورد الروايتين في المقامين، مورداً للتردّد والاحتياط كما مرّ. 

تفصيل من «الجواهر» في المقام والملاحظة فيه

وأمّا ما في «الجواهرالكلام، ج 8، 210.»  من الفرق في المنفرد بين الجالس الغير الآمن فيؤمي، ترجيحاً للستر النظري على الركوعين؛ والقائم الآمن، فيركع ويسجد، ترجيحاً لهما على الستر الشرطي الساقط بالتعذّر، [فيمكن [الاستدلال له في الأوّل بحَسَن «زرارة»وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلّي، الباب 50، الحديث 6. بعد حمله على غير الآمن.

وقد استدلّ للثاني بالأصل المقطوع بصحيح «علي بن جعفر» بعد التقييد بروايات التفصيل؛ وبخبر «الحفيرة» بناء على عدم كونها ممّا يتستّر بها، وإن ذكرها لانتفاء غير مثلها كما هو الغالب في مفروض السؤال؛ وبناء على اطّراد القيام فيها؛ أو أنّ ترجيح الركوعين على الستر الشرطي مطّرد مع الأمن من النظر،] سواء [كانت الوظيفة في القيام، أو الجلوس الواقع في «الموثّق»

لكن دلالة «الصحيح» على جواز الإيماء مع الأمن، تصرّف عن دلالة «الخبر» على وجوب الركوعين مع الأمن وكذا لا دلالة للموثّق على تعيّن الركوعين، كما لا دلالة له على تعيّن الجلوس حتّى مع قيام الإمام وإيمائه، فلهم الإيماء قائمين في الفرض، كما في المنفرد بحسب الصحيح المتقدّم. ويمكن أن يجوز لهم الإيماء جالسين مع الإمام ترجيحاً للستر الشرطي، كما في «الصحيح» بعد استفادة الاعتبار بالدوران بين الشرط والجزء. واستدل جواهر الكلام، ج 8، ص 210.ّ  أيضاً بأنّ المسوغ للقيام مسوّغ للركوعين، لعدم الفرق في مسوغيّة الأمن بينهما وبين القيام، فإذا ترجّح القيام على الشرط ترجّحا عليه، وإنّما يترجّح الستر عن النظر المفقود مع الأمن؛ فالمحافظة على القيام، لسقوط الشرط حيث لا يمكن الجمع بينهما، فكذا يحافظ عليهما، فيسقط الشرط، حيث لايمكن الجمع مع اشتراكهما في الأمن من النظر. ودعوى الفرق بإمكان الستر الشرطي مع القيام بوضع اليد دون الركوعين لانكشاف الخلف فيهما لا محالة، مدفوعة بعدم وجوب وضع اليد، كما هو ظاهر النصّ والفتوى، مع أنّه على تقدير وجوبه لا محلّ للتفصيل بين الأمن وعدمه، لاطّراد الأمن المقتضي للقيام مع وضع اليد. انتهى بتوضيح. وفيه أنّ مسوّغ القيام لحصول الستر النظري، بالأمن؛ والشرطي، بوضع اليد، ولا يجري في الركوعين، ولا في غير القيام مع الإيماء، لعدم انحفاظ الستر الشرطي في الخلف، وعدم التصريح بوجوب وضع اليد لوضوحه، ولأنّه لولا جواز ترجيح الستر الشرطي على الركوع، لما سوّغ الإيماء في «الصحيح»، وليس تصريحاً ولا ظهوراً في عدم الوجوب، بل يظهر الوجوب من تجويز الإيماء، أو إيجابه للستر الشرطي للخلف، المشارك للقابل في الشرط كالنظر. كما ليس في «الموثّق»، على أنّ مسوِّغ الركوعين الأمن الحاصل في صلاة القائم أيضاً، فلعلّه الأمن مع التنزّل من القيام إلى الجلوس، مع أنّه لو كان هو الأمن فلادليل على تعيّن الركوعين مع الأمن النسبي من النظر إلى الخلف حتى في حال القيام إلاّ بالإطلاق القابل للتقييد بما في «الصحيح». والالتزام بتعيّن الإيماء مطلقاً على القائم الآمن من الخلف، والركوعين على الجالس الآمن من الخلف كتعيّن الإيماء على غير الآمن، إذا كان جالساً، منفرداً كان كما في حسن «زرارة»، أو إماماً كما في «الموثّق». وأمّا «المرسل» في الحفيرة، فيمكن منع إفادته للحكم في القائم الآمن، لأنّ الغالب في مثلها عدم التمكّن من القيام، كما أنّ الظاهر هو الأمن بسببها، فعليه يكون، كما في الماموم الجالس خلف الإمام الجالس، في أنّه يركع ويسجد، ولا دلالة له على كفاية الأمن ولو في حال القيام في تعيّن الركوعين، فلعلّه مقيّد بعدم القيام، ولعلّه يجمع بين «الخبر» وما في صلاة العُراة جماعة، وبين ما دلّ على إيماء القائم الآمن بتعيّن الإيماء مع القيام والأمن، والركوعين مع الجلوس والأمن، وإطلاق ما في «المرسل» لقيام الآمن يمكن تقيّده بما دلّ على إيماء القائم مقيّداً بما دلّ على أنّ غير الآمن لا يتعيّن، أو لا يجوز له القيام. ومطلقات الأمر بالجلوس مقيّدة بما دلّ على أنّ الآمن يقوم وغيره يجلس، وإطلاق أدلّة الإجزاء معارَض بإطلاق دليل شرطيّة الستر، وتقدّم الجزء غير مسلّم في صورة ثبوت البدل له دون الشرط. وكفى بإطلاق دليل الشرطيّة، أعني الإجماع المنقول المؤيّد باستفادة الوضع من روايات الصلاة في الستير ، وبالارتكاز المتقدّم، دليلاً لكون الستر بمعنى الإخفاء عن الناظر التقديريّ بأيّ آلة كان، وإنّما ذكر القميص ونحوه لمكان التعارف، فإنّ العاقل المتمكّن لا يتستّر بغير الثياب، كما لا يتحفّظ عن البرد بغيرها. ومنه يظهر أنّه لا حاجة إلى الشهرة في العمل بالصحيح ونحوه، مع أنّ منع الشهرة في غير محلّه، فإنّ الاختلاف في إطلاق القيام أو الجلوس لا ينافي الاتفاق على الإيماء للستر الشرطي وهو المقصود؛ وأمّا موافقة كلّ في القيام أو القعود، فليست لازمة مع وجود روايات التفصيل التي لا شهرة على خلافها.

فتحصّل ممّا قدمناه: أنّ الفرق بين القيام والقعود، ليس إلاّ في ستر القبل وعدمه؛ فالآمن من النظر إلى القبل يقوم، كما أنّ غير الآمن منه، يجلس فيستر قدّامه بالجلوس، وحيث لا يتعيّن ستره به، أمكن كونه مخيّراً بينه وبين القيام مع وضع اليد؛ كما أنّ الفرق بين الإيماء والركوعين في انكشاف الخلف وعدمه، فالآمن من النظر إليه له أن يركع ويسجد، كما وقع في «الحفيرة»، وفي المأموم، فيرجّح الجزئين على الستر الشرطي، كما له أن يؤمي ويرجّح الستر الشرطي على الجزئين، كما في صحيحة «علي بن جعفر» بعد تقييد ما فيه من القيام بالأمن؛ كما أنّ الجالس لعدم أمنه مطلقاً يؤمي ويرجّح الستر النظري والشرطي، ومثله الإمام المفروض في «الموثّق». وعليه، فيجوز للآمن المطلق، القيام مع وضع اليد للشرط والإيماء، لترجيح الشرط على الجزء؛ كما يجوز له الركوع، لترجيح الجزء لو عمل بمرسل «الحفيرة»، ومثله المأموم في «الموثّق»؛ كما أنّ غير الآمن مطلقا يجلس ويؤمي، ومنه الإمام المفروض، في «الموثّق». وتعيّن الجلوس على غير الآمن نسبيّاً إلى القبل مع إمكان التستّر بوضع اليد قائماً، محلّ التأمل.

