New Page 1

رسول اللّه‏ صلى ‏الله‏ عليه ‏و ‏آله : غُضُّوا أبصارَكُم تَرَونَ العَجائبَ

 
 
یا ارحم الراحمین
 
یا ارحم الراحمین
 
الفصل الرابع ما تكره الصلاة فيه من الأمكنة طباعة

الفصل الرابع ما تكره الصلاة فيه من الأمكنة

في كراهة الصلاة في الحمّام

أمّا عدم الحرمة والبطلان، فظاهر من ملاحظة سيرة المتشرّعة في عدم المبالاة بالصلاة في هذه الاُمور التي منها الحمّام، ومنها ما يأتي وكذلك ايضاً بحسب ارتكاز المتشرّعة، مع أنّ الصلاة لأهميّتها لا بدّ فيها من إيضاح أمر الشروط والموانع.

وأمّا الكراهة بلا منع تكليفي، أو وضعي، فقد حكي عن المشهور، وعن «الخلاف» و«الغنية»،الإجماع عليها، وظاهر كلامهما وأمثالهما الكراهة المصطلحة.

ويدلّ على أصل المنع، مرسل «ابن أبي عمير» ومرسل «عبداللّه  بن الفضل» في النهي عن العشرة مواضع، منها الحمام، والإرداف بالمكروهات، والارتكاز والسيرة والشهرة، وحكاية الإجماع يوجب الانصراف عن ظهور النهي فيالبطلان، إلاّ أنّ فيالموثّق والصحيح أنّه: «إذا كان الموضع نظيفاً فلا بأس»  

والسؤال فيهما عن الصلاة في بيت الحمّام، وظاهره ما يستحمّ فيه، لا ما يعمّ المسلخ والسطح ممّا هو جاف. وقوله في الصحيح، لا يعلم أنّه من «علي بن جعفر» أو من «الصدوق» أو من «الإمام عليه السلام » إن صحّ مثله عنه، فلا حجيّة فيه في التفسير، فيبقى الترديد في تقيّد النهي المطلق بالنظافة الظاهرة في الطهارة، ولا يخلو عن مناقشة، لأنّ الباقي في النهي حينئذ النجس الممنوع تكليفاً ووضعاً لمكان غلبة الرطوبة المتعدّية في بيت الحمّام ؛ أو يكون المعتبران في بيان الجواز بالمعنى الأعمّ، وعدمه في المنطوق والمفهوم، فلا ينافي ما دلّ على الكراهة المطلقة ؛ فيكون النظيف من الحمّام باقياً على الكراهة بما أنّه بيت الحمّام، وجائزاً لمكان النظافة ؛ فالخالي عن الكراهة رأساً النظيف في غير الحمّام ؛ ولعلّ هذا أقرب الوجهين.

كراهة الصلاة في بيوت الغائط

وتكره الصلاة في بيوت الغائط، كما عن المشهور المدلول عليه بصحيح «زرارة» و «حديد بن حكيم الأزدي» سألا الإمام الصادق عليه السلام عن «السطح يصيبه البول، ويبال عليه، ايصلّي في ذلك الموضع؟ فقال: إن كان تصيبه الشمس والريح، فكان جافّاً فلا بأس، إلاّ أن يكون يتّخذ مبالاً»وسائل الشيعة، ج 2، ابواب النجاسات، الباب 29، الحديث 2. مع الملازمة الغالبة بين مكاني النجاستين لولا إلغاء الخصوصيّة، وكذا فحوى ما في النبوي في المزبلة كنز العمال، ج 4، ص 74، رقم 1483. وما في خبر «عبيد بن زرارة» من استثناء بئر غائط، المقبرة من مسجديّة الأرض كلّها  والنهي عن الصلاة إلى حائط ينزّ من بالوعة والنهي عن الصلاة إلى عذرة وما دلّ على عدم دخول الملائكة بيتاً يبال فيه أو فيه بول في إناء  وأمّا نفي الحرمة والفساد فقد مرّ منا كفاية ارتكاز المتشرّعة، وعدم مبالاتهم بهذه الاُمور في الصلاة، مضافاً إلى الإدخال في سياق المكروهات في النبوي، وكون الأصل في غيره من المكروهات كما عرفت ؛ فما عن «المقنعة»، و«النهاية» من الحرمة أو النهي، لا بدّ من تأويلهما بما لا ينافي الكراهة المصطلحة.

كراهة الصلاة في مبارك الإبل

وتكره في مبارك الإبل، وفي ما تقدّم من النصوص ذكر المعاطن ؛ فإن اُريد منها المبارك ولو بإلغاء الخصوصية لو لم تتّحدا في اللغة لعدم فهم الاختصاص، أو لفهم عدمه من النبوي الدال على أنّ الإبل من الجنّ  وأنّها مأوى الشياطين، فالأظهر عدم الاختصاص بالمبارك عند الماء، بل يعم المنازل عند الحيّ وفي البريّة، ولا يلزم وجود الإبل حين الصلاة، بل يكون موضع الصلاة خالياً ؛ فوجود الإبل بقرب المصلّي لا أثر له في الكراهة، ويدلّ على عدم الحرمة ما قدّمناه عموماً وخصوصاً، وخصوصاً ما دلّ على الأمر بالرشّ والنضح للتخلّص من النقص بسببها، أو لخفّة الكراهة بسببهما بعد اليبس، أو مطلقاً.

كراهة الصلاة في مساكن النمل

وتكره الصلاة في مساكن النمل، حكي عن «الغنية» الإجماع عليه،وذكر في المرسلين بعبارة قرى الَنمْل، وبوادي النمل في خبر «عبداللّه  بن عطاء» عن الإمام الباقر عليه السلام  أو  أودية الَنمل، كما عن تفسير العياشي ولعلّ أوسع العبادات ما في المرسلين مع تفسير اللغويين بالمأوى، إلاّ أنّه يمكن الحمل على ما اختصّ بهم من الأودية، لا إذا اتّخذت مكاناً وحده في بيت معمور، إلاّ أن يلغي هذه الخصوصية، خصوصاً مع عدم إمكان الاختصاص الموجب لصدق القرية، والوادي لهم، ولا يعتبر ظهورهم حال الصلاة في الكراهة، ولا يعلم العلّة أنّه تأذّي المصلّي، أو تأذّيهم، أو المجموع ولو بنحو المعرضيّة.

كراهة الصلاة في مجرى المياه

وكذا تكره في مجرى المياه عند علمائنا، كما عن «المنتهى»، و«جامع المقاصد»، وفي المرسلين ومقتضى ذكر الماء والطين مثل ذكر المجرى، عدم اعتبار فعليّتهما في المجرى، بل المحمول عليه الخالي منهما، فلا بدّ من المعرضيّة للجريان، كما في بطن الوادي. وأمّا الجريان وقتاً مّا فيوجب المنع عن جميع البراري، وهو كماترى. والظاهر ارتفاع الكراهة بما يمنع عن تأثّر المصلّي بسبب الجريان أو لوازمها، كما لو صلّى في محلّ عال تحته نهر، أو ساقية، أو فرش على النهر بعد يبسه، ونحو ذلك.

كراهة الصلاة في أرض السبخة

وفي أرض السبخة (بفتح الباء واحدة «السباخ»). وفي المرسلتين ذكرها. وعن المشهور الكراهة ؛ ومحل الكراهة ما صحّت الصلاة بشروطها التي منها التمكّن حال السجود من وضع الجبهة بأقلّ ما يجزي، إلاّ أنّه لا يكون بكامل الاستحكام والتمكين ؛ فلو أمكن التسوية، والقرار على الأرض في محلّ السجود خفّت الكراهة، أو زالت، يعني إن كان التعذيب موجباً للكراهة فالحاصل هو التخفيف لا الزوال، والنهي عن السجود ظاهر في الكراهة بملاك التمكين، وعن الصلاة يحتمله، والتعذيب. وأمّا خبر «يحيى بن أبي العلاء» و«جويرية بن مسهر» فالظاهر تعدّد الواقعة فيهما، لأنّ في الأوّل: «فمن كان صلّى فليعد الصلاة» وفي الآخر: «فمن أراد منكم أن يصلي، فليصلّ»، وأنّ الكراهة، أو تأكّدها مختصّة بالنبي والوصيّ، وفي الأوّل ذكر السبخة فقط، وفي الثاني: «أرض معذبة»، وعن «الفقيه»: «أرض ملعونة عذبت في الدهر ثلاث مرات»، أو مرّتين، وإن وردت في روايات أخر أنّها كانت سبخة، إلاّ أنّ الاختصاص لعلّه لمكان التعذيب لا لمجرّد السباخة، والمناسب للتعذيب جلالة شأن النبي صلى الله عليه و آله وسلم و الوصيّ عليه السلام عن الصلاة فيها، فإنّها كالضد للمساجد اللائقة بهم عليهم السلام .

