ومنها: رواية الفضيل بن يسار في إمامة الرجل للمرأة، وفيها:
«يكون سجودها
بحذاء قدميك» وسائل الشيعة، ج 5، أبواب صلاة
الجماعة، الباب 19، الحديث 2. ؛ وكون ذلك من آداب الجماعة الخاصّة، يدفعه الظهور في الوجوب ؛
وكذا احتمال الشرطية للجماعة، يدفعه ما دلّ على الاكتفاء بالأقلّ من هذا البعد في
الجماعة. ومنها رواية «عبداللّه بن مسكان» وفيها في جماعة النساء والغلمان:
«إنّهم
يتقدّمونهن»
وسائل الشيعة، ج 5، أبواب صلاة الجماعة، الباب
23، الحديث 3. ورواية «أبي العباس» وفيها:«تقوم وراءه»
وسائل الشيعة، ج 5، أبواب صلاة الجماعة، الباب 19،
الحديث 5. وصحيح «الفضيل» وفيه:
«المراة تصلّي خلف زوجها الفريضة والتطوّع، وتَؤُمّ
به»
وسائل الشيعة، ج 5، أبواب صلاة الجماعة، الباب
19، الحديث 1 ؛ ج 3، أبواب مكان المصلّي، الباب6، الحديث 1.
وصحيح «الحلبي» وفيه:
«وإن كان معهنّ غلمان فاقيموهم بين أيديهن وإن كانوا
عبيداً»
وسائل الشيعة، ج 5، أبواب صلاة الجماعة، الباب 23،
الحديث 9. ومرسل «ابن بكير» وفيه قال:
«نعم تكون خلفه»وسائل
الشيعة، ج 5، أبواب صلاة الجماعة، الباب 19، الحديث 4 و 3. ورواية «القسم بن الوليد»
وفيها:
«يقوم الرجل إلى جنب الرجل، ويتخلّفن النساء خلفهما»
نفس المصدر وصحيح «زرارة» وفيه:
«إذا كان بينها وبينه قدر ما لا يتخطّى، أو قدر عظم
الذراع فصاعداً فلا بأس صلّت بحذائه وحدها»وسائل
الشيعة، ج 3، أبواب مكان المصلّي، الباب 5، الحديث 13 و 8. ومثله ما عن «معاوية بن وهب»
وسائل الشيعة، ج 3، أبواب مكان المصلّي، الباب 5، الحديث 7.
إلاّ أنّ فيه: «قدر شبر»، وما عن «عبداللّه بن يعفور» وفيه: «إلاّ أن تقدّم هي أو أنت»
بضميمة الاتفاق على الفرق الموجب للحمل على التقدّم في الفعل، ورواية أبي بصير،
وفيها بعد المنع عن المحاذاة:
«إلاّ أن يكون بينهما شبر أو ذراع»
ولعلّ الذراع أطول من عظم الذراع الواقع مرّ. وحيث إنّ فيه شبر
أمكن أن يكون قرينةً على أنّ المراد من الذراع الواقع هنا أو غيره ما يعمّ مقدار
عظم الذراع. ورواية «محمد بن مسلم» في الصلاة في الزاويتين
واعتبار قدر شبر ؛ وهو
عجيب، أعني اعتبار الشبر في ما بين الزاويتين، ولعلّه لذا فسّره في الرواية، ويمكن
أن يكون التفسير من «الشيخ» بتقدّمه عليها بشبر؛ وذلك في الصلاة في الزاويتين
لا يخلو من تكلّف، والتخصيص بتقدّمه عليها بشبر أبعد. والحمل على إرادة الاكتفاء
بالشبر ـ كما فرضه في السؤال ـ خلاف الظاهر ؛ إلاّ أن يصار إليه بدليل الحكمة.
نعم، ظاهر «لاينبغي»،الكراهة، أو استحباب الترك، وارتفاع ذلك بشبر؛ ولعلّ
الأقرب ـ بناءً على عدم الوثوق بتعدّد الرواية مع هذا الاتّحاد مع رواية «الحلبي»
في
السؤال والجواب ـ هو تصحيف الستر بالشبر، وإن كان على طبق كلّ منهما رواية
اُخرى، إلاّ أنّها في غير المفروض المذكور فيهما. ورواية «علي بن جعفر» عليهماالسلام
وفيها ـ بحسب ظاهرها ـ دخول القوم في الجماعة،
ودخول المرأة بحيالهم بعدهم فيها، وأنّها بحسب تأخّرها في الفعل تعبد، وهم بتقدّمهم
في لا يعيدون، ولا أثر لما فرض فيه السؤال من اختلاف الفرضين وإن كان الراوي
يحتمله ؛ نعم ظهور الأمر بالإعادة قابل للانصراف بما كان أظهر في الصحّة.