وعلى أيّ، فالآمن المطلق، لا ينبغي الاستشكال في جواز أو وجوب القيام له مع الإيماء وستر القبل باليد عملاً بروايات التفصيل مع صحيحة «علي بن جعفر» وما يستفاد من الفحوى فيها، فإنّ الإيماء للدبر كالوضع للقبل، فإذا جاز الأوّل أو وجب وإن أسقط الجزء، جاز أو وجب الثاني الذي لا يسقط شيئاً. وأمّا مضمر «سماعة» فأضبطيّة «الكافي، ج 3، ص 396، الرقم 15.» ترجّح القعود إذا لم يروه في «التهذيب، ج 2 ، ص 223 ، الرقم 881.» عن «الكافي» أيضاً. وعلى أيّ، فعلى تقدير القعود تكون كحسن «زرارة» مقيّدة بروايات التفصيل، وكذا على تقدير القيام؛ فلا أثر لها إلاّ تأييد إحدى المعتبرتين في القيام أو القعود. وكذا لا ينبغي الاستشكال في أنّ غير الآمن المطلق، يجوز له الجلوس مع الإيماء، أي لستر القبل بالجلوس وستر الدبر بالإيماء، والإمام في «رواية الجماعة» كالمنفرد الغير الآمن المطلق؛ كما أنّ المأموم آمن نسبيّاً إلى الخلف غير آمن نسبيّاً إلى القبل، فله الجلوس للثاني، وله الإيماء على القاعدة وللموثّق للأوّل، ويبقى غير هذه الأعمال والكيفيات مورداً للتأمّل.

وممّا قدمناه يظهر وجه النظر في ما أفاده في «الجواهر الكلام، ج 8، ص 217، و صفحات قبلها.» ثمّ لحقه في المحصّل : «إنّ ما يمكن دعواه أحد أمور أربعة: الأوّل : ـ وهو الذي جعله أقوى القولين ـ سقوط الستر للصلاة وبقاؤه من حيث النظر، فمع عدمه يأتي بالصلاة تامّة، ومع وجوده ينتقل إلى الأبدال...». وفيه أنّ سقوط الشرط إن كان للقاعدة، فلا بدّ له من دليل، لأنّ المفروض التمكّن من رعايته في نفسه. و إنّما يزاحمه رعاية الجزء الذي له بدل؛ فالقاعدة تقتضي التخيير، لا تعيّن الركوعين على الآمن، مع أنّ «الصحيح» قد دلّ على ترجيح الستر الشرطي جوازاً أو وجوباً، فلا طريق إلى تعيين الخلاف.

وأمّا الثاني جواهر الكلام، ج 8، ص 217 و صفحات قبلها .الذي جعله عبارة عن سقوط الشرط مع التعبّد بما فيه التفصيل، وإلزام الركوع والسجود في الحالين، وقد مرّ أنّه على القاعدة مع التأمّل في الالتزام، والقطع بعد ابتنائه على السقوط، وكيف يلتزم بالسقوط وإيجاب الإيماء على الآمن أو تجويزه، مع أنّه يشتمل على إسقاط الركوعين بلا مزاحم؟ فهل يكون إلاّ تعبّداً في قبال العلم؟ ولا نعلم من صرّح بهذا الوجه مقرّاً بأنّه تعبّد محض، مع أنّه لا شرط في حقّ العاري الآمن، ولا بد من إسقاط هذا الوجه الثاني عن الوجوه الممكنة المناسبة. وأمّا الثالث المشتمل على نفس الكيفيّة في السابقين مع التفصيل بين العورتين، فيجب سترهما نظراً وشرطاً في الجلوس، وبين خصوص الدبر، فلا يجب إلاّ سترها شرطاً في القيام والركوع والسجود، يعني الإليتين في الأوّل، وبالإيماء في الأخيرين، وهذا تفكيك بين العورتين في الشرطيّة، ولازم انتفائه جمعها في الشرطيّة، لا في سقوط الشرطيّة، كما فعله قدس سره  مع أنّه خلاف المفهوم من الأدلّة، لكفاية المحافظة على الستر الشرطي بإيماء القائم دليلاً على لزوم الستر الشرطي بوضع اليد على القبل، والسكوت عنه لوضوحه، لا لوضوح عدمه أو لعدم لزومه؛ مع أنّ وضع اليد له أحكام الستر النظري والشرطي بمقتضى الرواية وهي خبر «أبي يحيى الواسطي» : «والدبر مستور بالإليتين؛ فإذاسترت القضيب والبيضتين، فقد سترت العورة»، فمهما كان الستر شرطاً، كان وضع اليد محقّقاً له.

ثمّ إنّ المرأة الآمنة ليست كالرجل، فهل عليها الجلوس للستر الشرطي في ما لا يستره الإليتان ووضع اليد، أو أنّها بالخيار بين الستر الشرطي والقيام؟ مقتضى القاعدة مع عدم ذكر خلافها في النصوص، الثاني.

ثمّ إنّ لازم ما اختاره في «الجواهر الكلام، ج 8، ص 217.» هو أنّ الشرطيّة مقصورة على التمكّن من الستر بغير البدن، فالعاري لا شرطيّة في حقّه مع الأمن، ولذا بنى على وجوب الركوعين عليه؛ وأمّا غير الآمن، فحيث إنّه مكلّف مطلقاً بالستر فما كان واجباً تكليفاً في حقّه فهو شرط في صحّة صلاته، فيجب الجلوس والإيماء عليه، منفرداً كان أو إماماً؛ وأمّا المأموم، فحيث إنّه متمكّن من الصلاة خلف الإمام، ومتّصلاً بالمأموم الآخر لو كان، وفي صفّ واحد فهو آمن من جهة، وغير آمن من جهة، فيجلس لعدم أمنه في قبله، ويركع ويسجد لأمنه في دبره، كما يركع القائم الآمن عنده، وقد مرّ توجيه خلافه؛ إلاّ أنّه على تقديره فيدور الشرطية للعاري مدار التكليف المقصور على صورة الناظر المحترم، فلا يحتمل العموم لمطلق الناظر، إذ لا يحتمل التكليف كي يحتمل الوضع.

وكلامه قدس سره هنا لايأبى عن سقوط الشرط للعاري وبقاء الستر النظري مع عدم الأمن فيُسئل عن الدليل على البطلان مع المخالفة بالتكشّف مع عدم الأمن، إذ لا يوجب النظر إلى الأجنبيّة، البطلان، خصوصاً بناء على اختيار عدم البطلان في سائر موارد اجتماع الحرمة والوجوب.

وأمّا على ما مرّ من أنّ المستفاد من روايات التفصيل وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلّي، الباب 50.  المعتبرة للأمن في القيام ولعدمه في الجلوس، بضميمة المرتكز من لزوم التحفّظ عن التكشّف المحرّم للأجنبي تكليفاً ووضعاً، إنّ إناطة صلاة خاصّة بالغير وجوداً وعدماً لا يفهم منها إلاّ إرادة الناظر المحترم، وغيره، فوجوده وعدمه سواء في صحّة الصلاة وعدمها، وكذا رؤيته وعدمها، فعموم اللفظ لا يُعبأ به مع ارتكاز الخصوص.ثم إنّ صحة الصلاة مع الركوع مثلاً مع التوظيف بالإيماء، أو بالعكس وعدمها، مبنيّة على اختيار التجويز الملازم للوجوب التخييري، أو العزيمة والإيجاب. وورود الأمر والنهي في مقام توهّم وجوب الضدّ ربّما يمنع عن الجزم بالوضع والتعيين، مع أنّه ربّما يجمع بين الروايات المتخالفة بالحمل على التخيير ولو كانت النسبة عموماً مطلقاً، إلاّ أنّه لا يخلو عن بعد، فإنّ الالتزام بالتكليف والتخصيص أقرب من العموم مع رفع اليد عن الإطلاق المقتضي للتعيين، أو رفع اليد عن الظهور في الوجوب، خصوصاً مع تأكيد الأمر بالنهي في حسن «زرارة»  وأمّا عذريّة الجهل بالحكم أو النسيان، فمبنيّة على شمول «لا تعاد»  وليس بكلّ البعيد على إطلاقه.

 

حكم نسيان إيماء الركوع

ولو تذكّر بعد الركوع ولو بعد السجود بناء على التعيين، فلا مانع من الإيماء، لعدم الاعتداد بما قدّمه. والزيادة المبطلة إنّما هي في الركوع مثلاً مع التوظيف بالأصل، لا مطلقاً؛ ومبطليّة العمد لو سلّمت ليست للزيادة، وأمّا الإيماء فلا دليل على مبطليّة زيادته. والبدليّة في تتميم الصلاة أعمّ من المحكوميّة بجميع أحكام المبدَل التي منها البطلان بالزيادة والنقيصة ولو لا عن عمد؛ وكذا لو نسي إيماء الركوع حتّى دخل في إيماء السجود إلاّ إذا تذكّر بعد الإيمائين للسجود، فإنّ تدارك إيماء السجود بعد إيماء الركوع مستلزم للزيادة العمديّة المبطليّة للإيماء، لا أنّه بحكم زيادة السجود فتبطل ولو سهواً.

