الوديعة
الفصل الأول
الشرائط والأحكام
1859-
هي «استنابة في الحفظ» ، وبعبارة اُخرى هي : «وضع المال عند الغير ليحفظه لمالكه»
،
ويطلق كثيراً على المال الموضوع ، ويقال لصاحب المال : «المودع» ولذلك الغير:
«الودعي» و«المستودع» .
اعتبار الإيجاب والقبول
1860-
وهي عقد يحتاج إلى الإيجاب ؛ وهو كلّ لفظ دالّ على تلك الاستنابة
،
كأن يقول :
«أودعتك هذا المال» أو «احفظه» أو «هو وديعة عندك» ونحو ذلك . والقبول الدالّ على
الرضا بالنيابة في الحفظ ؛ ولا يعتبر فيها العربيّة، بل تقع بكلّ لغة ؛ ويجوز أن يكون
الإيجاب باللفظ والقبول بالفعل ، بأن قال له المالك مثلاً : «هذا المال وديعة عندك
فتسلّم المال لذلك أو بالعكس» ، بل يصحّ وقوعها بالمعاطاة بأن يسلّم مالاً إلى أحد
بقصد أن يكون محفوظاً عنده ويحفظه مع قرينةٍ على قصده معلومةٍ للودعيّ فتسلّمه
تسلّماً يكون انفعالاً لفعل المودِع معلوماً لهما .
توقّف آثار الوديعة على القبول ولو بالرضاية
1861-
لو طرح ثوباً مثلاً عند أحد وقال : «هذا وديعة عندك» ، فإن قبلها بالقول أو الفعل
الدالّ عليه ولو بالسكوت الدالّ على الرِّضا بذلك
،
صار وديعة وترتّبت عليها أحكامها
،
بخلاف ما إذا لم يقبلها كذلك حتّى في ما إذا طرحه المالك عنده بهذا القصد وذهب
عنه ؛ فلو تركه من قصد استيداعه وذهب ، لم يكن عليه ضمان وإن كان يستحبّ حفظ
مال المؤمن من الضياع ويتأكّد في المراتب المختلفة باختلاف الموارد ، وربّما كان
حفظه مقدّمةً لحفظ نفس المالك أو نحو ذلك
،
فيجب كفايةً مع القدرة .
1862 -إنّما يجوز قبول الوديعة لمن كان قادراً على حفظها ، فمن كان عاجزاً لم يجز له
قبولها على الأحوط وكذا الإيداع عند العاجز .
الوديعة عقد جائز
1863 -
الوديعة جائزة من الطرفين ؛ فللمالك استرداد ماله متى شاء
،
وللمستودع ردّه
كذلك ،
وليس للمودع الامتناع من قبوله ؛ ولو فسخها المستودع عند نفسه ، انفسخت
وزالت الأمانة المالكيّة وأحكامها حتّى قبول قول الودعيّ في ردّه ، وصار المال عنده
أمانة شرعية ،
فيجب عليه ردّه إلى مالكه أو إلى من يقوم مقامه أو إعلامه بالفسخ وكون
المال عنده ؛ فلو أهمل في ذلك لا لعذر عقلي أو شرعي ضمن .
ما يعتبر في المستودع والمودع
1864 -
يعتبر في كلّ من المستودع والمودع ، البلوغ والعقل ؛ فلا يصحّ استيداع الصبي
ولا المجنون وكذا إيداعهما ، من غير فرق بين كون المال لهما أو لغيرهما من الكاملين
؛
بل لا يجوز وضع اليد على ما أودعاه ؛ ولو أخذ منهما ضمنه ولا يبرأ بردّه إليهما وإنّما
يبرأ بإيصاله إلى وليّهما . نعم لا بأس بأخذه منهما إذا خيف هلاكه وتلفه في أيديهما
،
فيؤخذ بعنوان الحسبة في الحفظ ، ولكن لا يصير بذلك وديعة وأمانة مالكيّة ، بل تكون
أمانة شرعيّة يجب عليه حفظها والمبادرة على إيصالها إلى وليّهما أو إعلامه بكونها
عنده ، وليس عليه ضمان لو تلف في يده مع عدم الإهمال في الردّ فوراً .