ورواية «ابن بكير» وفيها في المحاذاة:
«إذا كان سجودها مع ركوعه فلا بأس»
ومثلها رواية «زرارة» الصحيحة، وفيها:
«إلاّ أن يكون قدّامها ولو بصدرها»
والظاهر منهما، وممّا فيه اعتبار اتّحاد ركبتيه مع سجودها في خبر «هشام بن سالم»
اعتبار الفرق بمقدار تقدّم مسجد الرجل على ما يحاذيه راكعاً عليها، أو تقدّم مسجده
على موضع صدره، أو تقدّم مسجده على موضع ركبتيه ساجداً على مسجد المرأة
المحاذي لركبتيه، أو لرأسه راكعاً، أو لصدره ساجداً، فكلّ ذلك يساوي تقريباً اعتبار
عظم الذراع المحمول على جواز الأقلّ، أعني شبراً في غيرها حتى ما جمع بينهما، وكذا
موضع رحلٍ، وقد ذكر أنّ طول رحل رسول اللّه كان ذراعاً
والذراع التقديري أزيد
من عظم الذراع، فهو أيضاً مقاربٌ لما مرّ. نعم، جعل هذه الروايات الأخيرة وأمثالها من أدلّة الجواز، غير مستقيم ؛
والاستناد في ذلك إلى اختلاف الأدلّة في التعبيرات، لا يختصّ بما ذكر إلاّ أن يجعل
عدم القول بمضمونها موجباً للحمل على الجواز مع الكراهة، ويجعل كلّ هذه
التقديرات مع التقدير البعيد عن جميعها، وهو عشرة أذرعٍ، متعارضين لقول أكثر
المتقدّمين بمضمونه، فيجمع بالحمل على الكراهة بشهادة الحرج والسيرة؛ وأنه لو كان،
لكان أوضح وبالتصريحات. وأمّا ما يتمحّض في الدلالة على الجواز، فرواية جميل المروية في «التهذيب»،
وفيها: عدم البأس مع المحاذاة في الصلاة ومثلها رواية «الفقيه» عن جميل
، إلاّ أنّ
فيها زيادة التعليل بما يقال إنّه لا يناسب الحكم فيها ؛ ويمكن الدفع بما يجري في رواية
وضع النبي صلى الله عليه و آله وسلم رحله للتستر عن المارّ
بما يدلّ على عدم الفرق بين صلاة المتقدّمة
وكونها في القبلة في غير صلاة، بل بين ذلك وبين مرور الغير، رجلاً كان أو مرأة بين
يدي المصلّي ؛ فيلحق صورة المحاذاة بالأولوية، ويكون التعليل مفيداً للصراحة في
عدم البأس في ذلك كلّه.
وأمّا المناقشة بتقيد الإطلاق بما دلّ على اعتبار الفصل على الاختلاف، ففيه بُعد
تأخير البيان في ما يعمّ به البلوى بهذه الدرجة العجيبة، إذ قلّما كان يتّفق حيث لا يقع
فيه هذا الاجتماع في الصلاة في تلك الأزمنة.
كراهة الصلاة مع تقدّم المرأة على الرجل أو محاذاتها له
كما أنّ التقييد بالشبر، وحمل اعتبار مثل عشرة أذرع على الاشتمال على القدر، وهو
الشبر، عجيب جداً، بل يمكن جعل ذلك من شواهد الكراهة، إذ المتحاذيان بحسب
الغالب يقع الفصل بينهما بشبر، نصف ذلك يشغله ثوب واحد منهما، ونصفه الآخر
ثوب الآخر، وكذلك ما في رواية «عيسى بن عبداللّه القمي»، سأل الإمام الصادق عليه السلام
عن «امراة صلّت مع الرجال، وخلفها صفوف، وقدّامها صفوف، قال: مضت، صلاتها،
ولم تفسد على أحد، ولا تعيد»
جواهر الكلام، ج 8، ص 306، سطر15.
[و] صحيح «الفضل» المروي عن «العلل» في الفرق بين مكّة وغيرها ؛ وأنّه إنّما
يكره في سائر البلدان بضميمة عدم القول بالفصل بين البلاد إلاّ بأكثريّة هذا الابتلاء
في الاجتماع يومئذٍ في مكّة من سائر المجامع والمساجد والمشاهد ؛ فالتصريح بالكراهة
مع الحاجة على تقدير إرادة الحرمة إلى التصريح بالحرمة والتعبير بالمضيّ مع عدم
الإعادة في خبر «عيسى»، والاشتهار بين المتأخّرين الذين هم أعلم بفقه من تقدّم
عليهم منّا، مع مشاهدة الواقع بحسب السيرة، ومقتضيها من العسر والحرج كما مرّ، مع
هذا الاختلاف في أدلّة التحديد الكاشف عن أنّ الحكم ما فيه اختلاف المرتبة ثبوتاً
ونفياً بحسب اختلاف مقادير الفصل. وأمّا حمل ما لا يتخطّى، على الارتفاع بهذا المقدار، فبعيد من جهة الإرداف في
صحيح «زرارة» بقدر عظم الذراع فصاعداً وفي رواية «السرائر»:
«بقدر
ما
لا يتخطّى» «أو قدر عظم الذّراع فصاعداً»
ولا يوجب هذا الارتفاع تعدّد المكان
؛ نعم يمكن تخفيف الكراهة به من جهة الستر في الجملة، وقد ورد كفاية الحاجز الذي
لا يختصّ بما به التعدّد في المكان، بل يمكن عدم الاختصاص بتقدّم الرجل معه
على المرأة.
والحاصل: أنّ روايات الشبر، والذراع، وعظم الذراع، وموضع رحل، وقدر شبر، أو
ذراع ـ على كثرتها ـ غير مختصة بتقدّم الرجل على المرأة بهذا المقدار المذكور فيها،
وإن كان فيها ما له الاختصاص، كما دلّ على البأس مع عدم التفاوت بما بين ركوعه
وسجودها، أو بما بين ركبتيه وسجودها، أو بتقدّمه عليها بصدره.
وما دل على صلاتهما في زاويتي الحجرة الموجود فيهما الفصل بأزيد من شبر في
الغالب، فلا بدّ لهذه الجهة من الحمل على تقدّمه عليها بشبر في خط المحاذاة، أو نحو
ذلك. وكذلك رواية تقدّم أحدهما؛ فلولا تفرقتها بين المحاذاة والتقدّم، أمكن فيها عدم
الاختصاص، إلاّ أنّها أوجبت الحمل على التقدّم في الفعل على ما هو الأنسب.