كيفية الإيماء والركوع والسجود في صلاة العاري

ثم أنّ الظاهر أنّ الإيماء هنا بالراس، ولعلّه المفهوم من الإيماء غير مقيّد بالعين، ويمكن استفادته من مناسبة الحكم والموضوع، فإنّ الركوعين للتعظيم، فالمناسب في البدل الدلالة عليه، وهي مع الإمكان في الإشارة بالرأس، وحكى ذلك عن نصّ الأصحاب في «الجواهر الكلام، ج 8، ص 200.»  ومنه يظهر إمكان فهم اعتبار الأخفضيّة للسجود من إيماء الركوع، كما حكى نسبته إلى الأصحاب في «الذكرى» ودلّ عليه خبر «أبي البختري»  فيمكن انجباره بالعمل في هذه الجهة. والظاهر منه وممّا قدّمناه أنّ ذلك معتبر في الفرق بين الإيمائين حيثما كان التوظيف بهما، بلا فرق بين الجلوس والقيام إلغاءً للخصوصيّة بالمناسبة المتقدّمة. وحيث إنّ المستند للإيماء روايات المقام ، وهي لا تدلّ على أزيد من الإشارة بالراس، فلا وجه للزوم الانحناء إلى ما لم يبلغ حدّ الراكع والساجد أو كشف العورة، لأنّ دليله «قاعدة الميسور» بناء على صدقه على الانحناءات المنتهيّة إلى الركوعين، وإن كان لا يخلو عن تأمّل في غير تقدير دخول الانحناءات في مفهوم الركوع والسجود، وكونها من المقدّمات الخارجيّة لا الداخليّة حيث لا يصدق الميسور حينئذٍ على المقدّمات، بل على المقوّمات فقطّ. كما أنّه على تقدير القول وتماميّة الاستناد، فالظاهر سقوط الفرق، ولزوم آخر ما يمكن في الركوع، فلا محلّ للأخفض في السجود، واستفادة اعتبار الأخفضيّة ممّا ورد في البدل تعبّد لا يتعدّى منه، كما لا محلّ للأخفضيّة في ما بين نفس الركوع والسجود لعدمهما فرضاً.

 

عدم وجوب واجبات السجود ما سوى الإيماء

ثمّ إنّ الظاهر على تقدير عدم وجوب ما سوى الإيماء، عدم وجوب واجبات السجود من وضع المساجد على الأرض، لعدم الدليل على الوجوب في غير السجود، وعدم إفادة البدليّة وجوب واجبات السجود في البدل، وإنّما يحتمل ذلك بناء على وجوب الانحناء وكونه من المقدّمات الداخليّة المستلزمة لكونها مرتبة من السجود، مع إمكان منع الاستلزام؛ وإنّما الواجبات، في حال السجود بما له من الانحناءات المنتهية إلى وضع الجبهة؛ فوجوب غيره لا يستلزم وجوب سائر الواجبات في السجود مع ذلك الغير، إلاّ إذا علم أنّ ذلك سجوده عند عدم التمكّن من سجود المختار، فيجب عليه ما يجب عليه في السجود، حتّى رفع ما يسجد عليه من الأرض إذا لم يُخلّ بوضع اليد الواجب، وإلاّ أمكن التخيير. وتقديم الأصل الاختياريّة لا يستلزم ترجيح غيره ممّا يشبهه في الصورة، بل في وجوبه مع عدم صدق السجود تأمّل.

وبالجملة، فمع وجود إطلاق وجوب الإيماء بالدليل ـ كما في المقام ـ لا محلّ لهذه الواجبات، لعدم الدليل، وعدم الفهم من أدلّة الإجزاء بضميمة «قاعدة الميسور» لوجود الدليل الخاص بالمقام.

ومنه يظهر : أنّ محلّ سائر الواجبات إنّما هو الالتزام بوجوب الممكن من الانحناء، كما في المريض، مع عدم دليل على وجوب الإيماء عليه، لا مثل المقام.

وجدان الساتر في الأثناء

ولو وجد الساتر في الأثناء ولم يتوقّف التستّر على المنافي، تستّر به وأتمّ، للعمل بوظيفة العريان في ما مضى في ما يجوز فيه البدار والتستّربقى، والعفو في الأثناء على ما مرّ من التعبديّة، وأنّ عدم العلم لمكان عدم التمكّن من الامتثال للأمر بتحصيل الشرط، وأنّ غير المتمكّن كالجاهل بمناسبة الحكم والموضوع.

وهل العبرة بالتمكّن من الستر بلا منافٍ ولو كان هو الفصل الطويل بين الأجزاء ولو كان جزءاً واحداً، كما هو الظاهر من «الجواهر الكلام، ج 8، ص 203. »، أو بأطوليّة زمان الصلاة بلاستر مع عدم الاشتغال بالتستّر منها مع الاشتغال بالستر؛ فلا ستر على من لو اشتغل بالتستّر كان عارياً في دقيقتين، ولو لم يشتغل كان عارياً في دقيقة، لقلّة الأجزاء الباقية، وعدم اختصاص الشرط بنفس الأجزاء، بل يعمّ الأكوان المتخلّلة، كما لعلّه المراد من المحكي عن الكشف؟ وجهان، لا يخلو ثانيهما عن رجحان، لكنّه مع ملاحظة تحقّق المنافي وعدمه يلاحظ طول زمان التكشّف وقصره أيضاً. وإن توقّف على فعل المنافي ولم يتمكّن من الصلاة مع الستر ولو بركعة في الوقت، أتمّ صلاته. وإن تمكّن فهل يستأنف، أو يستمرّ؟ يمكن للمختار التخيير، للدوران بين الأخذ ببدليّة وقت الركعة مع الحفظ على الستر، أو بالأبدال في صلاة العاري مع المحافظة على وقت الركعات كلّها، كالدوران بين ركعة مع المائيّة، وأربع مع الترابيّة على ما وجّهنا في محلّه فيه من التخيير بين إعمال السببين. وحيث إنّ القاعدة تقتضي التخيير، فيتعيّن أحد الطرفين بالنهي عن الإبطال  سورة محمّد (ص)، الآية 33. وليس بطلاناً وإلاّ لما كان مخيّراً لولا النهي عن الإبطال.وأمّا الترجيح بنفس البدليّة وانحصارها في الوقت الاضطراري، ففيه أنّ البدليّة للإيماء والجلوس عن الركوعين والقيام مع المحافظة على الشرط أيضاً ثابتة، والترجيح بين البدلين بلا مرجّح، إلاّ على ما مرّ. والمناقشة في استصحاب جواز الاشتغال بالصلاة، أو حرمة القطع بتغيّر الموضوع، أعني التمكّن من الستر، وعدمه، فيمكن دفعها بأنّ المفروض عدم إيجاب التمكّن للتكليف، وإلاّ لم يجز البقاء؛ فالمدّعى وجوب البقاء بتحريم القطع بدليله؛ ولولاه، بالاستصحاب إذا شكّ في إيجاب التمكّن للتعيين لتعارض جعل البدليّة في الطرفين إذا لم ينته إلى التخيير. و منه يظهر الجواب عمّا قيل من أنّ المحقَّق بطلان لا إبطال ممنوع. لو صادف وجدان الساتر في الأثناء العلم بوجدانه في ما سبق  ولو صادف حصول الستر العلمَ بوجدانه في ما سبق من أجزاء الصلاة، زاد على ما مرّ في وجه البطلان كون الأمر خياليّاً لا واقعيّاً، فلا يجزي من هذه الجهة، لا من جهة عدم إجزاء الأمر الاضطراري أو الظاهري لا فرض الأخير.