ما اُرسل بواسطة الصبيّ أو المجنون
1865-
لو أرسل شخص كامل مالاً بواسطة الصبي أو المجنون إلى شخص ليكون وديعة
عنده وقد أخذه منهما بهذا العنوان ، فالظاهر صيرورته وديعة عنده بناءً على عدم اعتبار
الموالاة بين جزئي العقد في ما حصل الاطمئنان للمستودع بأنّ هذا المال بهذه الحالة
بلا زيادةٍ ونقيصةٍ مرسلٌ إيداعاً من فلانٍ لكونها حقيقة بين الكاملين ؛ وإنّما الصبي
والمجنون بمنزلة الآلة .
الإيداع عند الصبيّ والمجنون
1866-
لو أودع عند الصبي والمجنون مالاً ، لم يضمناه بالتلف وإن كان الصبيّ مميّزاً
،
بل
بالإتلاف أيضاً على الأظهر ، لكونه هو السبب الأقوى .
وجوب حفظ الوديعة على المستودع
1867-
يجب على المستودع حفظ الوديعة بما جرت العادة بحفظها به ووضعها في
الحرز الذي يناسبها، كالصندوق المقفل للثوب والدراهم والحليّ ونحوها والإصطبل
المضبوط بالغلق للدابّة والمراح كذلك للشاة . وبالجملة حفظها في محلّ لا يُعدّ معه
عند العرف مضيّعاً ومفرّطاً وخائناً
،
حتّى في ما إذا علم المودع بعدم وجود حرز لها عند
المستودع مع علمه بميسوريّة تحصيل الحرز عليه ، فيجب عليه بعدما قبل الاستيداع
تحصيله مقدّمة للحفظ الواجب عليه ؛ وكذا يجب عليه القيام بجميع ما له دخل في
صونها من التعيّب أو التلف ، كالثوب ينشره في الصيف إذا كان من الصوف أو
الابريسم ، والدابّة يعلفها ويسقيها ويقيها من الحرّ والبرد ، فلو أهمل عن ذلك ضمنها .
تعيين الموضع الخاصّ لحفظ الوديعة
1868-
لو عيّن المودع موضعاً خاصّاً لحفظ الوديعة ، اقتصر عليه مع اطمئنانه بميسوريّة
ذلك على الودعيّ ، ولا يجوز نقلها إلى غيره بعد وضعها فيه ؛ فلو نقلها منه ضمنها . نعم
الأظهر جواز النقل إلى الأحرز والأحفظ أو المساوي إن علم المستودع أنّه كذلك في
نظر المودع أيضاً ؛
ولو كانت في ذلك المحلّ في معرض التلف، جاز نقلها إلى مكان
آخر أحفظ ، أو المساوي بل إلى الأدون مع حافظيّته في صورة الخوف والضرورة
المسوّغة للتعدّي عن المذكور مطلقاً مع عدم الأحرز والمساوي
،
ولا ضمان عليه حتّى
مع نهي المالك ؛ بأن قال : «لا تنقلها وإن تلفت»
؛
ولمّا تعلّق منع المالك بالنقل، فمع
النقل الجائز تخرج من الأمانة المالكيّة ويجري عليه أحكام الأمانة الشرعيّة مع
الاختلاف أحياناً فيهما مع إمكان منعه ؛ فإنّ الائتمان المالكيّ لا يزيد على إرادة الحفظ
والاشتراط لمكان إرادته والحفظ ومرتبته متوافقٌ فيه نظر المودِع والودعيّ في إحراز
الودعيّ الذي هو الملحوظ للمودع ؛ والأحوط وجوباً مراجعة المالك أو الإيصال إليه
في النقل إلى الأدون إن أمكن ، أو مراجعة الحاكم مع عدم الإمكان ؛ ومع سقوط اعتبار
عدم النقل لا معيّن للفسخ أو الانفساخ وحكمهما .