كما أنّ فيها ما هو ظاهر في إرادة المسافة دون الارتفاع بما لا يتخطّى، أو بالذراع،
أو برحل؛ فلو عمل برواية العشرة أذرع وحملت على التكليف والبطلان، كان جميع
روايات التحديد بذراع فما دونه ملغاة لا محمل لها صحيح ؛ بخلاف صورة الحمل على
الكراهة ؛ فحُمل جميع ما مرّ بها، على مراتب الكراهة، خصوصا مع عسر الالتزام
بالبعد في المجامع مطلقاً وفي البيوت للمتعارف الذي هو مجمع لعدّة رجال ونساء، كما
أنّ ذكر الذراع وما دونه، والعشر، والسكوت عمّا بينهما من التفاوت الكثير أيضاً
من شواهد الكراهة، وفيها ما عبّر بلا ينبغي. واشتهار العمل من المتقدّمين برواية المنع، لا يوجب إلغاء الروايات الكثيرة
في التحديد بشبر، أو ذراع، ولا إشعار في الروايات على البطلان في هذه المسألة العامّة
البلوى. والمرتكز فيها في أذهان المسلمين خلاف البطلان؛ فلو كان الحكم
هو البطلان، فلا شكّ في الاحتياج إلى بيان أصرح وأوضح، كما هو ديدنهم في
أمثال ذلك. وكيف يدّعي الإجماع في كتاب «الشيخ»، و«ابن زهرة» مع مصير «السيد» قدس سره
إلى الجواز.
وظاهر رواية «عمّار»
وسائل الشيعة، ج 3، أبواب مكان المصلّي، الباب 7، الحديث 1
. كفاية المجوّز في الأطراف الثلاث؛ ولازمه عدم البطلان
بتقدّم المرأة بشبر لو كان هو الحدّ، مع ما في التحديد بشبر من الإشكال ؛ فإنّه
هو البعد الموجود في الغالب ؛ فاعتباره كعدم اعتبار شيء ؛ وكذا الفصل بين مكة
وسائر المجامع، وبين المجامع العامة والخاصة ؛ كما مرّ ممّا يزيد في قوّة الجمع بالحمل
على الكراهة.
وبالجملة: المعارضة، بين طائفتين من الروايات، أعني الموثّقة وسائر المستفيضة،
وفيها التّصريح بالجواز المطلق الّذي هو بعد ملاحظة عدم إمكان ارتكاب التجويز
يُعدّ في طرف المعارض؛ وجميع روايات هذا الطرف تدلّ على عدم لزوم العشر، وعلى
عدم البطلان، بخلاف ظهور الموثّقة. والشهرة بحسب الفتوى، في الموثّقة؛ وبحسب الرواية، في المعارض المستفيض،
وهي على ما اخترناه كالفتوائيّة، لأنّ فتوى الرواة في تلك الأعصار إنّما هي برواياتهم،
والاتّفاق على عدم التحديد بما دون العشر إمّا لعدم التحديد رأساً، أو لأنّ الحدّ هو
العشر يوجب رفع اليد عن المفهوم والاقتصار على دلالتها بالجواز في ما دون العشر
تكليفاً ووضعاً؛ مضافاً إلى عدم التصريح في رواية بالبطلان مع حاجتها إلى التصريح،
وإلى كشف أسئلة الرواة عن عدم وضوح البطلان لديهم، حتّى لم يقع سؤالٌ مبنيٌّ على
العلم بالبطلان، مضافاً إلى ما في معاملة المطلق والمقيّد من لزوم تأخير البيان في هذه
المسألة العامّة البلوى في المطلقات التي منها:
«جعلت لي الأرض»
إلى آخره، بحسب
إطلاقه الأحوالي، وفي جميع روايات المقام غير رواية «عمار» على فرض أنّها
المعارض، لعدم ذهاب المتقدّمين سوى «الجعفي»، وفي خصوص الذراع إلى غير رواية
«عمار».
وبالجملة: فملاحظة مجموع الاخبار، يوجب القطع بالحمل على الكراهة ؛ وملاحظة
خصوص رواية عمار، فيها بعض ما تقدّم، ولا يوجب الشهرة إلغاء غيرها، لأنّها
استنباطيّةٌ، وكأنّه لمكان أنّها أخصّ ما في الباب، فيقيّد جميعها بها ؛ وهو كما ترى، غير
مقبولٍ لنا، لبعد هذا التقييد، ولمخالفته للسيرة الارتكازيّة، والعمليّة الّتي ليس دعواها
مجازفةً ؛ فالمصير إلى ما عليه المتأخّرون المؤيّد بأنّ فيهم مثل «السيّد» قدس سره ، على تبحّره
وقوّة استنباطه هو الأقرب. ثمّ إنّه على تقدير اختيار المشهور بين المتقدّمين من البطلان بغير الفصل بما دون
العشر أذرع، فهل تبطل صلاة المتقدّم بمحاذاة المتأخّر في الفعل، أو تقدّمه لو كان
امرأة، أو لا ؟ ظاهر الأسئلة عن صلاة من في جنبه، أو قدّامه امرأة تصلّي، هو السؤال عن صلاة
المتأخر والجواب عنه؛ فهذا هو المنصرف إليه الإطلاق لو كان، مع وضوح عدم
الاستقامة مع إرادة الإطلاق، لكونه خارجاً عن الاختيار ؛ فلا يستفاد الوضع المفاد
بالتكليف المخصوص بالاختيار.
في أنّ المدار في الكراهة على صحّة الصلاتين لولا المحاذاة، أو لا
وهل يبطل الصلاة مع اعتقاد المحاذاة في ما لو تمشّى القربة ولو للجهل بالحكم، ثم تبيّن
بطلان صلاة الآخر، أو نحو ذلك؟ الأظهر كفاية الصلاتيّة بلا مانع واقعي مع تحقّق
القربة، [و] هل البطلان الحادث في أثناء الصلاة مع المحاذاة كذلك، الأظهر عدمه،
وكفاية المحاذاة مع الصحيحة حالها في البطلان وإن لم تتمّ صحيحة إلى الآخر ؛ ولذا
يعامل في بطلان صلاة الإمام في الأثناء معاملة الصحيحة قبل البطلان، مع أنّ الصحة
إلى الآخر استصحابيّة، والتخلّف عنها كثير، فيلزم عدم الاستقامة كما مرّ، وإن كان
ذلك ايضاً من مبعّدات أصل الحكم بالبطلان.