إلاّ أن يقال : إنّ غير المعلوم كغير الموجود في عدم إمكان الستر، فيجزي ما سبق فعله بملاك الجهل بانكشاف العورة في عكسه، أي الجهل بوجود الساتر، فعلى المولى الأمر بهذه الصلاة، أي صلاة العاري ما دام جاهلاً بموضوع الساتر، ولايمكن أمره بالتستّر مع ذلك، فعدم إجزاء الأمر الخيالى بأصله لايجرى في المقام. وأمّا دفع ذلك بظاهر النصوص والفتاوى كما في «الجواهر الكلام، ج 8، ص 203.»  فيمكن المناقشة فيه بورودها في العاري المعلوم كونه عارياً، أو المظنون بالظنّ المعتبر بعدم الساتر، لا الأعمّ من واجد الساتر واقعاً مع اعتقاد عدمه. 

إشارة إلى التمكّن من التستّر مع الوقت الاختياري

وظاهر التردّد في صورة التمكّن من الوقت الاضطراري مع الساتر أنّه يستمرّ أو يستأنف، التسلّم على الاستيناف في صورة التمكّن من التستّر مع الوقت الاختياري كاملاً.

ونفى عنه الريب في «الجواهر» في البطلان والاستيناف، ولعلّه لمكان عدم الاضطرار إلى الصلاة بلا ستر، إلاّ في خصوص ما تلبّس به ممّا يتوقف التستّر فيه على المنافي، والمرفوع إنّما هو الاضطرار إلى ترك طبيعة الستر في طبيعة الصلاة، لا في صلاة خاصّة؛ وهذا بخلاف السهو والنسيان لتعلّقهما بالطبيعة ولو في زمان خاصّ، وينتقض بوجدان الساتر بعد الفراغ، فإنّ متعلّق الاضطرار الصلاه الخاصّة بلا ستر دون الطبيعي، فلا فرق بينه وبين الوجدان في الأثناء في تعلّق الاضطرار بالصلاة الخاصّة المتلبّس بها على وجه مشروع بناء على جواز البدار، أو فرض العلم بعدم الوجدان إلى آخر الوقت مع انكشاف الخلاف في الأثناء.

نسيان التذكّر والتذكّر في الأثناء  وكذا الحال في النسيان والسهو إذا علم وتذكّر في الأثناء ولم يمكن التستّر إلاّ بالقطع، في أنّه يستمرّ ويصلّي صلاة العاري وإن كان قبلُ وكان صلاته صلاة المختار، أو يقطع ويستأنف صلاة المختار؟ وعلى الأوّل يرتفع شرطيّة الستر الخاصّ بالمختار، ويصلّي صلاة العاري في الاستتار باليد والإيماء أو الجلوس، مع أنّه متمكّن من الساتر لا في شخص هذه الصلاة.

التستّر من تحت

وهل يجب التستّر من تحت؟ لا إشكال في العدم، لاستمرار السيرة على الاكتفاء بالصلاة في القميص الساتر الكثيف، وفيه ما لا يستر من تحت كما هو ظاهر، بل ولا من الفوق كالجيب الواسع.

ويمكن أن يقال ـ بعد موافقة النصوص لما قدّمناه للتعبير بالقميص ونحوه ـ : إنّه لا إشكال في أنّه مع اللباس الساتر للعورتين على المتعارف، كان اللابس على اختلاف الأصناف يدخل في المجامع، ويصلّي جماعة وفرادى في ما بينهم، وما كانوا يعيبون فيه مع اختلاف أشخاص القميص والإزار في الطول والقصر، وفيه العتيق ما فيه خرق وثقب بحيث لو تأمّل متعمّد لرأى العورتين، لا مع عدم التعمّق كما هو المتعارف.

ومنه يظهر أنّ الكافي للستر النظري كافٍ للستر الشرطي، لا للملازمة بينهما، فإنّ الافتراق من الطرفين ثبوتاً وإثباتاً، والدليل على الشرطيّة الإجماع المنقول، وما يوافقه من إطلاقات النصوص المستفاد منها الوضع، فيشترط في الخلوة ما لايحرم معه التكشّف، بل الحرمة على ما ذكروه لا تلازم البطلان هنا ولا في غير المقام، وقد لا يحرم ما يبطل لبسه كغير المأكول، وتبطل الصلاة عارياً في الخلوة مع المكنة. بل لمكان أنّ الكافي في الدخول في الجامع، كافٍ للصلاة، ولو لم يكن كافياً، لكان ما يَنبِّه عليه، فالتستّر من تحت أو من فوق شرطيّاً، كالتستر تكليفاً. بل لو فرض الناظر من تحت مع أنّ القميص الساتر في المتعارف يكتفي به في الصلاة، فالزائد فيه هو التحريم الغير المستلزم للبطلان، وكذا الجيب الواسع، وأمّا مع عدم الناظر فلا حرمة ولا بطلان؛ فالقول في الموردين بالبطلان ولو احتمالاً لايجتمع مع الجزم بعدم استلزام التحريم للبطلان، وبعد لزوم أزيد من إزار أو قميص ساتر للعورتين لتحصيل الشرط. وكأنّ تسلّم الحرمة مع الناظر مع تخيّل أنّ الظاهر كليّة الشرطية مع التحريم أوجب هذا، مع التفرّع منهم بعدم وجوب التستّر من تحت شرطاً، فإن كان كذلك، فهو على ذلك حتّى مع الناظر، لأنّه لا يرتبط للشرطيّة ولا يزيد في الشرط.

نعم، مرّ إمكان استفادة مبطليّة ما يحرم لبسه ممّا ورد في لبس الذهب من التعليل ، وعلى تقديره يمكن تعدية العلّة إلى الهيئة التي يحرم بها كالعرى اختياراً عند الأجانب، ومثله كون اللباس بحيث لا يستر من غير جهة تعارف النظر، فتبطل الصلاة كذلك، ولو لم يكن دليل آخر على الشرطية، ويكون التكشّف من تحت أو فوق مبطلاً، لأنّه محرّم، لكنّه منحصر في صورة وجود الناظر.

التستّر عن النفس

وأمّا التستّر عن النفس فهو أمر عسر جدّاً مع تعارف القصر في القميص والإزار ووسعة الجيب، فليس عدم إناطة الشرط بالحرام دليلاً للإبطال في المقام حتّى يكون مثل التكشّف لدى الزوجة؛ فإنّه سائغ مبطل.

وممّا ذكرناه يظهر وجه النظر في ما نقله في «الجواهرالكلام، ج 8، ص 204 ـ 205.» ، وفي ما ذكره ردّاً على «الاستاذين» فإنّ إطلاق الصلاة في القميص مع اختلاف المتعارف منه ذيلاً وجيباً لا يعرف عنه باشتمال بعض الصور على الحرام الذي لا يرونه مبطلاً. وأمّا ما ذكره من نفي الخلاف في ما لو صلّى في ثوب واسع الجيب تنكشف به عورته عند الركوع في البطلان إذا لم يتدارك عمداً قبل الركوع وكذا نسياناً؛ فلو ركع فانكشفت عورته، بطلت الصلاة من حين الركوع، لا من الأوّل، فالمأموم ينفرد في الفرضين، فالظاهر عدم المستند للأصحاب غير الأدلّة المذكورة، وقد عرفت عدم دلالتها، مع زيادة أنّ النسيان يمكن إلحاقه بالجهل لولا أنّ النسيان أيضاً مرفوع، فعليه التستّر بعد التذكّر في الركوع إن تذكّر فيه.

ما يكفى من الساتر وشرط الاتصال في الستر الصلاتي

وقد ظهر ممّامرّ كفاية التستّر بكلّ ساتر حتى شعر الراس واللحية، نعم يشكل فيهما تحقّق الشرط لمكان الانفصال عن المستور؛ ففي فرض الانكشاف بسعة الجيب حال الركوع فقطّ وانسدال الشعر على العورة في الركوع لا تحريم مع الناظر، ولا بطلان مع عدمه، ولا مع وجوده على تأمّل لمكان الانفصال. ولا دليل على لزوم التستّر بالثوب. وما يستفاد منه الوضع في الصلاة في القميص إنّما يراد به وحدة اللباس، وعدم لزوم التعدّد في الألبسة المتعارف لبسها في جميع الأحوال التي منها الصلاة، وأمّا لزوم لبسها فليس المقام مقام بيان ذلك، ولا يفهم ورود السؤال في ذلك حتّى يستفاد من الجواب عدم كفاية التستّر بالنورة مثلاً في الصلاة. وعليه، فلا فرق بين الخرق والتستّر باليد ولو لم يكن جامعة للثوب، بل ساترة لبعض العورة أيضاً ـ كما ذكرناه في ستر العورة بلا وضع اليد، كما أنّ وضع يد غير الزوجة مثلاً لو كان مَحرماً فليس بمبطل مع المندوحة، الاّ على الوجه السابق في لبس الحرام ـ وبين التستّر بالشعر الطويل للرأس وشعر اللحية، ولا يقاس ذلك بالتستّر ببدن الغير مع عدم الاتصال، ومع صدق الصلاة عارياً في الفرض. نعم، يمكن الإشكال في الستر الصلاتيّ، لمكان عدم الاتصال في شعر الراس واللحية أيضاً؛ فيكون كالصلاة عارياً في الحفرة والظلمة، ومثله التستّر بالوجه راكعاً؛ فإنّه ستر عن النظر لا للصلاة، لعدم الاتصال، فلا بد من اتصال الساتر والمستور للصلاة، ولا يضرّ كون الساتر بعض البدن مع الاتصال المذكور. وأمّا الاستشكال باعتبار المأكوليّة في الساتر فعجيب جدّاً، وأمّا الانكشاف للنفس فقطّ فلا مانع منه وضعاً كما مرّ، وإنّما العبرة بالانكشاف للغير ولو تقديراً في الوضع، والانكشاف فعلاً للغير تكليفاً.