تلف الوديعة
1869-
لو تلفت الوديعة في يد المستودع من دون تعدٍّ منه ولا تفريط
،
لم يضمنها
؛
وكذا
لو أخذها منه ظالم قهراً ، سواء انتزعها من يده أو أمره بدفعها له بنفسه فدفعها كرهاً .
نعم يقوى الضمان لو كان هو السبب لذلك ولو من جهة إخباره بها أو إظهارها في محلّ
كان مظنّة الوصول إلى الظالم فوصل إليه .
فرض توقّف الحفظ على دفع الظالم
1870-
لو تمكّن من دفع الظالم بالوسائل الموجبة لسلامة الوديعة،وجب؛حتّى أنّه
لو توقّف دفعه عنها على إنكارها كاذباً،بل الحلف على ذلك جاز بل وجب؛فإن
لم يفعل ضمن،نعم تجب التورية عليه مع الإمكان،فإن تركها اختياراً يكون عاصياً
لتحريم الكذب ومطيعاً لتحريم الخيانة؛وأمّا غير الكذب والحلف من المحرّمات،فلا يسوّغها حفظ الوديعة ويلحق بعدم القدرة العقليّة والعاديّة .
فرض توقّف دفع الظلم على الضرر أو دفع المال
1871
-إذا
كانت مدافعته عن الظالم مؤدّية إلى الضرر على بدنه من جرح وغيره أو هتك في عرضه أو
خسارة في ماله لا يجب تحمّله؛بل لا يجوز في غير الأخير ، بل فيه أيضاً
ببعض مراتبه نعم لو كان مايترتّب عليها يسيراً جدّاً بحيث يتحمّله غالب الناس ـكما
إذا تكلّم معه بكلام خشن لا يكون هاتكاً له بالنظر إلى شرفه ورفعة قدره وإن تأذّى منه
بالطبع ـفالظاهر وجوب تحمّله
1872-لو توقّف دفع الظالم عن الوديعة على بذل مال له أو لغيره ، فإن كان بدفع
بعضها
،
وجب ؛ فلو أهمل فأخذ الظالم كلّها ، ضمن المقدار الزائد على ما يندفع به منها
لا تمامها ؛ فلو كان يندفع بدفع نصفها فأهمل فأخذ تمامها ، ضمن النصف
؛
ولو كان
يقنع بالثلث فأهمل فأخذ الكلّ ، ضمن الثلثين وهكذا .
1873-وكذا الحال في ما إذا كان عنده من شخص وديعتان وكان الظالم يندفع بدفع إحداهما
فأهمل حتّى أخذ كُلتيهما ، فإن كان يندفع بإحداهما المعيّن ضمن الاُخرى ؛ وإن كان
بإحداهما لا بعينها ، ضمن أكثرهما قيمة .
1874-ولو توقّف دفعه على المصانعة معه بدفع مال من المستودع، يجب عليه دفعه مع
الاحتساب من نفس الوديعة بلا استئذان من المالك أو وليّه أو الحاكم ولا محلّ لقصد
الظالم الدفع من مال نفسه مجّاناً أو غيره ولا أثر لقصده ؛ وأمّا قصد عدم الرجوع على
المالك فليس شيئاً لازماً على المستودع ؛ وأمّا مع قصد الرجوع به على المالك فإن
أمكن الاستئذان منه أو ممّن يقوم مقامه كالحاكم عند عدم الوصول إليه
،
لزم ؛ فإن دفع
بلا استئذان ، لم يستحقّ الرجوع به عليه وإن كان من قصده ذلك ؛ وإن لم يمكن
الاستئذان ، فله أن يدفع ويرجع به على المالك إذا كان من قصده الرجوع عليه ، بل
يجب مطلقاً ، كما مرّ .