رجوع كلّ من الرجل والمرأة إلى إخبار الآخر
والظاهر عدم المحلّ للرجوع إلى الآخر في الصحة لكفاية الأصل ؛ وأمّا البطلان،
فمرجعيّة الآخر في ما لا يعلم إلاّ من قبله في غير المرافعات لا يخلو عن شبهة، إلاّ
أن يقال: هو في اُموره الشخصية أقوى أماريّةً من ذي اليد في ما في يده، ومن أصالة
الصحة لولا إخباره بالبطلان بذلك.
نعم مع عدم الاختصاص به يمكن ترجيح أصالة الصحة على إخباره بالبطلان
الراجع إلى الإخبار بصحّة صلاة المقارن، أو المتأخّر في الفعل. ومنه يظهر عدم
وجوب الاستعلام منه أو غيره، إلاّ مع إرادة عدم الإعادة على القول بحجيّة إخباره
بالبطلان وصحّة صلاة المستفسر؛ وإلاّ فمع الإعادة برجاء الوجوب الواقعي،
لا وجوب للاستفسار.كما أنّه مع أصالة الصحّة في صلاة الغير المفيدة لبطلان المقارن، أو المتأخّر،
فاحتمال
وجوب السؤال ـ لوجوب الإعادة للزوم الفحص عن المعارض، كالبيّنة على البطلان
مع سبق البيّنة على الصحة، ونحو ذلك ـ
قد يدفعه إيجابه للعسر والحرج، وجريان
العمل المستمر على البناء على صحّة صلاة الغير في سائر الأحوال. وما حكي عن حواشي «الشهيد» من التفصيل عن الفاضل بين الإخبار بالبطلان
دون الإخبار بالصحّة، ومفرّعاً عليه أنّ إخبارها بعدم طهارتها استناد إلى
الاستصحاب في عدم الطهارة، وإلى اصالة الصحة في عمل الغير، وبالطهارة مخالف
للاستصحاب، ولأصالة الصحة المذكورة مبني على الغفلة عن أصالة الصحة في عمل
المخبر الحاكمة على استصحاب عدم الطهارة، والحاكمة على أصالة الصحة في عمل
الغير، لأنّ الشك فيها مسبّب عن الشك في صحة صلاة المخبر. هذا كلّه مع البناء على الإعادة مع إحراز البطلان بعد العمل الواقع قربيّاً لغفلة،
أو جهل موضوعي، أو نحوهما، وإلاّ فلا محلّ للبحث عن العمل بقول المخبر مطلقاً
أو التفصيل. ثم إنّه مرّ وجه الحكم بالصحّة على تقدير اعتقاد عدم المحاذاة، أو عدم كونها مع
الصلاة الصحيحة لولا هذه المحاذاة لصحيح: «لا تعاد» وسائل الشيعة، ج 4، أبواب قواطع
الصلاة، الباب 1، الحديث 4.على تقدير البناء على المانعيّة
في غير العلم والعمد أيضاً، كسائر الشروط والموانع، مع إمكان المنع هنا، كما يرشد إليه
الارتكاز؛ وعلى تقدير العموم، فمع معارضة أصالة الصحة بإخبارها بالبطلان
المستلزم لصحّة صلاة الرجل المحاذي، يقع الشك في كون هذه محاذاة مانعة للشكّ في
الموضوع، وهو صلاة المرأة مثلاً، وأنّها صحيحة أو لا، فيمكن رفع المانعيّة المشكوكة
بالبراءة في الشبهة الموضوعيّة للمنع الغيري. ويمكن جريانه بعد الاطلاع في أثناء الصلاة في ما علم بصحّة صلاة المرأة، ولم يكن
إلاّ معتقداً لعدم المحاذاة في الصلاة الصحيحة ؛ فيمكن تصحيح ما سبق، «بلا تعاد»،
والاكتفاء في ما بعد بجعل الفاصل إن أمكن، أو النقض إن لم يمكن مع عدم ضيق
الوقت عن ركعة صحيحة. وأمّا وقت الرجوع، فقد مرّ جوازه بعد الصلاة، لعدم الإعادة إذا أخبرت بالبطلان
على تقدير الإغماض عن عموم: «لا تعاد»، وكذا في الأثناء إن أراد الإتمام صحيحاً
على ما مرّ، مع إخبارها ببطلان صلاتها، أو مع الفصل في ما بعد ولو علم بالصّحة
لحديث: «لا تعاد»وسائل الشيعة، ج 4، أبواب قواطع
الصلاة، الباب 1، الحديث 4.كما مرّ ؛ وأمّا قبل الصلاة، فلا محل للاستفسار عمّا لم يقع بعدُ. ومنه يظهر ما في المحكي عن «جامع المقاصد» ؛ فإنّه لا مانع من قبول إخبارها بعد
الصلاة ببطلان صلاتها، والحكم بصحّة صلاة المحاذي على الوجه المتقدّم، ولا محلّ
لمعارضته بأصالة الصحة في صلاة المحاذي، لكون الشك في صحّتها مسبّباً عن الشك
في المبطل المذكور.