لو لم يكف الساتر إلاّ لإحدى العورتين

ولو لم يجد المصلّي ساتراً إلاّ لإحدى العورتين، وجب ذلك ولا يسقط بفقد الساتر الآخر، فإنّ تخصّص بإحداهما وتعيّن فلا كلام، وإلاّ فهل يتخيّر، أو يتعيّن ستر القبل، كما عن «الفاضلين»، و«الشهيدين»، وغيرهما؛ أو يحتمل رجحان الدبر، كما عن «البيان»، لاستتمام الركوعين به، مع أنّ ساتر القبل حينئذٍ الفخذان؛ أو يستر القبل قياماً والدبر في الركوعين. لأنّ المكشوف في القيام، وقبل الركوعين هما؛ أو خصوص الدبر، لأنّ الستر الشرطي يقدّر فيه التكليفي؟

يمكن أن يقال : يتعيّن ستر القبل بوضع اليد في القيام كما مرّ، فلا حاجة إلى ستر القبل بالثوب، فإن تستّر الدبر، بالإليتين، فلا حاجة في القيام أيضاً إلى ستر الدبر بالثوب، وإلاّ تستّر به للقيام وللركوعين؛ فإنّه إنّما يؤمي لانكشاف الدبر. فلو أمن الانكشاف، ركع وسجد وإن كان في غير جماعة العراة كما احتملناه؛ وعلى تقدير العدم، فلا إشكال فيه مع ستر الدبر بالثوب حيث لا مانع عن الركوعين، فله أن يركع متستّراً بالثوب في الدبر، وبضمّ الفخذين للقبل، وإن لم يمكن فبوضع اليد على القبل، ويراعي عدم الانكشاف للآخر في ما بين القيام والركوعين. وأمّا ترجيح ستر الدبر بالتمكّن من الركوعين به، فإنّما يتمّ على مسلك من يذهب إلى الإيماء مع الأمن والقيام؛ وأمّا من يذهب إلى التوظيف بالركوعين حينئذ كما عليه في «الجواهر الكلام، ج 8، ص 210 ـ 217.» ، فلا يرجّح ستر الدبر بالتمكّن. وكونه مع عدم إمكان التستّر الشرطي الساقط، إنّما يجدي لو قيل بتعيّن ستر القبل وترجيحه، لا بالتخيير حتى يوجد مرجّح. والغرض أنّه على هذا لا ترجيح لستر الدبر بالتمكّن، وإنّما يرجّح بذلك من يذهب إلى الإيماء مع الأمن والقيام، كما ينسب إلى الكثير. ولا فرق بين تمام العورة وبعضها، ولا ترتيب في الأجزاء، إلاّ أنّه يحتمل رجحان ستر الحشفة لأقبحيّتها انكشافاً. كما أنّه لولا ملاحظة التمكّن من القيام مع الركوعين بوضع اليد على القبل، والتستّر بالثوب في الدبر، أمكن ترجيح القبل لتعدّد العورة، وزيادة الكميّة في القبل بالنسبة إلى الدبر. وأمّا ما عن «المبسوط» من قوله : «لو وجد ما يستر به بعض عورته، وجب ستر ما يقدر عليه»، فهو في التعميم للجزء، لا العورتين أو إحداهما، إلاّ أن يجري فيه بالفحوى. وأمّا الاستدلال لترجيح ستر القبل بخبر «أبي يحيى»  فيمكن تقريبه بأنّ ستر الدبر حاصل بلا اختيار في المتعارف في القيام والجلوس، وإنّما المحتاج إلى الستر الاختياري، القبل، فيكون محقّقاً بالثوب الساتر لو كان لازماً، أو بالأعمّ منه ومن وضع اليد لو لم يكن.

ويمكن أن يقال: بأنّ الستر الحاصل ما كان مشتملاً على الإيماء، مع وجوب الركوعين مع إمكانهما مع الستر للدبر، فلا مرجّح لستر القبل المحتاج إليه بالثوب على الفرض في القيام على المحافظة على الركوعين لستر الدبر؛ وأمّا في الجلوس فحصول الاستتار به إنّما هو للنظر؛ وأمّا للشرط فربّما لا يحصله القائل بلزوم الثوب، كما أنّ الجلوس لغير الآمن من النظر بلا ساتر، والمفروض وجود الساتر لولا مزاحمة ستر

الدبر في الشرط. وأمّا جعل عدم سقوط قادحيّة كشف الدبر في حال مرجّحاً لستر الدبر، فيمكن المناقشة فيه بأنّ ما في جماعة العراة يرجّح الركوعين على ستره شرطاً، وكذا ما في خبر «الحفرة» وهو المحتمل أن يستظهر من خبر «أبي البختري» بل كلّ ما يدلّ على سقوط ستر القبل شرطاً، يمكن استفادة سقوط ستر الدبر كذلك بالفحوى، والمزاحمة لا تؤثّر إلاّ في التخيير أو الترجيح بغير ذلك؛ وأمّا الترجيح بالحفظ عن الناظر الراجح على كلّ ما يزاحمه من أفعال الصلاة قياماً أو ركوعاً، فلايختصّ بالدبر حيث لم ينكشف القبل، بل يجري في العكس، فليس من موجبات ترجيح ستر الدبر على التعيين في كلّ مقام.

وأمّا على ما سلكناه فلا بدّ من تحصيل الستر الشرطي للدبر حتى لا يقع في الإيماء مع القيام للآمن، ومع الجلوس لغير الآمن، وستر القبل بوضع اليد قائماً، وبضمّ الفخذين في صورة الصلاة جالساً، وفي ما كان الستر عن الناظر متوقّفاً على الستر بالثوب؛ فإنّه يوجب الترجيح على ما يزاحمه جزءاً كان أو شرطاً، وهو العالم.

 

صلاة المرأة الفاقدة لمطلق الساتر

وأمّا المرأة ففي صورة عدم وجدان الساتر أصلاً، فهل هي كالرجل إن امنت من النظر إلى العورتين قامت وأومأت، وإلاّ جلست وأومأت؛ أو أنّها لا تقوم مع عدم الأمن من النظر إلى سائر بدنها أيضاً، لأنّه كلّه عورة، بل مع الأمن أيضاً لعدم سقوط الستر الشرطي مع الأمن؟

فكما يسقط الركوعان من الرجل الآمن من النظر إلى العورتين، سقطا من المراة الآمنة من النظر إلى شيء من البدن، لبقاء الاشتراط مع الآمن أيضاً، بل لعلّ القيام غير جائز لها وضعاً إذا كان استتارها في الجلوس في مواضع من بدنها لا تستر بقيامها، فلذلك يكون إطلاق جلوسها وإيمائها آمنة وغير آمنة، للنظر إلى شيء من بدنها موافقاً للاحتياط. ودعوى عدم الدليل على ترجيح الستر الشرطي في غير العورتين على مثل الركوعين، مدفوعة بأنّ العورة، لها حكم مشترك في النظر والصلاة وإن كان بعضها مختصّاً ببعض الأحكام، يؤثّر الاختصاص في صورة الدوران بين أنفسها، لا الدوران بينها وبين غيرها من أبعاض الصلاة؛ فالراجح على الركوع ستر العورة بما أنّها عورة، لا بما أنّها عورة خاصّة، وإن كانت عورة الرجل خاصّة، والدليل متعرّض لها، ولاشتراك الكلّ مع عدم الأمن في الجلوس والإيماء ووضع اليد. 