وأمّا احتمال الحرمة والفساد، فيدفعه ـ مضافاً إلى فهم الكراهة من المرسلين وإلى الاجماع المحكي نقله عن «المنتهى»، و«الغنية»: ما يمكن أن يفهم من التعليل بالتمكّن من السجود بل من التعذيب أيضاً ؛ فإنّه لا يخلو عن إشعارٍ بكراهة الحكم في مورده، بل في جميع موارد التعذيب في الدنيا، وما قد مرّ في نظائر المقام من السيرة والارتكاز، لعدم مبالاة أهل الشرع في أصل الصلاة بشيء من ذلك.

كراهة الصلاة في أرض الثلج

وكذا تكره في أرض الثلج، كما في المرسلين والمحل الصلاة، لا السجود، كما هو الظاهر، والمفهوم من صحيح «هشام» في تبديله بالثوب حيث لا يتمكّن من الأرض ؛ والكلام في عدم الحرمة ما مرّ في النظير.

كراهة الصلاة بين المقابر

وكذا تكره بين المقابر على المشهور المحكي عليه الإجماع في «الغنية» وظاهر «المنتهى»، كما في «الجواهر». وروايات المقام بين طوائف: الناهية مطلقاً، والمجوّزة مطلقاً، والمفصلّة بين اتّخاذ القبر قبلة، والمفصّلة بين الفصل بعشرة أذرع من الجوانب فيجوز، وعدمه فلا يجوز، والجمع بالتقييد مقدّم على التجوّز، والمتيّقن إرادته ولو بحسب النصّ في دليل النهي اتّخاذ القبر قبلة، بمعنى التقيّد والالتزام القلبي بالصلاة إليها وفي دليل الجواز بالفصل بالعشر، لولا انصراف دليل النهي عن مثله، فيبقى غير الصورتين مجمعاً للإطلاق من الطرفين، فيمكن التصرّف بنصوصيّة النهي في المرجوحيّة في دليل نفي البأس على الإطلاق بالظهور الإطلاقي، وبنصوصيّة نفي الحرمة والبطلان في دليل الجواز من ظهور النهي في الحرمة، أو الفساد، أو ما بمنزلة النّهي على ما فيه من الضعف من جهات.

منها: الإرداف بالمكروهات، وفهم لسان الكراهة من التعداد إلى العشرة، وغير ذلك ممّامرّ إليه الإشارة ؛ ودعوى أنّه غير مقبول، غير مقبولة، إلاّ في تعارض وجوه الجمع بالتصرّف في الدليلين، لا في ما لم يكن له إلاّ وجه واحد عرفي صناعي، كما عرفت ؛ فإنّ التحكيم بحيثيتيّن متغايرتين كدليلين متغايرين.

ولا يخفى: أنّه بعد تقيّد المطلقات بالمقيّدات، يقع التعارض بين الأخيرة، أعني بين ما دلّ على التفصيل بالفصل بعشرة، فيجوز، وعدمِه فلا يجوز؛ وما دلّ على التفصيل بالاتخاذ قبلة فلا يجوز، وعدمه فيجوز. والمجمع صورة الاتّخاذ القصدي مع الفصل بالعشرة بحسب إطلاق دليلهما لصورة وجود الآخر وعدمه، فيجوز فيها بالموثّق  دون الصحيح وكذا صورة عدم الاتّخاذ القصدي وعدم الفصل، فيجوز فيه الصحيح دون الموثّق. ويمكن الجمع بنظر إحداهما في الحكم بحسب القرب الصوري، والاُخرى بحسب القرب القلبي المعنوي ؛ فارتفاع المنع بحسب الأول، لا ينافي الثبوت بحسب الثاني ؛لكن كون الحكم في جميع الصور الأربع مع الاتّخاذ كراهة لا منعاً، قد عرفت الشواهد عليه ؛ فعليه الاعتبار في ما يجوز فيهما، كصورة الفصل لو كان بلا اتخاذ؛ وما لا يجوز فيهما كصورتي الاتّخاذ بلا فصل، فلا يجوز فيهما كصورة الفصل مع عدم، فيجوز فيهما وفي محلّ التعارض المتقدم، لأنّ المنع في مثله ما لا يخفى.

وأمّا احتمال الجمع بحمل النهي على الصلاة إلى القبر، والتجويز مع الكراهة في غير ذلك من الصور ففيه ذكر ذلك في الموثّق أيضاً على حسب غيره من الصور، إلاّ مع ارتكاب عموم المجاز ؛ وهو ممكن، لاحتياج خصوص التجوز في مورده إلى القرينة، لا في الحمل في مورد الوضع على الحقيقة، إلاّ أنّ الاتّخاذ ليس نفس الصلاة إلى القبور المشكل تجنّبها في المقابر، وكذا الفصل بعشرة في الجوانب يكون الأسهل من ذلك الخروج عن المقابر رأساً، وإن كان المقصود منع البينيّة حكماً بتحديد الشارع، وأما عموم الاتّخاذ لصورة الفصل بعشرة فلا ينافي الجمع المذكور، لأنّه كعموم الفصل بالعشرة لصورة الاتّخاذ، بل لابدّ من مرجّح لأحد الإطلاقين، وكأنّه فهم في محكي «الحدائق» أنّ مفهوم الموثّق التسوية بين الجهات ؛ ومفهوم الصحيح، امتياز جهة القبلة، فهو القابل لتخصيص الموثّق.

وقد مرّ أنّ الاتّخاذ هو التقيد والالتزام، لا مجرد الاستقبال بلا قصد متعلّق به. وأمّا الحمل على جعله كالكعبة، فساقط راساً في مطلق القبور، وبحسب ما هو الأظهر في قبور الأنبياء صلوات اللّه  عليهم بعد ضروريّة الاستقبال، وأنّه إلى الكعبة خاصة، فلا محلّ لهذا النهي إلاّ لغير أهل النُهى ؛ مع أنّ المراد مشروح في الرواية المعتبرة بمثل تعبير النبوي في قوله صلى الله عليه و آله وسلم : «بين خللها، ولا تتّخذ شيئاً منها قبلة» فالمراد الصلاة إليها في قبال اليمين واليسار، مع ما مرّ من اعتبار القصد في الاتّخاذ، ولذا لم يقل عليه السلام : «ولا إليها»، وقد مرّ أنّ الحكم هو الكراهة، لما فيه من التشبه بعمل المبدعين سبق، ولعلّه كان منهم على وجه الكفر الاعتقادي الذي لا يخلو منه أغلب الكتابييّن غير المسلمين في هذه الأعصار، غير الكفر بعدم الاعتقاد بآخر الأنبياء صلى الله عليه و آله وسلم .