وأمّا مع عدم علم كلّ بالآخر لظلمة أو عمى، فيمكن أن يكون نظره في التردّد في
الإبطال احتمال لحوقها بالحاجز المانع عن المشاهدة ؛ وأما على تقدير القول بالإبطال،
فلا فرق بين الصورتين وغيرهما في إثبات الصحّة بإخبارها بالبطلان، وقد مضى
الكلام في تبيّن المبطل في الأثناء، وأنّه يمكن كما في ما بعد الصلاة اختيار الصحّة
بحديث: «لا تعاد»، مع الفصل في ما بعد، كالتستّر بعد الانكشاف غفلة، وليس فيه إلاّ
معارضة إخبارها بالبطلان مع أصالة الصحّة، وقد مرّ ما فيها، وفي المحكي
عن «المدارك» ما لا يوافق ما ذكرناه، خصوصاً قوله:
«ولو علم بعد الصلاة صحت»،
وفي الأثناء يستمرّ ؛ فإنّ الصحة بعد الصلاة، لا تجري إلاّ على حديث: «لا تعاد»، وفي
الأثناء لا بدّ من رعاية الشرط بعد العلم.
إلاّ أن يقال: إنّ هذا الشرط ممّا يكون محلّه قبل الصلاة بحسب المفهوم من الأدلّة،
ولا يعبأ بما يتّفق بعد الشروع مراعياً، كما ربّما يشعر به كلامه السابق من اعتبار العلم
قبل الشروع ولو بإخباره.
ويؤيده: أنّ السؤال في الروايات عن صلاة المصلّي وبين يديه، أو على أحد جانبيه
امرأة تصلّي، ونحو ذلك، ممّا يعلم إرادة استعلام الوظيفة حين الدخول في الصلاة،
مضافاً إلى سائر المؤيّدات التي منها الاقتصار على المتيّقن مانعيّته، وهو المحاذاة الواقعة
في أوّل الصلاة، لا أعمّ منه ومن الواقعة حال التسليم.
الفرق في الكراهة بين اقتران الصلاتين وعدمه
ومنه يعلم حال ما يقال من أنّ مانع الكل مانع البعض، إذ هو في غير مثل المكان
الذي لا يختار للصلاة نوعاً إلاّ قبلها، ومنه يظهر الحال في وجه اختصاص البطلان
بالمتأخّرة مع عدم المقارنة. فإنّه لا موقع لحمل السؤال على الأعمّ ممّا يقع مقارناً
لتسليم المتقدّم في الفعل، بل المنساق هو السؤال عن صلاة المقارن، أو المتأخّر مع
مناسبة، مثل المكان وخصوصياته لذلك، لا لغيره. وما يستفاد من صحيح «علي بن جعفر» عليهماالسلام من بطلان المتأخّرة فعلاً المتقدّمة
على القوم بحسب الظاهر من تأخّر صلاتها عن دخولهم في الصلاة ؛ فمانعيّة مانع الكل
للبعض أجنبيّة عن المقام بعد التأمّل في خصوصيّاته ؛ فما عن جماعة من الاختصاص
المذكور، هو الصواب، إلاّ أن يجعل لوازم الخلاف من مؤيّدات الحكم بالكراهة التي
تتعلّق بغير المستحيلات.
زوال الكراهة إذا كان بين الرجل والمرأة حائلٌ
ثم إنّ الوجه في إلحاق الظلمة، والعمى، وتغميض العين بالستر المذكور في رواية
«الحلبي» هو أنّ الساتر مقدّمة للاستتار الحاصل بهذه الاُمور ؛ فالمناسب إلغاء
الخصوصيّة. وأمّا عدم الحاجة إلى الستر مع الغني عنه بغمض العين، فلعلّه لمكان
صعوبة الغمض الدائم بحيث يكون مورداً للتكليف الشرطي في جميع الصلاة، كما هو
واضح؛ كما أنّ العمى حائل للأعمى عن غيره، فلا ينفع للبصير ولصحّة صلاته عدم
إبصار الأعمى له، وليس الممنوع الإبصار الفعلي الحاصل في كون العريانة قبال
المصلّي؛ كما أنّ ساتريّة الساتر لكلٍ من الشخصين عن الآخر إنّما يراد لصحّة صلاة
كليهما ؛ وأمّا صلاة أحدهما، فيكفي في صحّتها عدم إبصاره للآخر، ولا يلزم عدم
إبصار الآخر له في صحة صلاة الأعمى المفروض ؛ فلا يمنع ذلك عن المذكور من إلغاء
الخصوصية. بقي الكلام في عبارة «المبسوط» المحكية في «الجواهر»:
«فإن صلّت خلفه في صفّ،
بطلت صلاة من عن يمينها وشمالها، ومن يحاذيها من خلفها، ولا تبطل صلاة
غيرهم ؛ وإن صلّت بجنب الإمام، بطلت صلاتها وصلاة الإمام، ولا تبطل صلاة
المأمومين الذين هم وراء الصف الأول»، والمناسب في الأول بطلان صلاة جميع
الصف الأول، لمنع الحيلولة مع المساواة في الموقف، وعدم البعد بالعشر. إلاّ أن يكتفي بالحيلولة في حالة السجود مثلاً، كالرجل لو قيل به لتمام الصلاة
كالحائط القصير؛ فلا تبطل صلاة غير رجلين من الصف الأول المتّصلين بها موقفاً. وأمّا الصف الثاني في غير المحاذي حقيقة، فلا تبطل صلاتهم، أي بما أنّها صلاة، أو
بعد العدول بعد العلم، لعدم صدق تقدّم المرأة بالتقدّم في خط الصفين؛ وأمّا الصلاة
بجنب الإمام، ففي بطلان غير المحاذي لها من الخلف، ما مرّ. ومنه يظهر الحال في الصف الثاني، لعدم التقدّم إلاّ في الخط، وللحيلولة للمحاذي
للمحاذى لها ؛ هذا مع إمكان دعوى كفاية التقدّم اللازم في الائتمام، لعدم صدق المحاذاة
على الحقيقة ؛ فإنّه كالتقدّم بشبر الكافي في التقدّم الرجل على المرأة. ثم إنّ الظاهر أنّ الحاجز يعمّ المانع من الرؤية فقط، والمانع عن التخطّي والعبور
فقط ؛ فيشمل الزجاج، والمشبك، والحائط القصير، كما ذكر الأخير في الرواية المروية
عن «قرب الاسناد» وذكر أنّ حيطان المسجد كُوى كلّه، في صحيح «علي بن
جعفر» وسائل الشيعة، ج 3، أبواب مكان المصلّي، الباب 8، الحديث 1 عليهماالسلام .