لو لم تجد المرأة إلاّ ساترا لإحدى العورتين

لو وجدت ساتراً لإحدى العورتين دون الاُخرى، فهل تتخيّر، أو ترجّح ستر القبل، أو الدبر، أو يحكم بمثل الحكم في الرجل؟

وقد مرّ أنّها تحتاط باختيار الجلوس الساتر لأزيد ممّا تستر في القيام من مواضع بدنها. وعليه، فستر القبل حاصل بالفخذين، والمحتاج إلى الستر الدبر في حال الركوعين، حتى لا يتعيّن عليها الإيماء حتى مع الأمن، لمكان تقدّم الستر الشرطي على الركوعين، مع ما في الركوعين في المراة مع زيادة التكشّف على الرجل للعورة لاختلافهما فيهما بالزيادة، إلاّ أنّه يحتاج إلى ستر الدبر مع الركوعين على ستر الزائد المنكشف بسبب الركوعين ولو مع ستر العورتين، مع أنّ الإيماء مشتمل على ستر الزائد على الدبر. وفي «الجواهر» هنا ما يحتاج إلى الإصلاح، حيث قال : «أو لأنّ ستر الإليتين بالنسبة إليها كالعدم...»  جواهر الكلام، ج 8، ص 220. والأصحّ أن يقال : فلا يرجّح القبل بذلك، أي بستر الإليتين على الدبر، كما أنّه لا يرجّح عليه، أي على الدبر بالأفظعيّة، أي ليس الوجهان، أعني ستر الإليتين أو الأفظعيّة مرجّحين لستر القبل على ستر الدبر. ولو وجدت ساتراً لعورتين، فهل تجب عليها صلاة المختار كالرجل لعدم اندراجها في نصوص العاري المفصّلة بين الأمن وعدمه؟ بل مع عدم الأمن يعارض حرمة كشف ما عدا العورتين بالقيام وغيره، وجوب القيام وغيره من الأفعال، ولا دليل على الترجيح بستر غير العورتين؛ بل بعض النصوص الدالّ على عدم البأس بخروج رجل المرأة في الضرورة لعدم كفاية الثوب ربّما يدلّ على اغتفار انكشاف ما عدا العورتين مع عدم التمكّن، وأنّه لا يسقط بذلك شيء من الأفعال، أو أنّ الترجيح بستر العورة، وهي مختصّة بهما في الرجل، وعامّة لغيرهما في المرأة، وعلى الأوّل يكون فرض تحريم الكشف غير مبطل كسائر المحرّمات المقارنة. لكنّ الظاهر أنّ الشرط ستر العورة، وهي في حقّها عامّة، فلا ينبغي الارتياب في مبطليّة ترك الستر من المراة لغير العورتين، وليس إلاّ الترجيح للستر على أفعال الصلاة، كما يرجّح بستر العورتين على الاختلاف، أو يقال بالتخيير؛ فكلّ من التحريم مع عدم الأمن، والشرطيّة معه ومع الأمن، يجري هنا ما يجري في العورتين لها وللرجل، وقد مرّ ما في الرجل. وأمّا المرأة فيمكن تعيين الجلوس عليها مع عدم الأمن، وإن قلنا بالجواز في الرجل لإمكان الاستغناء بالوضع لليد في القبل وبالإيماء في الدبر، وهذا حاصل في القيام، بخلاف المرأة فإنّها تستر الواجب بالجلوس في غير العورتين، وكذلك تعيين الإيماء لانكشاف ما عدا القبل بالركوعين أيضاً، وهو حرام مانع عن الركوعين. وأمّا مع الأمن فلا يكون الترجيح المذكور إلاّ للستر الشرطي الغير الحاصل بمجرّد الإيماء، ومقتضى رجحان الستر الشرطي للعورة بما أنّها عورة، جريان ما يجري في دبر الرجل المقتضي لتعيّن الإيماء هو تعيّن الجلوس الساتر للعورة شرطاً، فإنّ بدن المرأة كعورة الرجل في التحريم في محلّه، والاشتراط والترجيح في محلّهما بما دلّ على أنّ بدنها عورة، وأنّه يجب ستر العورة، وأنّه يُقدم ستر العورة بما أنّها عورة، لا بما أنّها قبل أو دبر، مع كفاية الارتكاز والسيرة في المسلمين على إنكار صلاة المراة عارية قائمة بمجرّد ستر عورتيها، كالرجل الذي قد مرّ إمكان عدم تعيّن ذلك عليه، وأنّه يمكن أن يجوز له الجلوس مع الأمن، والإتيان بالوظيفة من الركوعين أو الإيماء.

وفي حال الجلوس والأمن، يمكن ترجيح الستر الشرطي على الركوعين، لأنّ لها البدل، وترجيحهما لأنّهما من الأجزاء والأركان، وقد وقع الترجيح بكلّ منهما في إيماء القائم الذي قيامه لعدم المزاحم، وإيماؤه لرجحان الستر الشرطي على الجزئين، وركوع المأموم الجالس الذي جلوسه لحفظ القبل عن النظر وللستر الشرطي، ولركوعه لرجحانه على الستر الشرطي فقطّ؛ فالاحتياط في الركوعين، لضعف ترجيح الشرط في غير العورتين مع العكس في العورتين في المأموم، فتدبّر.

وقد تحصّل ممّا مرّ: أنّ صلاة العارية قائمة ولو مع ستر العورتين ولو مع الأمن من الناظر، على خلاف الارتكاز، بل عليها في الظاهر اختيار الأستريّة في اللباس والهيئة، ولا تكون إلاّ بالجلوس؛ فإن وجدت ساتراً لإحدى العورتين، أمكن ترجيح ستر الدبر مع عدم انكشاف الأزيد من العورتين بالركوعين، أو الانكشاف بحدّ يمكن ترجيحهما على الستر الخاصّ، فإنها بستر الدبر تتمكّن من الركوعين، والقبل لا يحتاج إلى الساتر تكليفاً ولا وضعاً، لاستتاره بالفخذين وضمّهما، وباليد مع الحاجة. وعدم كون الساتر غير العورة، جهة مشتركة في غير الكفّين، مع أنّ ستر الدبر بالإليتين ليس كالعدم، فإنّهما كسائر البدن، وستر الأفظع بغيره واجب في نفسه. وبالجملة، فالستر للعورتين باليد والإليتين، حاصل تكليفاً ووضعاً عندنا في حال القيام والجلوس الجائز، وفي حال الركوعين إنّما يحتاج إلى ساتر من غير البدن الدبر، فيختصّ بالساتر الخارجي إذا لم يكن ممّا يمكن ستره بالدبر. وكأنّ القائل بالتخيير هنا ـ كما في «المنظومة» ـ لاحظ اشتراكهما في الاستتار بالفخذين والإليتين، مع أنّ كليهما عورة، فلم يلاحظ الركوعين، أو لاحظ كشفهما أي الركوعين للأزيد من العورتين بالقدر الراجح على الركوعين. وقد مرّ أنّ الإيماء لستر الخلف؛ فمع استتار القبل أو انكشافه بالنحوالمشترك بينه وبين الدبر، يترجّح الأخير بالتمكّن به من الركوعين دون ستر القبل؛ كما أنّ الأفظعيّة غير مرجّحة هنا مع الاشتراك في الاستتار ولو كان الظاهر عورة أيضاً. نعم مع الاشتراك في الاستتار باليد، أو باليد والفخذين المضمومتين بحيث تمكّنت من الركوعين مع ساتر لا يكون عورة مكشوفة بسبب الركوعين، أو كان الانكشاف الخاصّ غير مسقط للركوعين فلتخييرها في وضع الساتر الخارجي على أيّ موضع وجه، لكن ظاهرهم التخيير بين العورتين، ويمكن حمله على غير صورة الاستتار بما مرّ، وفيه ما مرّ.

وظيفة الخنثى بالنسبة إلى التستّر

وأمّا الخنثى المشكل، فعليها ستر القبلين تكليفاً ووضعاً، وهل عليها ستر الزائد المحتمل كونه عورة لاحتمال كونه امرأة؟ مقتضى الأصل البراءة كالنظر إلى من يحتمل كونه إمرأة؛ فإنّه إمّا يحرم النظر من الرجل والكشف من الخنثى، أو يجوزان على الشخصين، والعلم بتكليف واحد منهما لا يؤثّر تنجيزاً في واحد منهما.