لزوم السقي وأمثاله على الودعي
1875-
لو كانت الوديعة دابّة يجب عليه سقيها وعلفها ولو لم يأمره المالك بل ولو نهاه
،
ولا يجب أن يكون ذلك بمباشرته وأن يكون ذلك في موضعها ؛ فيجوز أن يسقيها
بغلامه مثلاً ،
وكذا يجوز إخراجها من منزله للسقي وإن أمكن سقيها في موضعها بعد
جريان العادة بذلك . نعم لو كان الطريق مخوفاً لم يجز إخراجها ، كما أنّه لا يجوز
أن يولّي غيره لذلك إذا كان غير مأمون إلاّ مع مصاحبته أو مصاحبة أمين معه . وبالجملة
لابدّ من مراعاة حفظها على المعتاد بحيث لا يعدّ معها عرفاً مفرّطاً ومتعدِّياً .
نفقة الدابّة المودعة
1876-
هذا بالنسبة إلى أصل سقيها وعلفها ؛ وأمّا بالنسبة إلى نفقتها ، فإن وضع المالك عنده
عينها أو قيمتها أو أذِن له في الإنفاق عليها من ماله على ذمّته ، فلا إشكال ؛ وإلاّ فالواجب
أوّلاً الاستئذان من المالك أو وكيله ؛ فإن تعذّر، رَفَعَ الأمر إلى الحاكم ليأمره بما يراه
صلاحاً ولو ببيع بعضها للنفقة ؛ فإن تعذّر الحاكم، أنفق هو من ماله ويرجع به على
المالك مع نيّته بعد تعذّر الاشهاد ، ولا يبعد عدم وجوب الإشهاد في ما يقدّم قول
الودعيّ فيه ، وقوله مقدّمٌ في مقدار النفقة وقول المالك مقدّمٌ في زمان الإنفاق .
بطلان الوديعة بموت المودع أو المستودع
1877-
تبطل الوديعة بموت كلّ واحد من المودع والمستودع أو جنونه أو إغمائه أو
غير ذلك من أسباب الخروج عن الملكيّة أو أهليّة التصرّف ، فإن كان هو المودع تكون
في يد الودعي أمانة شرعية ،
فيجب عليه فوراً ردّها إلى وارث المودع أو وليّه أو
إعلامهما بها ، فإن أهمل لا لعذر شرعي ، ضمن . نعم لو كان ذلك لعدم العلم بكون من
يدّعي الإرث وارثاً أو انحصار الوارث فيمن علم كونه وارثاً فأخّر الردّ والإعلام لأجل
التروّي والفحص عن الواقع ، لم يكن عليه ضمان على الأقرب ؛ وإن كان الوارث
متعدّداً ،
سلّمها إلى الكلّ أو إلى من يقوم مقامهم
؛
ولو سلّمها إلى البعض من غير إذن
،
ضمن حصص الباقين
؛
وإن كان هو المستودع تكون أمانة شرعيّة في يد وارثه أو وليّه،
يجب عليهما ما ذكر من الردّ إلى المودع أو إعلامه فوراً .
وجوب ردّ الوديعة عند المطالبة
1878-
يجب ردّ الوديعة عند المطالبة في أوّل وقت الإمكان بالنحو المتعارف وإن كان
المودع كافراً محترم المال ؛ وإن كان حربيّاً مباح المال فالأظهر عدم وجوبه
،
بل عدم
جوازه إن كانت الوديعة من آلات الحرب عند قيامه . والذي هو الواجب عليه في
صورة وجوب الردّ رفع يده عنها والتخلية بين المالك وبينها لا نقلها إلى المالك
؛
فلو
كانت في صندوق مُقفّل أو بيت مغلق ففتحهما عليه فقال : «هاهي وديعتك خذها»
،
فقد أدّى ما هو تكليفه وخرج من عهدته ؛ كما أنّ الواجب عليه مع الإمكان الفوريّة
العرفيّة ، فلا يجب عليه الركض ونحوه والخروج من الحمّام فوراً وقطع الطعام
والصلاة وإن كانت نافلة ونحو ذلك من مطلق عدم الاشتغال من الأعذار العرفيّة التي
تكون كالعقليّة والشرعيّة عند الحاجة إليها . وهل يجوز له التأخير ليشهد عليه؟ قولان
أقواهما ذلك ، خصوصاً لو كان الإيداع مع الإشهاد في الأموال المهمّة . هذا
إذا لم يرخّص في التأخير وعدم الإسراع والتعجيل ، وإلاّ فلا إشكال في عدم وجوب
المبادرة .