زوال الكراهة إذا كان بين الرجل والمرأة بعد عشرة أذرع
وأمّا التباعد بمقدار عشرة أذرع المحكي عن «المعتبر» و«المنتهى»، الإجماع على كفايته
في رفع المنع، فهو المفهوم من موثق «عمار»، وإن ذكر الأزيد لفهم إرادة إحراز العشر،
كما يفهم من كلمات مدّعى الإجماع فهم ذلك، وقد وقع مثله في قوله تعالى «فإن كنّ
نساء فوق اثنتين»سورة النساء، الآية 11.وإن علم ذلك بضميمة دليل آخر، إلاّ أنّ الكلام في حسن التعبير
مع المناسبة في المقام بعدم العلم إلاّ بالزيادة، أو النقيصة غالباً. وجعل الأزيد كناية عن التفاوت اللازم في ما بين مسجده وموقفها، كما عن «كشف
اللثام» ففيه مالا يخفى
؛ فإنّ هذه الكناية تحتاج إلى قرينة، مع أن المناسب حينئذٍ
أن يعبّر بأحد عشر، أو اثنى عشر ذراعاً لتعيّن ملاحظته غالباً قبل الصلاة ؛ كما أنّ
ذلك، أي تعيّن تعيين الموقف قبل الصلاة، يرشد إلى أنّ اللازم حساب ما بين الرجل
والمرأة، أي موقفيهما؛ فإنّه المفهوم ممّا بينهما، خصوصاً مع شهادة تعيّن ذلك في المحاذاة،
فلا محلّ لاحتمال لزوم الأزيد.وأمّا الفوقيّة والتحتيّة، فعن «غاية المراد» احتمال فحوى المنع ؛ وفيه أنّه لا مساواة
ولا أولويّة عن المنساق من النصوص، وهو صورة تساوي سطحيهما موقفاً ؛ ولو
فرض الأولوية، فلفوقيّة المرأة من الرجل، لا الأعمّ من المحاذاة. وأمّا ما جعله منشأً للشك في «الجواهر» من اختصاص البعد في الموثّق بالجهات
الثلاث من اختصاص نفي البأس بالخلف، فيتدافع المفهومان،
ففيه
ـ [مع] أنّ لازم
التدافع سقوط كليهما، والرجوع إلى أصالة عدم المانعيّة بعد الإطلاقات ـ أنّه لا محلّ
لتعدّد المفهوم، بل للمفهوم أيضاً ؛ فإنّ كلاًّ من المنطوق والمفهوم، مذكوران في الموثّق ؛
فالصدر مفهوم الذيل، وبالعكس ؛ والمفروض أنّ المفهوم من الصدر، الجهات الثلاث؛
فلا محلّ للمفهومين المتدافعين ؛ وكذا ما عن «غاية المراد» من أنّ مفهوم:
«إلاّ
أن
يكون قدّامها ولو بصدره»، أنّ فحواه المنع من الجهتين ؛ فإنّ المستثنى كالمستثنى
منه في الاختصاص بتساوي الموقفين سطحاً. وحيث إنّه شرح ما عن «غاية المراد» بتدافع المفهومين، أورد عليه بعدم المفهوم
للذيل، لعدم اشتراط الخلفيّة المنتفية في الفوقيّة والتحتيّة، بل المانع هو المحاذاة، والتقدّم
المنتفيان في ما ذكر، فلا تدافع بين مفهومين. وأمّا عدم الإيماء في النصوص فلا يضرّ بالإطلاق لو صحّ، وقد مرّ ما فيه. وأمّا
اتصال الخط من الفوق، أو التحت إلى موقف واحد فهو كمكان واحد، لهما معاً،
بخلاف الصورتين، لتعدّد المكان فيهما، فهو كاتصال الخط من أحد المتحاذيين إلى
الآخر، ومن المتأخّر إلى المتقدّمة، لا يؤثر في الأولويّة المدّعاة شيئاً؛ فإنّ الواصل بينهما
الموجب لاتحاد المكان هو الخط، وهو مشترك بين الفرضين.
إلاّ أن يقال: يصدق على الفوق والتحت أنّهما في جهة المصلّي، بخلاف القدّام والجنب،
والكلام في مانعيّة ذلك، خصوصاً مع ملاحظة التحت، خصوصاً في دعوى الاُولويّة
في الفوق والتحت. ثم إنّ ذلك مع عدم صدق التقدّم والمحاذاة مع صدق الفوقيّة والتحتيّة في الجملة،
كالارض المنحدرة تقف في أعلاها ويقوم في أسفلها، كما هو واضح لأنّ العبرة بصدق
ما هو مانع، لا بتحقّق ما ليس بمانع، وكذا لو كان ارتفاع أحد السطحين عن الآخر
قليلاً لا يمنع عن صدق المانع المذكور. وأما تعيين المسافة، وتحقيق العشر في ما بين الموقفين، فالأظهر أنّه لو كان طريق
معتاد للوصول من موقف واحد إلى موقف آخر كالدرجات المعتادة، فالعبرة
من تقوية السقوط مع عدم التساوي في الموقف فلا يمكن الالتزام به مع صدق التقدّم
والمحاذاة، كما إذا كان اختلاف السطحين غير كثير، وإنّما يعتبر بحسب المنساق
من الأدلّة وحدة المكان الغير الصادقة مع العلو الكثير قطعاً. والتبادر المنفي في ما عن «كاشف اللثام» كذلك، كما أنّ دعوى صدق التقدّم
والمحاذاة في مجرّ جهة القدام، أو اليمين، كما لعلّه المفهوم من «الجواهر» كذلك ؛ فإنّه مع
تعدّد المكان، لا عبرة بتحقّق جهة اليمين مثلاً، أو القدّام، كما لا يعتبر التساوي في
الموقف مع عدم تعدّد المكان عرفاً، وهو ـ أعني عدم التعدّد ـ هو المنساق من الأدلّة ؛
وإطلاق التقدير بضلع المثلّث فيه ما قدّمناه ؛ فما بين موقفي الذاتين هو المعتبر بحسب
الاعتياد، ومع عدمه أحدث زاوية، كما في صورة عدم التساوي في الموقف، أو لا،
كما في صورة التساوي، وهذا أولى من التعبير بضلع المثلّث، أورث زاوية، أو لا ؛ فإنّه
مع فرض المثلّث لا بدّ من الزاوية، وإن كان لا أثر لها في تقدير المسافة الجاري في
التساوي في الموقف بلا زاويةٍ، وكذا الاشكال لو كانت العبارة «بين الزاويتين»، وهو
الذي لا يصدق بينهما إلاّ به، وهو عبارة عن اعتبار الجهة في القدّام، أو الجنب من دون
اعتبار للزاوية المتوقّف على ميل في الخطّ في ما بينهما، وانحراف بسبب عدم التساوي.