وأمّا جاعل الموثّق مؤكّداً للمقيّد بالاتخاذ، فلعلّه يقيّد الاتّخاذ أيضاً بعدم الفصل، كما أنّه لمكان تصريح الموثّق بعدم الجواز مع عدم الفصل للاستقبال يكون مؤكّداً للناهي عن الاتّخاذ، وإن لزم منه عموم المجاز في غير هذه الصورة في الموثّق، لكنّه ليس في ما عن «المفيد»، و«الحدائق» جعل مورد النهي الاتّخاذ مع عدم الفصل بعشرة، بل المذكور في «الحدائق» تحريم الاستقبال، والقول بالكراهة في غيره. ويمكن أن يكون مقتضى ما ذكره في الموثّق هو زوال الكراهة في المكروه، والحرمة في الحرام بالفصل بالعشرة، وإن لم يُصرّح به فيه، ويؤيّده ما ذكره من استعمال اللفظ في المعنيين؛ فإنّ النهي عن الاستقبال في الموثّق كالنهي عن غيره في صورة عدم الفصل بالعشرة ؛ كما أنّ الجواز في الجميع في صورة الفصل بالعشرة ؛ كما أنّ التأكّد في الموثّق لمكان النهي عن الاستقبال فيه مع كونه مقيّداً بعدم الفصل فيه هو المناسب للتفصيل، مع الحمل على المعنيين من جهة ذكر غير الاستقبال، وإنّما ذكر في «الحدائق» عدم المعارض للمانع عن الاستقبال، وأمّا التّأكّد فممّا في «الجواهر» شارحاً لما عن «الحدائق» من عدم المخصّص للمانعين إلاّ أخبار الصلاة خلف قبور الأئمّة عليهم السلام ، فالحرام غيرها، ولازمه الجمع في الاستعمال في الخبر ولم ير فيه معاً بل، ذكر له بعض الأمثال، إلاّ ما عسى أن يفهم من «الجواهر» في قوله: وهو مستثنى منها، وقد عرفت ما فيه، وفي ما أجاب به في «الجواهر» عنه. ومثله ما في «الجواهر» في تقرير ما عن «الحدائق» من أنّ مقتضى الإطلاق والتقييد تحريم الاتّخاذ قبلةً، وتقيّده بما في الموثّق مع عدم إمكان تقييد المجوّزات بما في الموثّق بالحمل على صورة الفصل بالعشر، حتى يتّحد حكم الكلّ في عدم الجواز مع عدم الفصل بالعشر مع وقوع الاستثناء لخصوص المتّخذ قبلةً، فلا يناسبه الاشتراك مع سائر الصور، فيتعيّن الحمل في غيره على الكراهة ثمّ أجاب عن ذلك كله بما مرّت إليه الإشارة. ثم إنّ ما ذكره في الجواهر بعد تقرير ما عن «الحدائق» من الالتزام بتقيّد دليل الاتّخاذ المذكور لأدلّة الجواز بعد تقييده بالموثّق، وإن لزم منه عدم المجاز في الموثّق ؛ فيكون الموثّق ـ على هذا الحمل ـ مؤكِّداً لدليل الاتّخاذ [الذي [استشكل فيه بما في النصوص، بعد الجواب المتكرّر عن جمع «الحدائق» من تجويز الصلاة خلف قبور سائر الأئمة عليهم السلام ؛ مع أنّه إنّما التزم بالمنع خلف قبر النبي صلى الله عليه و آله وسلم ، وجوّز الصلاة خلف قبور سائر الأئمة عليهم السلام ، ولا بُعدَ فيه لولا التحريم لما فيه من الشباهة العمليّة باليهود خاصّة في قبور أنبيائهم عليهم السلام ، دون سائر الأوصياء.

وذكر مكاتبة «الحميري» المرويّة في «التهذيب» في الأسئلة الثلاثة وفي الجواب مبدء كلام الإمام عجل اللّه  فرجه الشريف: «أمّا السجود على القبر، فلا يجوز في نافلة، ولا فريضة، ولا زيارة، بل يضع خدّه الأيمن على القبر ؛ وأمّا الصلاة، فإنّها خلفه يجعله الأمام ؛ ولا يجوز أن يصلّي بين يديه، لأنّ الإمام لا يتقدّم، ويصلّي عن يمينه وشماله» وذكر مثله في رواية «الاحتجاج»، إلاّ أنّه عليه السلام قال: «ولا يجوز أن يصلي بين يديه، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، لأنّ الإمام لا يتقدّم عليه ولا يساوي» وما فيهما من المنع عن السجود على القبر، لعلّه يحمل على السجود لهم، أو على الكراهة المحمول عليه الموثّق في الصلاة إليه، مع التعبير بعدم الجواز ؛ وعليها يكون السجود صلاتيّاً في الفريضة والنافلة، وفي الزيارة غير الصلاة لمرتبة من التعظيم، مع أنّه فرضاً للّه  تعالى ؛ فيكون قبرهم عليهم السلام كالكعبة في الصلاة تشريفاً حتميّاً فيه، وغير حتمي في غيره، ولا مانع فيه أصلاً، هو وضع الخد الأيمن، فيجوز في الصلاة، لأنّه ليس فعلاً ماحياً، وفي غيره المنحصر فيه في التوسل بهم عليهم السلام .وأمّا الصلاة في الخلف، فهي مسنونة فيهما. وأمّا الصلاة عن اليمين واليسار، فمورد المنع فيهما ؛ ويمكن الجمع بالكراهة، وعلى تقدير الحرمة، أو يحمل على غير المساوي، وما يصدق عليه الخلف بتأخّر ما في اليمين أو اليسار، كما يلتزم به في المأموم.

ويدلّ على عدم المنع خلف قبور الأئمة عليهم السلام ، بل مطلقاً السيَر المعلومة من أهل الإيمان، بل الإسلام كافّة، عدى شاذّة مستحدثة، ومن المعلوم عدم الحائل المنكر رافعيّته في الأعصار المتقدّمة من صندوق أو ضريح ؛ فاحتمال الحرمة مطلقاً، ضعيف مطلقاً. وأمّا المنع عن الاستقبال المحكي عن «المفيد» قدس سره ، ففيه وهن من جهة ظهور آخر كلامه في ما لا يناسب المنع، يعني التعبير بالأفضليّة ؛ وقد عرفت وجه الجمع بالكراهة في جميع الموارد، أعني موارد عدم البعد بالعشرة، وخصوص الاستقبال كذلك، وخصوص الاتّخاذ إذا كان لا كاتّخاذ اليهود مقروناً بالشرك، أو مشتملة على النسبة المبتدعة.

وأما اعتبار التعدّد في الكراهة، فيمكن منعه لوجود القبر بلفظه في مكان الروايات في الصلاة عليه، كما في خبري «يونس بن ظبيان» و«النوفلي» وكذا الصلاة إليه، كما في روايات الاتّخاذ، مع ما في بعض تلك الروايات، كصحيح «زرارة»: «لا تتّخذ شيئاً منها قبلة» وبعد ذلك ذكر دليلاً عليه قول رسول اللّه  صلى الله عليه و آله وسلم : «لا تتّخذوا قبري قبلة، ولا مسجداً»؛ فإنّه يفهم منه أنّه الأصل، ومن الواضح عدم اعتبار التعدّد في الأصل ؛ وكذا ما في خبر «أبي اليسع» في قبر الحسين عليه السلام من قوله: «تنحّ هكذا ناحيةً» بل لعلّه يعتبر عدم التعدّد لأبعديّته عن التّوحيد الكامل، مع أنّ المستفاد من الموثّق كرامة القرب من القبر في كلّ جهة ورفعها بالفصل بعشرة من تلك الجهة، من دون ارتباط بسائر الجهات كراهةً وارتفاعاً؛ كما أنّ عدم اعتبار التعدّد في كلّ واحدةٍ مّن الجهات واضح بحسب الكفاية في الصدق ؛ ولعلّ الإجماع المحكيّ عن «المنتهى»: أنّه يلوح منه، مبنىٌّ على الفهم من هذه الأدلّة، لا شيئاً مكشوفاً بالإجماع.

وأمّا فهم الكراهة في خصوص الاستقبال، فالظّاهر أنّه في غير قبور الأئمة صلوات اللّه  عليهم بلا وجهٍ، لما في الموثّق من كراهة الجمع في القرب وارتفاعها في الجمع بالبعد الخاصّ؛ كما أنّ عدم صدق البينيّة في ما كان القبر الواحد في إحدى الجهات غير ضائر، لعدم الدليل على اعتبار البينيّة في القبور في الكراهة ؛ مع أنّ المفهوم من الصحيح أنّ ما يكره في اتّخاذه قبلة يرتفع الكراهة بين خللها ؛ فكيف يعتبر البينيّة في الكراهة؟ بل الجمع بينه وبين الموثّق يقتضي أخفيّة الكراهة مع البينيّة بالإضافة إلى الاستقبال، وإنّما تزول رأساً بالبعد المذكور في الموثّق. كما أنّ البينيّة في القبرين معلومة، كانا في الأمام والخلف، أو في اليمين واليسار ؛ ولا يستفاد من الموثّق اعتبار التربيع لإطلاق المنع عن الصلاة في القبور الصادقة بلا تربيع ؛ وإنّما الغالب في المقابر، ومحل الصلاة منها، الإحاطة من جميع الجهات، ولذا ذكر الرفع بالبُعد في جميع الجهات. ولو اعتبر التربيع في الكراهة، لم يلزم البُعد في الأربع، حيث لا كراهة مع البُعد في جهة واحدة، إلاّ أن يكون الرفع تعبديّاً محضاً، وتكون الكراهة عامّه إلى أيّ حدّ من البُعد، وهو كما ترى ؛ فالظاهر تحقّق الكراهة في الاستقبال الاتّخاذي الالتزامي التقيدي مطلقاً ؛ ومطلق الاستقبال في غير المشاهد المشرّفة، وفي الاستعلاء، وفي مصداق البينيّة، ومصداق الصلاة في القبور، تحقّقت المقبرة أو لا.