عدم جواز ردّ المودَع المغصوب إلى الغاصب
1879-
لو أودع اللص ما سرقه ، عند أحد ، لا يجوز له ردّه عليه مع الإمكان ، بل يكون
أمانة شرعيّة في يده ، فيجب عليه إيصاله إلى صاحبه إن عرفه وإلاّ عرّف سنة أو إلى
زمان حصول اليأس ، فإن لم يجد صاحبه تصدّق به عنه بقصد العمل بالوظيفة ؛ فإن جاء
بعد ذلك خيّره بين الأجر والغُرم ؛ فإن اختار أجر الصدقة، كان له؛ وإن اختار الغرامة
غرم له الودعيّ وكان الأجر له
،
والأحوط في صورة التصدّق والضمان مع احتمال
وجدان المالك اتّفاقاً، الإيصاء وإعلام الوَرَثة بذلك مع أمارة الموت ، ويجوز له
أن يدفعه إلى الحاكم مع إعلامه بالحال أو يحفظه عند نفسه بعنوان الأمانة الشرعيّة
ولا ضمان في هاتين الصورتين .
وجوب ردّ الوديعة عند الخوف و أمثاله
1880-
وكما يجب ردّ الوديعة عند مطالبة المالك، يجب ردّها إذا خاف عليها من تلف
أو سرق أو حرق ونحو ذلك ؛ فإن أمكن إيصالها إلى المالك أو وكيله الخاصّ أو العامّ
،
تعيّن وإلاّ فليوصلها إلى الحاكم لو كان قادراً على حفظها ؛ ولو فقد الحاكم أو كانت
عنده أيضاً في معرض التلف بسبب من الأسباب، أودعها عند ثقة أمين متمكِّن من
حفظها مع إذن الحاكم إن أمكن على الأحوط .
1881-إذا ظهر للمستودع أمارة الموت مع اعتبارها بمثل حصول الظنّ الاطمئناني
يجب عليه ردّها إلى مالكها أو وكيله مع الإمكان بنحو كانت عند المالك في وقت
الموت المظنون ، أو مع تعذّر ذلك يحفظها بنحو تصل إلى أهلها في أوّل وقت الإمكان
بمثل الرجوع إلى الحاكم أو عدول المؤمنين أو الإشهاد والوصيّة على الترتيب ؛ فلو
أهمل عن ذلك ، ضمن ، وليكن الإيصاء والإشهاد بنحو يترتّب عليهما حفظ الوديعة
وعدم ذهابها على مالكها ، فلابدّ من ذكر الجنس والوصف وتعيين المكان والمالك
؛
فلا يكفي قوله : «عندي وديعة لبعض الناس»
،
فإنّ مثل هذا
،
لا يجدي في إيصالها إلى
مالكها . نعم يقوى عدم لزومها رأساً ومن أصله في ما إذا كان الوارث مطّلعاً عليها وكان
ثقة أميناً .