وأمّا مقايسة ارتفاع الحائط بالحفرة في عدم الاعتبار، فلا بأس به لم يكن الطريق
المعتاد بينهما كذلك، لما مرّ من ملاحظة أقصر الخطوط للقرب والبعد، وتحديده
بالعشر، فكأنّ القياس، لمكان عدم لزوم إمكان العبور بحسب العادة، بل يعتبر المسافة
الواقعة في البين، كان من الأخفض إلى الأعلى، أو عكسه، أو في طرفي الحفرة البعيدة
القعر، حتى يكون طرفه المساوي لموقف المصلّي بلا مانع ؛ ولو كان المسافة لولا الحفر
ذراعين مثلاً، فالقياس في محلّه، لولا ما قدّمناه في ضلع المثلّث بعد الطريق المعتاد. وأمّا الحمل على إرادة الجهة حتى في التقدير بلا ملاحظة الزوايا، فلعلّ المراد
الاكتفاء بالمسافة الواقعة بين موقف المصلّي إلى أعلاه المحاذي لموقفها، أو بين موقفها
إلى الأسفل المحاذي لموقفه، فيكون التقدير بالعشر بالجهة التي لا يتجاوز عن حدّها
في العلّو، أو لا يتنزّل عن حدّه في السفل.
بل مع قطع النظر عن الخط الأقصر، لا بدّ من العبور من الزاويتين في الفرضين ؛
وأمّا جعل الحائط كالرحل من الفاصل بينهما، فهو على تقدير الاكتفاء بمطلق الحائل،
ومع تسلّم الحيلولة في ما لو صلّت في طرف البناء المشرف على موقفه بلا فصل مانع
عن الرؤية ؛ وكون مثله المانع عن العبور حائلاً، لا يخلو عن تردّد، إلاّ مع إلغاء
الخصوصيّة، لكنّه مع الاكتفاء بالمانع عن العبور مطلقاً، أمكن جريانه في الحفرة
الواسعة أيضاً ؛ فإنّه كالنهر بين المصلّيين.
زوال الكراهة لو كانت المرأة وراء الرجل
وأمّا تأخّر المرأة عن الرجل، ففي الموثّق اعتبار العشر أذرع من الجوانب الثلاثة وكفاية خلفيّتها ولو مع إصابة ثوبها لثوبه، ومقتضى إطلاقه ـ كما في «الجواهر» ـ عدم
الاكتفاء بالتأخّر بشبر ونحوه، لصدق المحاذاة عرفاً، ومعها لا بدّ من الفصل بالعشر. وأنت خبير بما فيه
؛ فإن الصحاح المشتملة على الاكتفاء بتقدّمه بصدره، وبأن يكون
سجدوها مع ركوعه يوجب تقيّد ما دلّ بإطلاقه على لزوم الفصل في أيّة محاذاة عرفيّة
بتخصيصها بالمحاذاة الحقيقية، وإن عدم البعد العرضي ـ أعني عدم المسوّغ من جهة ـ
لا ينافي التسويغ من جهة البعد الطولي ؛ كما لا ينافي التسويغ من جهة الحائل ؛ وكذا
إطلاق مادلّ على كفاية قدر الذراع، وقدر شبر، وقدر ما لا يتخطّى بينها، أي بين
موقفيهما الملازم لما بين مسجديهما من جهة الطول، أو العرض ؛ فتقيّد البعد في العرض
بالموثّق، لا ينافي تقيّد ما في البعد الطولي بالإطلاق في الموثّق بما في تلك المستفيضة
تخصيصاً في الطول؛ وجعل كلّ ذلك شاهداً للتنزيه، لا ينافي ما ذكرناه على تقدير فهم
البطلان المستفاد من مثل قوله عليه السلام :
«وتعيد المرأة صلاتها»، يعني أمام المأمومين ؛ بل
يمكن أن يكون إجماع «المنتهى» دليلاً لنا لا علينا، لاكتفائه بالتقدّم بشبر، أو مسقط
الجسد. والظاهر صدق الأوّل في ما بين الموقفين أو المسجدين، لا ينافيه التخيير في
كلامه بين الأقل والأكثر، نعم لا يقطع بغير ما بأيدينا من المستفيضة على اختلاف
ألسنتها؛ فلا بدّ من الجمع بينها، وهو على تقدير الكراهة واضح، وعلى تقدير المنع بما
أوضحناه. نعم كفاية هذا القدر من تقدّمه، لا تستلزم كفايته في تقدّمها، وإنّما يمكن فهم ذلك
ممّا فيه الاكتفاء بالشبر، أو الذراع، أو قدر ما لا يتخطّى بينهما، وكذا إطلاقات ما في
الباب من المعتبرة، وما يؤيّدها من السيرة، والجرح الشديد، كما يعلم حالها من
ملاحظة عدم الفرق بين المحارم وغيرهم، مع ما في البيوت، خصوصاً في الأعصار
المقارنة لصدور هذه الروايات، والمتقدّمة عليه من الضيق، والاجتماع، وأنّ خلاف
المعتاد الطبيعي، لا بدّ له من تصريح بالبطلان، لا الظهور، فضلاً عن الظهور
في نفي البأس.