ويشكل كراهة الصلاة في المقبرة إذا لم تصدق الصلاة في القبور ؛ بل مرّ إمكان استفادة كراهة القرب في الصلاة من القبر ولو من الخلف فقط، وارتفاعها بالبعد الخاص، وكذلك الحال في صدق الصلاة في المقبرة، لا بين القبور، كما إذا كانت في الأمام واليمين، أو في الأمام والخلف، ونحو ذلك ؛ فإنّ الإطلاق يفهم منه موارد الملازمة بين الصلاة في المقابر وفي القبور، خصوصاً بعد الجمع الذي لا يقتضي تقييد المطلقات في الكراهة، بل في مرتبتها.

المتحصّل ممّا سبق

فقد تلخّص: أنّ القرب من جهة، كافٍ في الكراهة في غير المشاهد المشرّفة، والبعد الخاص، بل أصل البعد، يوجب الخفّة إلى الزوال، كما أنّ الصلاة بين الخلل أخف كراهة من استقبالها، وهو أخفّ من اتخاذها قبلة، وزوال الكراهة رأساً بالبُعد الخاص.

ومنه يظهر حال القبرين في جهتين يصدق بهما البينيّة، لعدم لزوم صدقها على ما مرّ، بل اللازم لمريد رفع الكراهة الخروج من المقابر لأنّ تحصيل البعد الخاص أشدّ مشقة من الخروج غالباً.

فلا نحتاج في دفع الاستدلال بما يترائى من الموثّق من جهة اعتبار التربيع إلى عبارات الأصحاب المكتفية بصدق البينيّة الحاصلة من جهتين متقابلتين، بل يكفي صدق الصلاة في القبور التي لا يعتبر فيها التقابل أيضاً مع التعدّد ؛ كما لا يعتبر في صدق الصلاة في المقبرة ذلك ؛ كما أنّ اعتبار المقبرة كذلك، لما مرّ من مفهوم من الموثّق.

كراهة الصلاة بين القبور إلاّ مع الحائل

وأمّا استثناء الحائل، فعن «المدارك»، و«المنتهى»، ما يفيد الاتفاق عليه ؛ والظاهر كفايته في تقيد الكراهة الراجعة إلى أقليّة الثواب في العبادة الراجعة بهذا الاستثناء إلى الثواب مع الحائل بلا نقص ؛ فيكون أقوى من موارد البلوغ بلا حجّة غير أدلّة البلوغ. وقد يستدل بفحوى ما دل على الارتفاع بين الرجل والمرأة في الصلاة من الستر والحاجز والحائط القصير وموضع رحل على أحد الاحتمالين، والآخر رجوعه إلى قدر الذراع، نظراً إلى اختيار جماعة الحرمة في تلك المسألة ؛ فرفع الكراهة هنا بذلك، أولى ؛ لكن الأولويّة ظنيّة، لعدم التلازم بين مقامي الإثبات والثبوت، إلاّ أن يكتفي في الفحوى، بالمساواة، ويكفي في ذلك عدم صدق الصلاة إلى القبور، وفيها من الحائل في الجملة، أعني المانع عن المشاهدة، لا الأعمّ من المانع عن العبور في غير صورة تعدّد المكان المنصرف عنه الإطلاقات هنا وفي غيره. وأمّا العترة وقدر لبنة، أو ثوب موضوع، فلا دليل عليها ؛ وأخبار السترة عن المارّ لا يعمّ المقام، كما لا يعمّ في مقابلة الحيّ القاعد في القبلة.نعم يمكن دعوى أنّ المفهوم المستقبل بلا واسطة، وكذا غير القبلة، فالفصل واسطة في الجملة خصوصاً مع حرجيّة التجنّب ولو كان تنزيهيّاً، لرجوعه إلى تمكّن الغالب من الصلاة الكاملة. وأمّا الاكتفاء بالحائلين في المربعة لزوال البينيّة بهما في اليمين مثلاً، وفي الأمام، وكذا الواحد في المثنّاة، فقد يستفاد خلافه من الموثّق حيث ذكر البعد في الجهات الأربعة مع عدم البينيّة حكماً بالبعد في جهتين، وقد عرفت عدم إناطة الكراهة حدوثاً بالبينيّة حتى ترتفع بزوالها مطلقاً. نعم، لا بأس بالأخفيّة، كما أنّه مع زوالها بإزالة البينيّة، وعدم الحائل من ناحية القبلة، فزوال الكراهة الحاصلة بالبينيّة لا يستلزم زوال الكراهة الحاصلة بالاستقبال، أو الاتّخاذ ؛ فلا بدّ من حائل في تلك الجهة أيضاً. وفي جريان الإطلاقات في القبور بلا علامة ظاهرة على الأرض، تأمّل يشهد بخلافه السيرة العمليّة الّتي استدلنا بها على عدم الحرمة. ومنه ظهر الحال في الفراش، ونحوه الموجب للتساوي بلا امتياز للقبر عن الموقف؛ ومثله التأمل في نزول المدفون خارجاً عن المعتاد، وإن كانت العلامة ظاهرة، حيث إنّ اللازم استقبال صورة القبر مثلاً، لا استقبال القبر.

كراهة الصلاة بين القبور إلاّ مع بُعد عشرة أذرع  

وترفع الكراهة بالبعد عشرة أذرع والظاهر من موثق عمار  وهو الأصل في التحديد بعد انصراف أدلّة المنع عن البعد العرفي الحاصل بهذا الحدّ بل دونه ـ أنّ البعد في كلّ جهة رافع للكراهة الحاصلة في تلك الجهة بالقرب، لا أنّ البعد في المجموع رافع للكراهة في الجميع بحيث لا ترتفع الكراهة أصلاً مع القرب في الخلف مثلاً ؛ فإنّه شيء لا ينسبق إلى الأذهان المعتدلة، بل القرب الخلفي لا دليل على الكراهة معه إلاّ هذا الموثّق، واختلاف التعبيرات في الروايات الكاشف عن أنّ المدار في الكراهة القرب، وفي دفعها البعد. وأنّه ليس المدار على البينيّة حتى ترتفع بالبعد من جهتين في المربعة، أعني الأمام أو الخلف، مع اليمين أو اليسار. وما في الصحيح ـ من الأمر بالصلاة بين خللها في قبال اتخاذ القبلة ـ يحمل على خفّة الكراهة، لا زوالها راساً، وكأنّه حمل في «الجواهر» ما عن «التذكرة» من قصر اعتبار البعد على غير جهة الخلف على مخالفة الموثّق المبنيّة على عدم الكراهة في القرب من الخلف، كما في القرب من المرأة ؛ كما يقول به في «الجواهر» من أنّ البعد من الخلف ليس لرفع الكراهة في الخلف، بل في غير الخلف من الجهات، وهو غريب جداً، ثمّ نقل ما عن «الروض» في «الكفاية» للبعد من غير الخلف بانتفاء صدق في القبور، وإليها بذلك، وردّه بعدم الاختصاص بالخلف، لكفاية البُعد من الجهتين في المربعة أيضاً ؛ بل الرافع ـ كما في الموثّق ـ زوال البينيّة بنحو خاص، وقد مرّ ما فيه. وأمّا ما عن جماعة ـ من اعتبار البعد في الجهات الثلاث ـ فهو وإن كان مخالفاً لما في الموثّق إلاّ أنّه ليس كما يقال بعيداً من الاعتبار المناسب، لما في السيرة العمليّة من عدم المبالاة بالخلف هنا، وفي محاذاة المرأة، وللارتكاز عند المتشرعة ؛ فلا يمكن العدول القطعي عن ذلك بانفراد «عمّار» برواية الخلف، مع أنّ الصحيح جوّز المحاذاة هنا بلا اعتبار البعد مع أولويّة الخلف ممّا فيه، ومنع عن خصوص الاتّخاذ قبلة، مع إمكان اطلاع هؤلاء الأكابر على رواية في الخلف، أو أنّهم فهموا من تأخّر المرأة بإلغاء الخصوصيّة ما يفيد المقام؛ كما أنّ البعد بالعشرة أيضاً لا ينحصر وجهه في الموثّق، لإمكان فهم الإلغاء ممّا في رواية المحاذاة.نعم يمكن الإشكال في الجمع بين الصحيح المتقدّم عن الإمام الرضا عليه السلام ، وما في الموثّق، فيجتمعان ويفترقان، حيث إنّ البعد معتبر وكاف في الجهات في الموثّق، والفرق بين الاتّخاذ وغيره في الصحيح بلا تأثير للبعد، فيمنع عن الاتّخاذ قبلة بلا بعد فيهما. وأمّا سائر الجهات فيجوز فيها في الصحيح ولو مع القرب للإطلاق القوي، ولا يجوز في الموثّق.