جواز المسافرة للمستودع
1882-
يجوز للمستودع أن يسافر ويبقي الوديعة في حرزها السابق عند أهله وعياله مع
الائتمان المطلق لو لم يكن السفر ضروريّاً إذا لم يتوقّف حفظها على حضوره ، وإلاّ
فيلزم عليه إمّا الإقامة وترك السفر،
وإمّا من ردّها إلى مالكها أو وكيله مع الإمكان، أو
إيصالها إلى الحاكم مع التعذّر ؛ ومع فقده فالظاهر تعيّن الإقامة وترك السفر . ولا يجوز
أن يسافر عنها أو بها إلاّ مع إمكان حفظه في السفر مثل الحضر ، فيجوز بلا ضمان
،
ولا إيداعها عند الأمين إلاّ مع إذن المالك الخصوصيّ أو التعارف في أمثال الوديعة
الخاصّة فيكون من وجوه حفظه . وأمّا لو كان السفر ضروريّاً فإن تعذّر ردّها إلى المالك
أو وكيله وكذا إيصالها إلى الحاكم ومع التعذّر إلى عدول المؤمنين، تعيّن إيداعها عند
أمين ؛ فإن تعذّر ، سافر بها محافظاً لها بقدر الإمكان وليس عليه ضمان . نعم في مثل
سفر الحجّ ونحوه من الأسفار الطويلة الكثيرة الخطر اللازم أن يعامل فيه معاملة من
ظهر له أمارة الموت من ردّها ثمّ الإيصاء والإشهاد بها على ما سبق تفصيله .
المستودع أمين
1883-
المستودع أمين ليس عليه ضمان لو تلفت الوديعة أو تعيّبت بيده إلاّ عند
التفريط أو التعدّي كما هو الحال في كلّ أمين .
معنى التفريط والتعدّي
1884-
أمّا التفريط فهو الإهمال في محافظتها وترك ما يوجب حفظها على مجرى العادات
بحيث يعدّ معه عند العرف مضيِّعاً ومسامحاً ؛ كما إذا طرحها في محلّ ليس بحرز
وذهب عنها غير مراقب لها ، أو ترك سقي الدابّة وعلفها ، أو ترك نشر ثوب الصوف أو
الابريسم في الصيف ، أو أودعها من غير ضرورة مع عدم كونه من مصاديق حفظه ، أو
ترك التحفّظ من الندى في ما تفسده النداوة كالكتب وبعض الأقمشة وغير ذلك .
1885-وأمّا التعدّي فهو أن يتصرّف فيها بما لم يأذن له المالك ، مثل أن يلبس الثوب أو يفرش
الفراش أو يركب الدابّة إذا لم يتوقّف حفظها على التصرّف ؛ كما إذا توقّف حفظ الثوب
والفراش من الدود على اللبس والافتراش أو يصدر منه بالنسبة إليها ما ينافي الأمانة وتكون يده عليها على وجه الخيانة ؛ كما إذا جحدها لا لمصلحة الوديعة ولا لعذر من
نسيان ونحوه بعد مطالبة المالك مع قيام البيِّنة أو اعترافه بعده . وقد يجتمع التفريط مع
التعدّي ، كما إذا طرح الثوب أو القماش أو الكتب ونحوها في موضع يعفّنها أو
يفسدها ، وأمّا إذا أودعه دراهم مثلاً في كيس مختوم أو مخيّط أو مشدود ، فكسر ختمه
أو حلّ خيطه وشدّه من دون ضرورة ومصلحة فإن لم يخرجه من حرزه الذي يحفظه
الودعيّ فيه ، فالأظهر عدم الضمان وإن أثم ، إلاّ إذا كان في الإيداع دلالةٌ على تعيين
الكيس موضعاً للحفظ فالتعدّي من التعيين الأوّل خيانةٌ وموجبٌ للضمان ؛ ومن
التعدّي خلط الوديعة بماله على وجهٍ يرفع التمييز بينهما في ما إذا لم يكن إذنٌ أو إطلاقٌ
بحسب المتعارف والاعتياد ، سواء كان بالجنس أو بغيره ، وسواء كان بالمساوي أو
بالأجود أو بالأردى ، وكذا لو مزجه بالجنس من مال المودع ـ كما إذا أودع عنده دراهم
في كيسين غير مختومين ولا مشدودين فجعلهما كيساً واحداً أو من مال غيرهما .