ويمكن أن يقال : إنّها تعلم إجمالاً بحرمة كشف ما عدا العورتين عن النظر وفي الصلاة، أو بحرمة نكاح النساء، فيجب عليها الاحتياط فيهما. وإن لم يجد الرجل أو المرأة إلاّ ساتراً لواحد من القبل والدبر، ففي التكليف يقدّم ستر القبل لكونه أفحش في الارتكاز، إلاّ أن يتمكّن من سترهما، أو أحدهما خاصّة باليدين وفي الوضع؛ فالتطابق بين الحرمتين، على القاعدة، إلاّ أنّ مقتضى ما مرّ، أنّ الإيماء لعدم الاستتار في حالتي الأمن والعدم؛ فإذا دار الأمر بين ستر الدبر مع الركوعين، أو القبل مع الإيماء في ما لو لم يستر القبل بالثوب لم يجلس، قدّم ستر الدبر وركع وسجد، وكذا في ما يجلس مع عدم ستر القبل بالثوب لتقدّم الركوعين على خصوص القيام، وعليه يبتني فهم الحكم في الخنثى.

لولم تجد الخنثى إلاّ ساترا لإحدى العورتين

فلو لم تجد الخنثى إلاّ ساتر أحدهما، أو الدبر، قدّمت الأخير المعلوم كونه عورة، كما يأتي البحث السابق إن وجدت ما يستر الدّبر، أو كلتا القبلين في ما وجدت ساتراً لإحدى العورتين.

وقد مرّ أنّ القبل يستر باليد والفخذين، والدبر بالإليتين، إلاّ أنّه في الركوعين يستر الدبر بشيء مع الإمكان، وإلاّ أومأ، ومثله غير الآمن، إلاّ أنّه يجلس لستر القبل وجوباً أو جوازاً.

وفي عبارة «الجواهر» هنا ما لا يخلو عن شيء، لقوله : «وإن لم تجد إلاّ ساترَ أحدهما، قيل : قدّمت القبل» جواهر الكلام، ج 8، ص 221.  والأولى أن يقول : «إلاّ ساتر أحدهما، أو الدبر»، وإليه يرجع قوله أخيراً : «قلت : قد يرجّح الدبر»، فيكون قوله «وإن لم تجده...» كالمعترض هنا. ولو لم تجد إلاّ ساتراً لأحد القبلين دون الآخر، أو الدبر، ففي الستر التكليفي يترجّح الستر عن الحاضر ما يختصّ بغير مماثله، للأقبحيّة كشفاً ونظراً، ولو حضرا معاً أمكن التخيير، بل هو الوجه، لا الإشكال المنقول عن «الجامع». ومنه يظهر أنّ غير الآمن يعمل ما يعمله المستتر عن النظر، لرجحان الستر التكليفي علي ما يزاحمه من أفعال الصلاة، لكنّه لا جدوى فيه بعد إمكان ستر الآخر بالكفّ أو بضمّ الفخذين، فانّه يجب سترهما ولو كان أحد الساترين ثوباً والآخر من البدن، ولو احتمل كونه أي الساتر عورة عامّة. وأمّا الستر الشرطي للآمن من النظر مطلقاً، فعليه الستر في كلّ منهما ولو مع اختلاف الساتر. ولو لم يتمكّن من غير ساتر أيّاً ما كان لواحد من القبلين فقطّ، أمكن ترجيح عورة النساء، لأنّها فيهن عورة صنفاً وشخصاً، بخلاف عورة الرجال.

وترجيح عورة الرجال، لأوسعيّتها قدراً وعدداً، لأنّها قضيب وانثيان إن قدر على ستر جميعها؛ ومع عدم تعيّن المرجّح، يتخيّر في ستر إحداهما؛ وإن كان القضيب والانثيين للأقبحيّة التقديريّة، لا يخلو سترها من رجحان. وهذه الاعتبارات لا إشكال في ابتناء البطلان كالحرمة عليها إذا انتهت إلى القطع، أو في ما يكفي فيه الاحتمال للترجيح.

عدم وجوب ستر الرأس على الأمة المحضة والصبيّة في الصلاة

مسألة : الأمة المحضة والصبيّة تصلّيان بغير خمار، فلا يجب عليهما وضعاً ستر الرأس في الصلاة، وهو مجمع عليه عندنا، وعند العامّة مع استثناء «البصري» في خصوص المتّخذة لنفس المالك والمتزوجّة كما عن «المعتبر» و«الذكرى». وحيث إنّ الاستثناء من الوضع، فلا محلّ للمناقشة في عموم الجواز للصبيّة.

ويدلّ على الحكم في الأمة الصحاح المستفيضة، كصحيحتي «محمد بن مسلم» وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلي، الباب 29، الحديث 1 و 2 و 7. ، وصحيحة «عبدالرحمن بن الحجاج» عن أبي الحسن عليه السلام وصحيحة «محمّد بن مسلم» عن أبي جعفر عليه السلام . ومقتضى عموم النصوص ومعاقد الاجماعات، عدم الفرق بين أقسام الأمة التي لم يتحرّر منها شيء تحريراً لا ردّ فيه، واُمّ الولد من الإماء في جميع الأحكام غير النقل المعاوضي، والانعتاق بعد موت المالك من نصيب الولد، فلا مجال للاستثناء فيها. ومقتضى ما في صحيح «محمّد بن مسلم» عن أبي عبداللّه  عليه السلام : «قلت له : الأمة تغطّي رأسها؟ قال : لا، ولا على اُمّ الولد أن تغطّي رأسها إذا لم يكن لها ولد» وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلي، الباب 29، الحديث 7.  ـ مع التحفّظ على الظهور في اللزوم، والعموم للتكليف والوضع، ولموت المولى وحياته، مع أنّها بعد الموت والانعتاق من نصيب الولد ليست من الإماء ـ هو أنّه عليها التغطية مع الولد، ولا يخلو ما فيه الغرابة، أعني لزوم التغطية بمجرّد الاستيلاد، مع أنّ جميع أحكام الإماء ثابتة لها غير النقل المعاوضي والانعتقاق بعد الموت؛ فلو كانت في التغطية كالحرائر، لكان ذلك من الواضحات.

مع أنّ وضوح الروايات المطلقة التي لا استثناء فيها، والنصوص على وفقها، يقتضي عدم الاستثناء المذكور مع أنّها خاصّة بالصلاة؛ أو حمل قوله عليها بحسب المفهوم، على الجامع بين الاستحباب والوجوب، مع أنّ الترجيح لإطلاق النصوص بعد كون النسبة عموماً من وجهٍ بسبب الفتاوي وعمومها على ظهور هذا الصحيح، مع أنّه يتبنى على العمل به في نفي التغطية تكليفاً، كما عن «الشيهد الثاني قدس سره » أنّه المشهور، خلافاً للمستظهر من تقييد جواز النظر إلى الأمة بمزيد الشراء، مع معارضتها بالخصوص لخبره الآخر عنه: أنّه سأل أبا جعفر عليه السلام عن الأمة: «إذا ولدت عليها الخمار؟ فقال: لو كان عليها، لكان عليها إذا حاضت، وليس عليها التقنع في الصلاة»  ورواه في الفقيه عن محمد بن مسلم صحيحاً.

[ثم إنّه] إذا حمل على إرادة أنّ التكليف يتبع الوضع، فمن لا وضع في حقّه ـ لعدم اشتراط الخمار في صلاة الأمة الحائضة ـ فلا تكليف في حقّه بسبب الولادة، وأنّ التكليف لا ينفكّ عن الوضع؛ وإن وقع العكس فثبت الوضع في مورد عدم ثبوت التكليف في الخلوة والظلمة ونحوهما، والضعف ينجبر بإطلاق ما عن المشهور من الفتاوى، بل إطلاق معاقد الإجماعات المحكيّة، بل مرّ صحّتها من طريق «الفقيه». أو حمل على أنّ الحيض أسبق من الاستيلاد؛ فالتغطية لو كانت للمستولدة كانت عليها بالحيض وللصلاة؛ فإنّها أوسع من التكليف أو هما متلازمان، وحيث ليس في حقّها الوضع بالحيض فليس فيها التكليف والوضع بالاستيلاد. وقد مرّ: أنّه مع معارضة الخاصّين فالترجيح بالشهرة مع عدم الجمع العرفي القابل في المقام، وبالموافقة للعموم الذي هو من السنة ؛ فالأظهر هو المصير إلى ما عليه العمل بذكر العموم وعدم الاستثناء في الفتاوى.