والجمع بالحمل على الكراهة، لأنّ النسبة عموم من وجه في التفصيلين فيهما، لازمه إلغاء التفصيلين إلاّ في مرتبة الكراهة، لأنّ ظاهر الموثّق التسوية بين الجهات الأربعة في الاعتبار بالقرب والبعد الخاصّ، وعدم التسوية بين القرب والبعد ؛ كما أنّ ظاهر الصحيح التسوية في الجهات بين القرب والبعد، وعدم التسوية بين الاستقبال، بل الاتّخاذي منه وغيره. والجمع بغير الحمل على مراتب الكراهة لا يخلو عن إشكالٍ، مع أنّ مقتضى السقوط مع المعارضة وعدم المرجّح الداخلي، الرجوع إلى عموم المسوّغ من صحيحين أو الترجيح. وما مرّ من أنّ الاستقبال الاتّخاذي مع القرب مورد المنع في الطرفين، وفي سائر الجهات القريبة مورد النزاع بينهما، وفي الجمع بالحمل على الكراهة تفكيك بعيدٌ فيهما، لا ظهور في التسوية من غير الجهة المبيّنة في واحدٍ منهما ؛ فلا أثر للقرب في واحدٍ، والأثر الاتّخاذ قبلةً في الآخر. فالجمع يكون بالالتزام بالتحريم في مورد الوفاق ؛ وأنّ زواله يكون لأجل واحد من الأمرين أمّا البعد حتى في الاستقبال، أو غير الاتّخاذ قبلة حتى مع القرب، لولا شهادة الاُمور الخارجيّة بالكراهة في الأصل الموافقة لإطلاق الصحيحين العامين، مع أنّ هذا التفصيل لا يعلم قائل به، مع أنّ الاتّخاذ أخصّ من الاستقبال ؛ فيبقى الاستقبال الغير الاتّخاذي داخلاً في الموثّق، وكغيره من الجهات؛ فالمسألة بعدُ غير صافية عن التأمل الذي لا مجال له في ما يتسامح فيه من المكروهات بعد ما عرفت. فلعلّ الأقرب الحمل على الكراهة بمراتبها ؛ كما يشهد بعد ما عرفت، اختلاف تعابير الروايات في التجويز مطلقاً، والمنع كذلك، والتجويز مع الاختلاف، والمنع كذلك، فيحمل على كراهة الأصل الخفيفة في ما بين القبور، أي بين خللها، في قبال الاتّخاذ قبلة المكروه شديداً الزائلة بالبعد الخاصّ حتّى في الاستقبال، حتّى الاتّخاذيّ منه إذا لم ينته إلى المعلوم حرمته بغير هذه الروايات ويشهد لذلك السيرة القطعيّة، والارتكاز القطعيّ، وسهولة أمر الصلاة لعظمها وأهميّتها، واللّه  العالم.وأمّا ما في «الجواهر» من عدم الدليل على الكراهة مع الاتّحاد في غير الاستقبال، بل لا بدّ من البينيّة، ففيه أنّه لا دليل على اعتبار أحدهما، بل يكفي صدق في القبر الصادق بكونه في الخلف واليمين، أو في أحد الجانبين مع الخلف، لا تلزم الظرفية بنحو الإحاطة، مع استفادته ضمناً ممّافي الموثّق، لعدم استفادة الارتباط حدوثاً، ولا رفعاً للكراهة في الجهات الأربعة. والانصراف من الجماعة المتقدّمة عمّا في الخلف مع الانفراد بشيء يختصّ بالخلف، لا يسوّغ الانصراف في غيره الموافق لبعض المطلقات ؛ بل يمكن استفادة أنّ الموضوع هو القرب الملغى فيه خصوصية الجهة إلاّ الخلف لما مرّ، وليس ما ذكرنا مبنيّاً على الملازمة في الخلف بين صورة صدق البينيّة بسببه، وبين عدمها كاتّحاده حتى يجاب بعدم الملازمة.

بل يمكن أن يقال: بكفاية البعد من طرف في الأمام إذا كان القبر في الخلف، لأنّ الكراهة في الاستقبال المرفوع بالبعد، ولا كراهة في الخلف، والبينيّة بسببه كالعدم مع البعد في الأمام ؛ كما أنّه مع القرب يكفي كراهة الاستقبال،وأمّا في الجانبين فيكفي البعد من أحدهما لرفع حكم البينيّة، وفي الآخر يراعى رفع القرب بالبعد أو الحائل؛ فلو لم نقل بالكراهة في القرب، فالبينيّة كالعدم حكماً، فلا يطرد لزوم العشرين في المثنّاة في جميع الأقوال فتدبّر.

وقد ذكر في «الجواهر»: أنّ البعد الخاص يرتفع به كراهة البينيّة، بل البينيّة المربعة لابدّ لرفعها من البعد في الأطراف الأربعة، وأمّا كراهة على وفي، فعدم ارتفاعها برافع تلك الكراهة الخاصّة قطعي ؛ فلو كان على القبر وقد بعد عن الأطراف الأربعة للقبور لم يرتفع إلاّ كراهة البينيّة. قلت: يجري الكلام حينئذٍ في بُعد الموقف من المدفن الذي هو مسمّى القبر بإلغاء الخصوصيّة في كون البعد في الجهات الأربعة، لا ما يعمّ غيرها. وأمّا كراهة الاستقبال، فيمكن أن يقال بالأولويّة في رفعه منفرداً من رفعه في ضمن الأربعة. واستشهاده بذيل الموثّق، لعلّه لمكان عدم فرقه بين الكراهيتن الثابتتين في المفروض فيه، وأنّ الحكم ليس حيثيّاً، بل فعليّاً مطلقاً، مضافاً إلى انصراف أدلّة المنع عن البعد بالعشر، ولو فرض الصدق للاستقبال مثلاً معه. وحيث عرفت أنّ المستفاد من الموثّق عدم الارتباط في الكراهة، ولا في رفعها بين الجهات، فلا محل لهذا البحث في الاستقبال.
تقدّم المصلّي أو محاذاته أو خلفيّته لقبور الأئمّة عليهم السلام

وأمّا قبور الأئمة عليهم السلام فعن المشهور عدم حرمة التقدّم، فضلاً عن المساواة التي نقل في المستند الإجماع على عدم حرمتها، وهو مقتضى الإطلاقات.

وأمّا الصلاة خلف القبور، فعن المفيد بقاؤه على الحكم الثابت في قبور غيرهم؛ والروايات والعمل على خلاف ذلك ؛ فمنها: صحيح «الحميري» ومرسل «الاحتجاج» وفيهما جهة دلالة على المنع من التقديم، بل في الأخير عن المساواة أيضاً، وعبارة «التهذيب» في صحيح «الحميريّ»: «أمّا السجود على القبر، فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة، بل يضع خدّه الأيمن على القبر، وأمّا الصلاة فإنّها خلفه يجعله الأمام، ولا يجوز أن يصلي بين يديه لأنّ الإمام لا يتقدّم، ويصلّي عن يمينه وشماله»، وعبارة «الاحتجاج» المنقولة في «الوسائل» فيها أدنى تفاوت في التقديم والتأخير وفي الزيادة والنقص.

ويمكن منع الدلالة على المنع المنسوب إلى البهائي، وغيره ممّن تأخّر لمكان إبهام قوله عليه السلام فيهما: «يجعله الأمام»، وتردّده بين إمام الأصل، فالحكم تأديبي وتنزيهي ارتكازاً ؛ وإمام الجماعة، فالحكم تحريمي، بل وضعي، وعدم المناسبة مع الجماعة ؛ بل الصلاة قد تقع جماعة خلف قبورهم، فلا حاجة إلى الإمام التنزيلي الوارد في جنازته صلى الله عليه و آله وسلم الشريفة: «أنّ رسول اللّه  إمامكم حيّاً وميّتاً» إلى آخره ؛ مع أنّ الجماعة في الإمام يحتاج إلى زيادة تقدير بلا قرينة في صورة عدم كفاية ذكر الصلاة هنا، بل ذكر القبور في السؤال والجواب قرينة على إرادة جعل القبر إماماً، أي بمنزلة صاحب القبر في الآداب الغير المختصّة بالصلاة، ولعلّه المفهوم للمشهور الأعرفين بمناسبات الظهور، وأنّ الزائد على المرتكزات لا بدّ له من بيان زائدة، ولذا لم يشيروا إلى شيء من ذلك، مع زيادة المبالغة في المكروهات هنا.