حكم مالا يتمكّن من التباعد والتأخّر في ضيق الوقت
ثم إنّه حكي عن جماعة، سقوط الحكم منعاً وتنزيهاً في ضيق الوقت ؛ ولا ريب فيه
مع الضيق اللازم عن ركعة تامّة بلا محاذاة، أو تقدّم في الوقت، وأمّا تمام الركعات فهل
هو كذلك، أو لا مقتضى الارتكاز في تقدّم الوقت حتى الاختياري، وفحوى:؟ «لا
تعاد»، في الوقت الظاهر في وقت تمام الصلاة بالنسبة إلى العمد الحاصل مع الدوران
المفروض. ولا ينافيه «من أدرك»، لعدم تكفّله للجواز التكليفي، بل الوضعي لما يتأخّر
عن الإدراك من الصلاة؛ فيكون كالتقييد الوضعي للفوت الذي لا يعاد منه بعموم
دليله المذكور، مع ثبوت المنع في هذا الشرط ممّا تقدّم من الكلام، هو تقدّم رعاية
الوقت الاختياري على رعاية هذا الشرط.
وبالجملة: فوجوب الانتظار مع اليأس، غير محتمل ؛ ومع الرجاء، لا يناسب تقدّم
الوقت ارتكازاً على سائر الشروط، إلاّ ما خرج بالدليل ؛ مع أنّه على تقدير عدم
الدليل، فلا يتقدّم هذا الشرط، بل يقع التخيير بين الشرطين، وفي ما مرّ غنى
عن ذلك كلّه.
حكم صلاة غير المكلّف مع التقدّم والمحاذاة
ثم إنّ المحكي عن «الروض» أنّ المشهور الاختصاص لهذا المانع بالمكلّفين؛ والمتيقّن
منه عدم المانعيّة في حق الأطفال في صلاة بعضهم مع بعض، ولا في صلاة المكلّفين
والمكلّفين بمحاذاة غيرهم معهم، أو تقدّمهم على من بلغ.
وأمّا صلاة الأطفال،
فيعتبر فيها شرطاً ومنعاً، ما يعتبر في صلاة البالغين ؛ فمحاذاة
الصبية للرجل، تبطل صلاتها على الشرعيّة، وتقدّم الصبية على الرجل كذلك، وكذا
تقدّم المرأة على الصبي، ومحاذاتهما، وبطلان صلاة الصبية والصبي لا يجعلها كالعدم،
حتى يخرج صلاة الآخر عن البحث، لأنّ البحث في الصلاة الصحيحة لولا المحاذاة
المذكورة، كذا اُفيد. ويمكن أن يقال: إنّ البحث متمحّض في إثبات المنع الغيري ونفيه، ومدرك
الاختصاص للانصراف الحاصل من ملاحظة عسر التجنّب عن الاختلاط مع
الصبيان في الصلاة بنحو المحاذاة، أو تقدّم المخالف، وهذه المرتبة من العسر إن كانت
مانعة عن عموم المنع، بحيث إنّ صلاة الرجل والمرأة لا تبطل بسبب صلاة الصبي
والصبية، فهي مانعة عن العموم في العكس، بحيث لا يبطل الصلاة الشرعيّة من غير
الكبير بسبب صلاة الكبير؛ فإن المانع على الحقيقة هو العسر المشترك في المقامين،
والمرفوع هو المنع الغيري المشترك في المقامين. والافتراق بالتكليف بأصل الصلاة
وعدمه لا يفرق في الجهة المبحوث عنها في المقام، وهكذا الأمر في صلاة غير المكلّف
مع غير المكلّف ؛ فالعسر عامّ في هذه المرتبة الشديدة، والمرفوع المنع الغيري المشترك
بينه وبين ما مرّ في الفرضين ؛ فالتفكيك لا يخلو عن إغماض ؛ وهذا على تقدير عدم
كون العسر بأصله مانعاً عن كون المنع الغيري لزوميّاً حتميّاً.
وأمّا الخنثى المشكل، فلا تبطل صلاته، ولا صلاة غيره بصلاته، رجلاً كان أو
امرأة ؛ فإنّه مع تقدّمها على الرجل يحتمل رجوليّتها، ومع محاذاتها له كذلك، ومع
محاذاتها للمرأة يحتمل اُنوثيّتها ؛ فالمنع الغيري، مشكوك، للشك في الموضوع، وهو
تقدّم المخالفة، أو محاذاة المخالِف، ويجري فيه أصالة عدم المانعيّة في الشبهة الموضوعيّة.
نعم إذا حاذى الرجل من الجانبين مع العلم بالاختلاف، يعلم بالبطلان بسبب
أحدهما، وكذا المرأة، لا مع احتمال اتّحاد من في الجانبين في الرجوليّة وعدمها، أو
احتمال الطبيعة الثالثة المنصرف عنها روايات المنع على هذا التقدير، مع اقتضاء
الأصل لولا الانصراف. وكذا الخنثى لو حاذى المختلفَين ؛ فإنّه يعلم ببطلان صلاته
بأحدهما، وصلاة غيره باطلة بالمحاذاة مع الواسطة، وصحيحة لولا المحاذاة، وكذا لو
حاذى الخنثى الخنثيين مع العلم بالاختلاف، لا مع احتمال غير ذلك.