معنى الضمان بالتعدّي والتفريط
1886-
معنى كونها مضمونة بالتفريط والتعدّي ، كون ضمانها عليه لو تلفت ولو لم يكن
تلفها مستنداً إلى تفريطه وتعدّيه ؛ وبعبارة اُخرى تتبدّل يده الأمانيّة الغير الضمانية إلى
الخيانة الضمانيّة .
1887-لو نوى التصرّف في الوديعة ولم يتصرّف فيها لم يضمن بمجرّد النيّة.وكذا
على الأظهر لو نوى الغصبية بأن قصد الاستيلاء عليها والتغلّب على مالكها كسائر
الغاصبين إلاّ في ما كانت هذه النيّة في أوّل الاستيداع،وأمّا إذا جحد الوديعة أو طلبت
منه فامتنع من الردّ مع التمكّن عقلاً وشرعاً فإنّه يضمنها بمجرّد ذلك ولم يبرأ من
الضمان لو عدل عن جحوده أو امتناعه إلاّ إذا علم خلاف اليد الخيانيّة،كما إذا كان
الجحود لمصلحة الوديعة،أو احتمل ذلك بحيث يمكن استصحاب حكم الأمانة كما إذا كان
الجحود بدون مطالبة المالك أو ادّعى الودعيّ عذراً له فلا ضمان
1888-لو كانت الوديعة في كيس مختوم مثلاً ففتحها وأخذ بعضها
،
ضمن الجميع
،
وكذا لو لم تكن مودعة في حرز أو كانت في حرز من المستودع فأخذ بعضها .
1889-لو سلّمها إلى زوجته أو إلى ولده أو خادمه ليحرزوها ، ضمن إلاّ أن يكونوا كالآلة
لكون ذلك بمحضره وباطّلاعه ومشاهدته .
1890إذا فرّط في الوديعة ثمّ رجع عن تفريطه ـ بأن جعلها في الحرز المضبوط وقام
بما يوجب حفظها ـ أو تعدّى ثمّ رجع ـ كما إذا لبس الثوب ثمّ نزعه ـ لم يبرأ من
الضمان . نعم لو جدّد المالك له الاستيمان بنحو الإيداع المجدّد بعد اطّلاعه على
التفريط أو التعدّي ارتفع الضمان ، فهو مثل ما إذا كان مال بيد الغاصب فجعله بيده أمانة
فإنّ الظاهر أنّه بذلك يرتفع الضمان من جهة تبدّل عنوان يده من العدوان إلى
الاستيمان ، وأمّا التكلّم بكلام يجامع مع ترك فسخ الإيداع الأوّل مثل الإذن في الحفظ
ونحوه فلا يكفي في حكم الوديعة ، وإن كان كلامه كاشفاً عن الفسخ ولم يكن كافياً في
الإيداع الثاني ، بل كان مجرّد إذن في الاستيلاء فلا يتحقّق وديعةٌ ولا ضمانٌ
،
وكذا
لو أبرأه من الضمان وكان الإبراء بعد فسخ الإيداع الأوّل وكان مرجعه إلى الإذن في
الاستيلاء . نعم لو تلفت العين في يده واشتغلت ذمّته بعوضها لا إشكال في صحّة
الإبراء وسقوط الحقّ به .
إنكار الوديعة
1891-
لو أنكر الوديعة أو اعترف بها وادّعى التلف بسببٍ ظاهر كالإحراق أو خفيٍّ
كالسرقة، أو الردّ ولا بيِّنة ، فالقول قوله بيمينه
؛
وكذلك لو تسالما على التلف ولكن
ادّعى عليه المودع التفريط أو التعدّي .