ويمكن أن يقال: إنّ الإمام، بمعناه الأصلي الجامع للاقتداء والاستشفاع ؛ والمناسب هنا هو الاستشفاع المحض الوارد مثله في إمامة جسم النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم للمصلّين عليه، والتعليل جامع للأمرين، وللتنزيه والمنع، أو مخصوص بخصوص الاستشفاع؛ وعلى أيٍّ، فلا يستفاد منه إلاّ ما هو المرتكز من التنزيه والتأدّب في الاستشفاع، والمنع في الاقتداء الغير المناسب للمقام ؛ فالنّتيجة ـ على أيّ تقدير ـ واحدةٌ، وهو عدم الدلالة على لازم من لوازم الاحترام.

وعليه فكراهة التقدم والمحاذاة في موارد عدم صدق الاهانة المحرّمة مطلقاً ولو في غير الصلاة أنسب بالأدلة، بل من البعيد إطلاق الأوامر بالصلاة عند الرأس بلا تقيّد بالتأخّر مع عموم البلوى من العاملين حتى وصل الأمر إلى آخرهم صلوات اللّه  عليهم،  

واستحباب ما خرج عن ذلك من أنحاء القرب هو الموافق لها، وللعمل.

والظاهر تأيّد ما في الصحيح بما عن «الاحتجاج»، وأنّهما رواية واحدة، لا روايتان، كما في «الوسائل» ؛ مع حمل إحداهما على جواز المحاذاة، والاُخرى على الكراهة.

وذلك لبعد التعدّد من راوٍ واحدٍ وإن فرض تعدّد المرويّ عنه لو ثبتت روايته عن أبيه عجّل اللّه  فرجه، مع وحدة السؤال والجواب في المهمّ، بل في غير شيء واحدٍ، وهو أنّه: يصليّ عن يمينه وشماله ؛ فإنّه إمّا زائد، أو محذوف فيه أداة النفي . وأمّا «لا يساوي»، فزيادة في النقل راجحة على أصالة عدم النقيصة ؛ بل قوله عليه السلام : «يجعله الأمام» يفهم منه المساواة أيضاً، وإن كان على المشهور على الجواز، إلاّ أنّه لا يخلو عن مرجوحيّة أيضاً، وسؤال الواحد عن مسألة واحدة بعبارة متّحدة مرّتين مستبعد بلا إشارة إلى المسبوقيّة بالسؤال.

والتعبير بالفقيه أو الصاحب عليه السلام ، مَبنيٌّ على اختلاف التعبير للراوي عن محمّد بن عبداللّه  الحميري بمعنى أنّه نقل لواحدٍ بأحدهما، ولآِخر بالآخر ؛ فلا وجه لتعدّد أصل الرواية، مع أنّ النقلين مشترك في الصلاة في الخلف. وفي جعل الصندوق والضرائح المقدّسة من الحائل بناءً على عدم اعتبار المنع من المشاهدة في الحائل، احتمال غير بعيد، ويناسب ما مرّ اختلاف مراتب المطلوبية في وجود الحائل وعدمه، إلاّ مع تعدّد المكان، وكذا في مراتب الحيلولة، وهو العالم. وأمّا النهي عن اتخاذ القبر قبلة، فليس مختصّاً بقبر النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم ، ولا يفترق قبور الأئمّة عن قبره صلى الله عليه و آله وسلم ؛ فإنّ الظاهر أنّ النهي راجع إلى النهي عن التعبّد لقبر النبي، وجعله قبلة للصلاة، والاستغناء به عن القبلتين للدّينَيْن لمكان احترامه عند اللّه ، فهو على حرمته، كحرمة جعل الصنم في القبلة، وأنّ المنع لمكان ما فيه من الشرك في التعبد المعهود، وقد مرّ أنّ الاتّخاذ قبلة غير الاستقبال، وأخصّ منه، وأنّ الأمر بما بين خللها لمكان ما فيه من البعد صورة عن المنهي عنه، لا لأنّ المنهي عنه مطلق الاستقبال المنصوص رجحانه في قبور الأئمة صلوات اللّه  عليهم، وأنّ قوله في الصحيح: «لا يتّخذ شيئاً منها قبلة»، والتعليل بما ورد في قبر النبي صلى الله عليه و آله وسلم لمكان إرادة الترقي إلى قبر النبي وأمثاله، لا التنزّل إلى سائر القبور العادية التي لا يحتمل فيها جعلها قبلة صلاتية للاِحترام عند اللّه ، وأنّ الاحترام الخاص مخصوص عندنا بالكعبة، ولا يعمّ قبر النبي صلى الله عليه و آله وسلم ، وإن كان أعظم عند اللّه  من الكعبة، بل هو المعظّم للكعبة.

وأمّا أعظميّة هذا الاحتمال في عليّ صلوات اللّه  عليه، فمندفعة بأنّ القائلين بربوبيّته، تعالى اللّه  عن الشريك، لا يعتقدون له قبراً، والمعتقدون لقبر النبي صلى الله عليه و آله وسلم لا يعتقدون بربوبيّته، كالمعتقدين بقبر عليّ صلوات اللّه  عليه؛ فالكل في هذه الجهة متساوون في دفع الناس عن الوقوع في الأمثال بالمنع عن اتخاذ قبره المقدّس قبلة صلاتيّة، فتأمّل تعرف.

كراهة الصلاة في بيوت النيران

وتكره الصلاة في بيوت النيران، كما عن المشهور، وظاهر العبارة اعتبار الاعداد مع الصدق ولو بعد الانقضاء مع عدم زوال الإضافة، كما أنّه لا يعتبر فيه المعبديّة، وإن كان هو المتيّقن، أو أنّه لأجله كانت الكراهة، كما يظهر من بعض التعليلات. وحيث تختلف العبارات في الاختصاص وعدمه، والفتوي، مع كونها عن جماعة تدلّ بالالتزام على وجود السنة، فلا بأس بعموم: من بلغ، لفتوى الفقيه للإخبار الالتزامي في المكروهات، فتعمّ الكراهة ما اُعدّ لإضرام النار ولو لغير العبادة من أهلها، كما هو المعتاد في «الأتّون» وهو موقد نار الحمام، و«الفُرن» وهو بيت غير التنّور معدّ لأن يخبز فيه، والمطابخ؛ وفي إلحاق ما كان كذلك في الصحراء مع الإعداد، وجه قريب.

كراهة الصلاة في بيوت الخمور

وتكره في بيوت الخمور مع عدم التعدّي إلى المصلّي بدناً أو ثوباً، والموثّق: «لا يصلّي في بيت فيه خمراً ومسكراً» فيعتبر فعليّة كون الخمر في بيت الصلاة، ويعمّ كلّ مسكر؛ ففي ما يفترق عنه الفتوى ممّا اُعدّ لصنع الخمر، أو وضعها فيه وإن لم يكن باقياً حال الصلاة، لا دليل على الكراهة إلاّ إطلاق فتوى المشهور على النحو المتقدّم في شمول «من بلغ»، له ؛ والفقّاع، كالخمر إن كان مسكراً، كما في الخبر: «أنّه خمر استصغره الناس» بل كلّ ما ثبت حرمته من جهة الإسكار ولو كان خفيفاً بالإضافة فهو ملحق بالخمر في المقام.

كراهة الصلاة في جوادّ الطرق

وتكره الصلاة في جوادّ الطرق، كما عن المشهور، وعن «التذكرة» ما ظاهره الإجماع، ويدلّ عليه صحيح «معاوية»: «لا بأس أن يصلّي بين الظواهر، وهي الجواد جواد الطرق، ويكره أن يصلي في الجواد» وفيه التصريح بالفرق بين الصلاة في الجواد وبينهما، كما أنّ فيه إطلاقاً للظواهر على الجواد إمّا على الحقيقة، أو على المجاز مع القرينة، ولعل الثاني أقرب.