في دخول الرقبة في الرّأس

ثمّ إنّ الظاهر دخول الرقبة هنا في الرأس، لأنّ الساتر المنفي هو الخمار والقناع، والستر للرقبة في الغالب بهما، بل هو المفهوم من التستّر، إلاّ أن أمر حينئذٍ بغيره، ومثله الإذن للصلاة في قميص واحد.

وأمّا غير الرقبة، فلا بدّ من ستره في الصلاة، كما يفهم ممّا عن «التذكرة»: «عورة الأمة كالحُرّة إلاّ في الرأس عند علمائنا أجمع» ؛ وعن «المنتهى» عدم جواز كشف الأمة ما عدى الوجه والكفّين والقدمين ناسباً إلى علمائنا، وهو مقتضى قصر الاستثناء عن حكم المرأة على الرأس، وعدم ذكر أنّها كالرجل، كما حكي عن بعض العامّة؛ كما أنّه أيضاً مقتضى الجمع بين دليل العموم في المرأة والخصوص في رأس الأمة؛ والمراد استثناء الرأس في الأمة ممّا يحكم بلزوم الوجه والكفّين ؛ فإنّه لو لم يكن شيءٌ إلاّ دليل الاستثناء في الحرّة لدلّ عليه في الأمة بالأولويّة المرتكزه مع عدم مصرّح بالخلاف في المقام؛ نعم من لا يُستثنى في الحرّة فلا دليل على استثنائه في الأمة للوجه والكفّين؛ لكنّ الكلام على تقدير الاستثناء في الدليل والقول. ثم إنّ المراد بعد جمع عبارتي المنع والترخيص، هو رفع المنع الوضعي الحاصل في الحرّة البالغة، لا إثبات لزوم الكشف وضعاً لغيرها لورود الاستثناء وموقع توهم الحظر ولشهادة الارتكاز بأن المقام من موارد الاقتضاء في الحرّة واللااقتضاء في الأمة، لا اقتضاء العدم ؛ والنتيجة فهم الترخيص في المستثنى فقط. وروايات الضرب محمولة على التقيّة، كما في نظائرها، كما يظهر من روايات وسائل الشيعة، ج 3، أبواب لباس المصلّي، باب 29. التصريح بالاختيار لها في الستر والكشف، كخبري «أبي بصير»، و«أبي خالد القماط».

ستر الأمة عند العتق في أثناء الصلاة

ولو انعتقت في أثناء الصلاة، تستّرت في ما بقي من الأجزاء؛ فإن لم يتخلّل زمان بين العلم بالانعتاق والستر، فلا ينبغي الاستشكال فيه ؛ فإن تخللّ زمان ـ كما هو الغالب ـ ولم يكن مناف لطول الزمان أو لغيره، فعن الاستاذ الأكبر قدس سره وغيره، الجزم بالاكتفاء بالستر لما بقي، وهو مناسب للمرتكز، لبُعد لزوم القطع مع بقاء جزء مثلاً يحتاج إلى الستر له إلى عمل له زمان، ولعلّه مقطوع به في كلامهم كما ذكره السيّد قدس سره في المطالع، ولا خلاف فيه إلاّ من كشف اللّثام، كما في الجواهر ؛ فإن كان لأنّه المفهوم من العمومات، فكما بينّاه، وإن كان للظفر بحجّة خاصّةٍ غير ما عندنا، فذلك بعد الغاء الخصوصيّة ينفع في جمع الشروط الممكنة في حال الاشتغال بالصلاة غير الخمس وغيرها فيه الدليل. بل لعلّه المتيقّن من مثل عبارة «الشرايع»، ولا يكون إلاّ مع كون الواجب في كل آن، الأعمّ من ابتداء الصلاة جامعة للشرائط الفعلية، وإتمامها كذلك، والقطع بذلك نافع في ما يأتي من بعض الفروع، وهو المناسب لما يلتزم به في انكشاف العورة بالريح أو الغفلة في الأثناء مع الستر بعد الاطلاع، والجامع عدم التمكّن، لا مجرّد عدم العلم، بل وإن علم في الأثناء بهبوب الريح شديداً المستلزم للانكشاف، ولعموم رفع الاضطرار لما يكون في أثناء الصلاة، وإن لم تعمّ مثله في خارج الصلاة من الزمان، ولضعف عموم دليل الشرطية للمفروض، كعدمه في صورة عدم التمكّن لتحصيل الساتر رأساً حتى بعد القطع. ومنه يظهر: أنّ المقام لا يفترق عن وجدان الستر في الأثناء، والتمكّن منه بعد الشروع في الصلاة بسبب تغيّر الموضوع هنا دون الفرض؛ فإنّ زمان الاطلاع ـ وهو زمان الاشتغال بتحصيل الساتر والتستر ـ زمان تغيّر الموضوع مع العذر في الستر، فيتحد مع الفرض في واقعيّة التكليف الشرطي بالستر؟ مع العذر وعدم التمكّن من الستر.
ومنه يظهر
: الإشكال في صورة لزوم المنافي ووجوب القطع مع السعة ؛ وذلك لعموم الاضطرار للفرد المشتغل، وضعف دليل الاشتراط لما كان في الأثناء مع التمكّن من الإتمام مع الستر، بل الشرطية فيه غير معلومة، فهي مرفوعة. وهو ـ أعني الاستمرار هنا ـ محكيّ عن «المعتبر» و«الخلاف» وغيرهما، وإن صرّح بخلافه في «الشرايع»، وإن كان الأحوط فيه الإتمام بلا تستّر والإعادة مع التستّر. وإن لم يعلم بالعتق إلاّ بعد الصلاة، فعن جماعة، الصحة ؛ وهو مقتضى عموم «لا تعاد». وحكي عن «المنتهى» ما يظهر منه الإجماع على الصحّة هنا، وقد مرّ ما يوافقه، وذكر في صورة لزوم القطع، وهي السعة والاحتياج إلى المنافى، أنّه لا بدّ من بقاء وقت ركعة مع الشروط والستر، وإلاّ استمرّت، ولا يكون ذلك إلاّ مع قصر الشرطية على التمكّن، إلاّ أنّ الدعوى هو عدم التمكّن في مجموع الوقت، لا شخص صلاة اشتغل بها، والدفع بعموم رفع الاضطرار على الوجه الموافق للامتنان، لا الملغى للاشتراط، وكذا الارتكاز المناسب للحكم في صورة الانكشاف عن غفلة وبلا اختيار.

ستر الصبية إذا بلغت في أثناء الصلاة

وأمّا الصبية البالغة في الأثناء بغير المبطل، فحكمها في «الشرايع» معطوف على «المعتقة» في الأثناء، ويقال: إنّ التشبيه في لزوم الاستئناف مع الفعل الكثير مع إمكان التصحيح في غيره كما عن «المبسوط» و«السرائر» و«المعتبر» و«المنتهى»، للاشتراك في عدم التمكن في أوّل زمان البلوغ، أو الاطلاع عليه على التستّر، وضعف الشرطية فيه؛ وأنّ «لاتعاد» تعمّ الأبعاض؛ وأن الوجوب غير لازم في العمل بالمأمور به مع أنّه لو كان لازماً لكان كذلك مع دوام الستر أيضاً، لعدم إجزاء المندوب عن الفرض عندهم، مع أنّه في محلّ التأمّل أو المنع في عمومه وأنّ الواجب الأعم من الإتمام للصلاة الصحيحة لولا الإيجاب بنفسها، لا بجميع شروطها ؛ فإنّ الطهارة المستحبة من البالغ يؤدّي بها الفرض، مع أنّ بُعد لزوم القطع هنا ممّا يناسب الارتكاز، وكذا استبعاد عدم لزوم الصلاة عليها رأساً لو لم تتمكّن من القطع والاستئناف مع الساتر مع أداء ركعة. ومن الغريب دعوى عدم جواز الإتمام والإعادة، حتى في صورة عدم توقّف الستر على المنافي، لا لعدم وجوب ما سبق، ولا لعدم الستر في زمان ما.

 
< السابق   التالى >
 
یا ارحم الراحمین یا ارحم الراحمین یا ارحم الراحمین