الدفع إلى غير المالك
1892-
لو دفعها إلى غير المالك وادّعى الإذن من المالك فأنكر المالك ولا بيِّنة على
الإذن، فالقول قول المالك إلاّ إذا رجع قوله إلى دعوى الخيانة فلا يسمع قوله ؛ وأمّا
لو صدّقه على الإذن لكن أنكر التسليم إلى من أذن له، فهو كدعواه الردّ إلى وكيل المالك
مع إنكاره في أنّ القول قوله .
إنكار الوديعة
1893-
إذا أنكر الوديعة فلمّا أقام المالك البيِّنة عليها ، صدّقها لكن ادّعى كونها تالفة قبل
أن ينكر الوديعة ، لا تسمع دعواه ، فلا يقبل منه اليمين ولا البيِّنة مع تحقّق المنافاة
المعلومة بين الإنكار السابق والدعوى الفعليّة ؛ وأمّا لو ادّعى تلفها بعد ذلك
،
فلا إشكال
في أنّه تسمع دعواه لكن يحتاج إلى البيِّنة ، إلاّ أن يُقال : إنّ الجحود السابق مكذِّبٌ للبيِّنة
على ما يتوقّف على تحقّق الإيداع ، سواءٌ قامت على التلف قبل الجحود أو بعده وكذا
ردّ الوديعة فوجود البيّنتين كعدمهما
،
فليس إلاّ البيّنة على الإيداع ولازمها الضمان في
كلّ خيانةٍ وهي مشتركةٌ بين الصورتين ، وأمّا الاختلاف في الردّ أو التلف ، فمقتضى
الأصل عدمهما ولا ائتمان في نظر الطرفين معاً يقتضي عدم الضمان فيضمن بنفس البيِّنة
على الإيداع وإن كان المضمون أعمّ ممّا هو بدل الحيلولة أو بدل التالف، واللّه العالم .
إذا أقرّ بالوديعة ثم مات
1894-
إذا أقرّ بالوديعة ثمّ مات فإن عيّنها في عين شخصية معيّنة موجودة حال موته
اُخرجت من التركة وذلك في المريض مبنيٌّ على أنّ إقرار المقرّ المتّهم من الأصل؛ وما
كان في غير مرض الموت، فهو كسائر منجّزاته من الأصل ؛ وكذا إذا عيّنها في ضمن
مصاديق من جنس واحد موجودة حال الموت إذا لم تختلف ماليّتها أو اختلفت
وأخرجنا المقرّ به من الأصل ، كما إذا قال : «إحدى هذه الشياه وديعة عندي من فلان»
ولم يعيّنها وفي ذلك فالجامع مقرّ به والزيادة في زائد القيمة غير مقرّ بها ، فعلى الورثة
إذا احتملوا صدق المورث ولم يميّزوا الوديعة عن غيرها أن يعاملوا معها معاملة ما
إذا علموا إجمالاً بأنّ إحدى هذه الشياه لفلان يعني المعيّنة واقعاً المردّدة عند الورثة
وقد ذكرنا حمل العبارة على الإقرار بالجامع وعدم الإقرار بما فيه زيادة القيمة ؛ وأمّا
صورة العلم الإجماليّ فيتعيّن فيها الصلح في القيمة الزائدة ؛ وإذا عيّن الوديعة
ولم يعيّن المالك ، كان من مجهول المالك ؛ وقد مرّ حكم الصورتين في كتاب الخمس .
وهل يعتبر قول المودع ويجب تصديقه لو عيّنها في معيّن واحتمل صدقه؟ لا وجه
لاعتباره في غير الجامع المقرّ به كما عرفت . وإذا لم يعيّنها بأحد الوجهين لا يلزم علم
الورثة بوجود الوديعة في تركته مع نفوذ الإقرار وإنّما يمنع العلم بالعدم ومع عدم
بقاء غير الواحد وكان الباقي زائداً قيمته فالخصوصيّة للزيادة خارجةٌ عن حريم
الإقرار، كما مرّ .