وفي صحيح «الحلبي»: «لا بأس أن تصلّي في الظواهر التي بين الجواد ؛ فأمّا الجواد فلا تصلّ فيها» وفيه مغايرة الأمرين موضوعاً وحكماً، وهو المناسب لما قدّمناه من التجوّز في الأوّل ؛ وفي موثق «ابن الجهم» ما يدلّ على كراهة الصلاة في ما يوطأ، وإن كان من الظواهر إذا كان بحيث يقبل المسايرة عليه ولو أحياناً، ومقتضاه تخفيف الكراهة فيه، ولذا عبّر في ما ينطبق عليه في خبر «محمد بن الفضيل» بلفظ: «لا ينبغي»  فتمتاز الجواد بشدّة الكراهة في الصلاة فيهما. ثمّ إنّه مع الهجر لا مانع من الصلاة، كان من الموقوفة، أو المحياة للمرور، أو غيرها من المباحات الأصليّة، لعدم صدق العناوين المذكورة في الروايات والفتاوى حينئذٍ ؛ كما أنّه مع عدم الهجر يمكن التأمّل في الصلاة، أي في حرمتها وفسادها، ولو كان المكان مختصّاً بالمارّة، وكان الصلاة مزاحمة لهم ؛ فإنّ المزاحمة بمنعهم ولو في حال الصلاة، أو سابقاً عليها، وهي محرمة، لا أنّها تزيل الإذن الحاصل في غير المملوكات الشخصيّة، وإنّما يحتمل البطلان مع بقاء المزاحمة والتحريم حال الصلاة، فيكون الكون الصلاتي مجمعاً للأمر والنهي، فتفسد على اختيار البطلان في تلك المسألة.

كراهة الصلاة في بيوت المجوس

وتكره في بيوت المجوس، كما عن المشهور المنسوب إلى الأصحاب في المحكي عن «جامع المقاصد»، ويدلّ عليه الأمر بالرشّ الكاشف عن القذارة الخفيفة لمكان احتمالها، وإن كانت شديدة لمكان الشبهة وعدم العلم، وقد مرّ كشف الثواب ونقصه وزيادته بفتوى المشهور الكاشف عن السنّة، وكفاية ذلك في بلوغ الثواب.

وأمّا البيت الذي فيه مجوسي، فهو مورد للكراهة أيضاً في الصلاة بخبر «أبي اُسامة» فلا بأس بالكراهة في كلّ من بيت المجوسي، والبيت الذي فيه مجوسي، وإن كانت في كلّ منهما بطريق، وفي اجتماعهما آكد. وقد مرّ منا أنّ الكراهة نقص إضافي فيالصلاة تكون بها أقلّ ثواباً ممّا لا يكون فيه ذلك المحذور.

وأما نفي البأس عن الصلاة في بيت فيه يهودي، أو نصراني، فلعلّه لمكان خفّة الكراهة لمكان أقربيّتهما إلى الإسلام من المجوس المنكرين على أحد الاحتمالين لأصل النبوّة.

كراهة الصلاة في البيع والكنائس وعدمها

وأمّا بيوت النصارى، واليهودي، فكمعابدهم الوارد فيها مع بيوت المجوس الأمر بالرشّ قبل الصلاة الكاشف عن الاشتراك في أصل الكراهة، مع الاختلاف في الحدّ بالشهرة في بيوت المجوس، والخبر في بيت فيه مجوسي ؛ فالكراهة لاختلاطهم في المكان تزيلها الرشّ، ولوجودهم حال الصلاة في البيت لا مناسبة فيه للرش. وأمّا التجفيف بعد الرشّ فلم يرد في الروايات، ويمكن أن يكون وجه الإطلاق فيها أنّ الرشّ سواء كان تطهيراً تنزيهياً، أو رفعاً للتنفّر المطلوب هنا رفعه لا مناسبة للجفاف فيه، والأشديّة ممّا قبل الرشّ ممنوعة، خصوصاً مع كونه مطهّراً استحبابياً.وأمّا بيت المجوس، فالظاهر لزوم الإضافة لمكان المصلّي من البيت إليهم، سواء كانت بالملكيّة للعين، أو للمنفعة بالاستيجار، وأما إذاكانت إضافة الملكيّة للعين إلى المجوسي، وللمنفعة إلى المسلمين فيمكن عدم الكراهة لعلوّ الإسلام، وانصراف دليل المنع عن اجتماع الإضافتين. وأمّا الإذن من أرباب البيع والكنائس، فيمكن أن يقال بأنّ مقتضى الإطلاقات عدم لزومها ؛ أمّا ما كان أصل إحداثهما بحقّ وفي ما قبل الإسلام، فالأولى بها المسلمون للصلاة فيها، وإن كان تصرّفات أهل الذّمة بحسب المعاهدة بلا مانع أيضاً ؛ وإن كان الإحداث بغير حقّ، أو كان تخصيصهم بغير المسلمين بغير حقّ فيمكن عدم الاعتداد بما كان بغير حق، وقد فرض إخراجهم لها عن ملك الأشخاص، وإدخالهم بغير حقّ في ملك النوع الغير المالك، إلاّ مع إرادة نوع من له الحقّ وإن أخطاؤا في التطبيق، فيكون بلا مانع لأهل الحقّ، وهم المسلمون، وكذا لو كانوا مخالفين لشروط الذمة، فلا حرمة لما لهم الاستيلاء في تقدير الوفاء بالشروط، نعم مع إقرارهم على ما هم عليه، واستصلاحهم منع من لا يأتمنون دخولهم، أمكن تخليتها لهم وعدم مزاحمتهم فيها، لا لأجل الغصب الحكمي، بل لأجل العهد اللازم على الكل رعايته.

كراهة أن يكون بين يدي المصلّي نار مضرمة

وتكره الصلاة وبين يدي المصلّي نار، وليس في النصوص التقييد بالإضرام، يعني الاشعال، وإن وقع في بعض الفتاوى، وترك في بعضها.

ويمكن أن يكون وجه التقييد عُسر التجنّب المانع عن الكراهة أيضاً، إلاّ مع الاشتعال الموجب لتأكّد الحكم لو ثبت في غيره، والحكم بالكراهة هو المشهور المحكي عليه الإجماع، وبذلك يصرف عن ظهور الأخبار في المنع تكليفاً ووضعاً لو كان محتاجاً إلى الصارف، وقد قدّمنا كفاية السيرة، والارتكاز في أسهليّة أمر الصلاة التي هي أهمّ العبادات كلاًّ المانعة عن المنع الوضعي والتكليفي، إلاّ مع البيان الصريح، كما أنّ هذه الشهرة جابرة لضعف مرفوع «الهمداني» النافي للبأس في السراج والصورة، والنار، مع التعليل الذي هو في قوّة التصريح المخرج عمّا قد يقال في الجمع بين الظهور، ونفي البأس من أنّه تصرّف في الدليلين، وإن مرّ الجواب عنه أيضاً، بل يمكن استفادة العموم من التعليل بالنسبة إلى كلّ محذور آت من قبل القرب من شيء ممّا مر، أو يأتي ما لم يكن فيه تنصيص بالخروج عن هذا العموم، وكذا ما عن الناحية المقدّسة صلّى اللّه  على صاحبها من التفصيل؛ فهو باعتبار التنصيص في أمثال الذريّة الطاهرة قاضٍ بعدم المنع. حيث إنّ التفصيل المذكور باعتبار ندرة معلوميّة ذلك في غيرهم ممّا يقتضي وقوعه في الكراهة، فهو في الدلالة على الجواز من العامّ ؛ ويمكن فهم الفرق من هذه الرواية، ورواية «الهمداني» بين من يحتمل في حقّه الشباهة وغيره إمّا لعدم سبق العبادة في أسلافهم، أو لقوّة الديانة في الأخلاف باعتقاد الأقربيّة من كلّ قريب بحيث يكون هو المبّعد لغيره تعالى، ولا يكون غيره مبّعداً للمصلّيعنه. ومنه يظهر الوجه في كفاية أيّ حائل ؛ فإنّه لولا النظر إلى أقربيّته تعالى لا بدّ وأن تكون النار مثلاً قريبا، وأقرب من غيرها ؛ فالحائل أقرب من النار ولو كان ثوباً أو عصا، وكذا لولا النظر إلى أقربيّته تعالى، لم يكن التحديد بالعشر إلاّ للبعد، وكونه مبعّداً بالنسبة إلى شيء دون شيء بعيد جدّاً، بل مرّ احتمال انصراف الأدلّة عن البعد بالعشر كما فوقه. وحيث إنّ المرفوعة معمول بها للمشهور، والتعليل المذكور فيه،يأتي جارٍ على طبق الاعتبار القريب في الأذهان، فلا محلّ للتفكيك بين التعليل والمعلّل، وكذا ما مرّ من تأييد الكراهة، يعني عدم المنع من السيرة، والارتكاز ؛ فإنّ التقييد بأمثال ذلك ممّا لا يستقيم معه أمر الصلاة التي هي أعظم العبادات.

كراهة أن يكون بين يدي المصلّي تصاوير

ثمّ إنّه يستفاد من الروايات كراهة استقبال الصورة، بل كونها بين يدي المصلّي، وعدم الكراهة في كونها في سائر الجهات بحيث لا ينظر آليّاً، كما إذا غُطّى، أو لطّح، أو كسر الصورة.

كراهة الصلاة في البساط الذي فيه التماثيل

فالبساط إذا كان فيه الصورة يدخل في مورد الكراهة، إلاّ إذا وقعت الصورة تحت الرجلين، ويمكن فهم أنّ ملاك الكراهة الشاغليّة، ومعرضيّتها المنتفية في العارف بأقربيّته تعالى من كلّ شاغل، وبانتساب المصلّي إلى اعداء الصور المقصودة بالعبادة، أو الحيلولة عنه تعالى، كما يستفاد كراهة اتخاذ الصورة في البيت، والصلاة في بيت فيه الصورة معلّلاً في بعضها بقول الملائكة المفيد، لأنّ كلّ ما يكره اتخاذه في البيت تكره الصلاة في ذلك البيت، وهو حاصل فيه، وهل يعمّ مع اختلاف حجرة المصلّي عن حجرة الصورة؟ يمكن الاختصاص بعموم الحائل في الأعظم من ذلك للجدران ونحوها، بعسر التجنّب مع سعة البيت، وكثرة أماكنه، وإن كان ما دلّ على الجواز مع حائليّة ساتر ليس فيه صورة لساتر فيه صورة خارج الباب، أو مع سدّ الباب في الفرض غير دالّ على المطلوب، لعدم الدلالة على الكراهة لولا ذلك.

وبالجملة: فالكراهة في بيت فيه صورة غير الكراهة للصلاة في صورة كون الصورة بين يدي المصلّي، فقد يجتمعان، وقد يفترقان، وقد يرتفعان معاً بالبعد، والحائل، ونحوهما، وهو العالم.

كراهة الصلاة في مرابط الخيل والبغال والحمير

وتكره الصلاة في مرابط الخيل، والبغال، والحمير، كما عن المشهور، وهو المنصوص في مضمر «سماعة»

عدم كراهة الصلاة في مرابض الغنم

وأمّا مرابض الغنم، فعن صحيح «الحلبي» عدم الكراهة، أي تجويز الصلاة فيها دون أعطان الإبل، وفي مضمر «سماعة» تقيد ذلك في مرابض الغنم بنضح اليابس في مرابض الغنم بالماء ومثله في صحيح «ابن مسلم» في أعطان الإبل مع تخوّف الضيعة على المتاع، ففيه الأمر بالكنس والنضح، ولازم عدم التقييد في غير أدلّة التكاليف اختلاف المراتب فيالمرابض قبل النضح وبعده.

كراهة الصلاة وبين يدي المصلّي مصحف مفتوح

وتكره الصلاة وبين يديه مصحف مفتوح، كما هو المشهور المنصوص في خبر «عمّار» واُلحق به في رواية «قرب الاسناد» النظر إلى نقش في خاتمه كأنّه يريد قراءته، أو في كتاب في القبلة، وأنّه نقص في الصلاة  ويمكن إلحاق أيّ غل بهذا الحدّ الموجود في مورد السؤال.

كراهة الصلاة تجاه حائطٍ ينزّ من بالوعةٍ يبال فيها

وتكره إلى حائط ينزّ من بالوعة قبل الستر، كما ذكره جماعة، وذكر في الروايات مثل مرسل «البزنطي» وخبر «محمّد بن ابي حمزة» وعن كتاب «الحسين بن عثمان» وفي خبر الفضيل الأمر بالتنحي عن العذرة المسؤول عنها

كراهة الصّلاة إلى باب مفتوح

وإلى باب مفتوح، كما نسب إلى الأكثر، وإلى المشهور، وإلى الأصحاب في الكلمات، وذلك يكفي لكشف الفتاوى في ما لا طريق له إلاّ السنّة عن السنّة، فيعمّه دليل البلوغ، ويحتمل أن يكون الملاك معرضيّة العابر والمواجه اللذين مرّت الكراهة فيهما ويأتي.

كراهة الصلاة إلى إنسان مواجه

وإلى إنسان مواجه، وعن «المسالك»، و«الروضة» أنّه المشهور، وفي رواية «قرب الإسناد» الأمر بدرء المرأة المقبلة بوجهها عليه قاعدة أو قائمة وأمّا رواية «المحاسن»: «من تأمّل خلق امرئةٍ في الصلاة فلا صلاة له» فلا يعتبر فيه المواجهة، ولا كفاية المواجهة في الكراهة. وأمّا أولويّة ذي الصورة من الصورة التي يكره استقبالها، ففيه ما لا يخفى، وأمّا استحباب السترة، فغير مختص بالإنسان كما يأتي.

استحباب وضع السترة بين المصلّي والمارّ

أمّا استحباب السترة، فيدلّ عليه الإجماع المنقول، كما أنّ عدم وجوبها مجمع عليه، كما حكي عن «المنتهى»، و«التذكرة»، وغيرهما حكايته. وفي خبر «أبي بصير» ما يدل على الاستحباب وعدم الوجوب.

استحباب الستر لمرور غير الإنسان

والأظهر عدم الإناطة بالمارّ فيستحبّ مع القطع بعدمه في الفلاة ونحوها، كما في هذا الخبر، وفي خبر «السكوني»  وغيره ما يفيد عدم الإناطة بالمعرضيّة لِلمارّ، وإنّما الإشكال في ما وقع في خبر أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام  وفي ما حكي عن الإمام الكاظم عليه السلام في جواب «سفيان الثوري» وفي جواب «أبي حنيفة» من التمسّك بأقربيّته تعالى من المارّ في عدم البأس في ترك الدرء، والاستتار، أو أحدهما؛ وكذا ما في خبر «سيف» من عدم إرتضاء الحسين عليه السلام بنهي الرجل للمار بين يديه عليه السلام  وكذا ما في خبر «سفيان بن خالد» عن الإمام الصادق عليه السلام  ولعلّ الواقع فيه مقدّم على الواقع في الرواية المتضمّنة للكلام مع «أبي حنيفة»، ويمكن الجمع بحمل الدرء المأمور به على التستر، لا مازاد عليه، كما يظهر من سيرتهم عليهم السلام في ترك الردع والمنع، وكذا اتباعهم، والأمر بالاستتار توقيراً للصلاة في خبر «أبي بصير»، فما فيه التعليل بالأقربيّة يراد به عدم الاعتناء بالمارّ والحاضر بغير الاستتار، وأنّ ما دلّ على  الدرء بالأعمّ، أو خصوص ما زاد على الاستتار محمول على التقيّة، كما لا يخفى على من لاحظ عملهم، وعمل شيعتهم، وعمل الأغيار الغير الآخذين عنهم، وغير المعتنين بعلومهم عليهم السلام .

وأمّا نفس المرور بالمواجهة ونحوها، فيمكن اختلافه كراهة وإباحة، بل تحريماً باختلاف العوارض من مزاحمة المصلّي، وإشغاله عن صلاته، وتعذّر غيره على المارّ، أو صعوبته، ونحوها. ولا يختصّ السترة بشيء، حيث ورد التستر بالبعير المعقول، ومثله ظهر الصفّ المتقدّم بالنسبة إلى المتأخّر المحاذي له، ويمكن أن يراد التوّقي عن المارّ من قبل المصلّي، فيعمّ موارد التعقّل، ولعلّه لا يفيد في الغالب في مثل مكّة، والمشاهد المشرّفة، والمساجد الجامعة في حال الاجتماع دون الخلوة.

عدم اشتراط الحليّة في السترة

وحيث إنّ وجوب رفع السترة على الغاصب لها لا ينافي صدق الصلاة إليها ما دامت ساترة، فلا يشترط الحليّة في رفع كراهة الصلاة بلا استتار.

نعم لا يمتثل الأمر بالاستتار مع الأمر بردّ السترة إذا كان المصلّي هو الغاصب لها ؛ فلو لم يكن إلاّ الأمر بالاستتار، فلا أثر للاستتار بالمغصوب من المصلّي، كما عن «التذكرة»، وغيرها، ولعلّ هذا أظهر. ولا يشترط الطهارة، بل إذا لم يكره الصلاة إلى نجاسة يحصل الاستتار المأمور به.

 
< السابق
 
یا ارحم الراحمین یا ارحم الراحمین یا ارحم الراحمین