|
الصلح
الفصل الأوّل
معنى الصلح وما يعتبر فيه
1729 -«الصلح» هو التراضي والتسالم على أمر من تمليك عين أو منفعة أو إسقاط دين أو حقّ
أو غير ذلك في مقام دفع النزاع المحتمل أو رفعه أو عند إرادة أخذ نتيجة البيع أو
الإجارة أو الهبة أو نحوها، ويجري في كلّ عقد لا يعلم اختصاص أخذ النتيجة منه
بسبب خاصّ كالنكاح .ولا يشترط على الأظهر كونه مسبوقاً بالنزاع وإن كان تشريعه في شرع الإسلام
لقطع التجاذب ورفع التنازع بين الأنام .ويجوز إيقاعه على كلّ أمر وفي كلّ مقام إلاّ إذا كان محرِّماً لحلال أو محلِّلاً لحرام .
الصلح عقد مستقلّ
1730- الأظهر أنّ الصلح عقد مستقلّ بنفسه وعنوان برأسه ؛ وليس ـ كما قيل ـ راجعاً إلى
سائر العقود ، وإن أفاد فائدتها ؛ فيفيد فائدة البيع إذا كان عن عين بعوض ، وفائدةَ
الإجارة إذا كان عن منفعة بعوض وهكذا
،
فلم يلحقه أحكام سائر العقود ولم يجر فيه
شروطها وإن أفاد فائدتها ؛
فما أفاد فائدة البيع ، لا يلحقه أحكامه وشروطه
،
فلا يجري
فيه الخيارات المختصّة بالبيع،
كخياري المجلس والحيوان، ولا الشفعة .
1731-ولا يشترط فيه قبض العوضين إذا تعلّق بمعاوضة النقدين ؛ وما أفاد فائدة الهبة لا يعتبر
فيه قبض العين ، كما اعتبر في الهبة وهكذا . ويمكن أن يقال : إنّ الظاهر أنّ الصلح يعمّ دفع النزاع ورفعه في غير الماليّات ، كما
أنّ ما كان منه في الماليّات يعمّ المعاوضات غير البيع كعموم التجارة عن التراض لغير
البيع ؛ فالنسبة بين الصلح بالحمل الأوّلي وبينه بالحمل الشائع عمومٌ مطلقٌ ، فكلّ بيع ـ
مثلاً ـ صلحٌ وتجارةٌ ولا عكس . ودليل الاعتبار والحكم في مصاديق الصلح بالحمل
الأوّلي أو التجارة عقليّاً كان أو نقليّاً ، لابدّ من ملاحظته في كلّ موردٍ من العقود التي يفيد
الصّلح أو التجارة فائدتها .
اعتبار الإيجاب والقبول
1732 - لمّا كان الصلح عقداً من العقود، يحتاج إلى الإيجاب والقبول واعتبار القبول في ما
لا يتوقّف على رضا الطرفين كما في إبراء المديون من الدين وإسقاط الحقّ عمّن عليه
الحقّ غير واضح لاندفاع النزاع بمجرّد الإنشاء من طرفٍ ولو بعبارة الصلح .
الصلح المعاطاتي
1733- الصلح المشتمل على الإيجاب والقبول اللفظيّين صحيح ولازمٌ
،
وهل الصلح
المعاطاتي الذي يكون القرينة فيه على التسالم الصلحي صحيح أيضاً؟ يمكن أولويّته
بالصحّة من البيع ونحوه بناءً على صحّتها في البيع لأسهلية الأمر فيه من البيع ونحوه
وموافقته للسيرة وعدم الالتزام في الصلح بالتلفّظ من الطرفين وإن كان عقداً،
ويعتبر
فيه الإيجاب والقبول حتّى في مورد إفادة الإبراء ، ولكن يكفي فيه كلّ فعل أو لفظ دالّ
على التسالم والتراضي على أمر من نقل عين أو منفعة أو قرار مشروع بين المتصالحين
مع امتياز المعوّض الذي هو المصالح عنه عن العوض الذي هو المصالح عليه أو به،
فلا يعتبر فيه لفظ وصيغة خاصّة . نعم اللفظ الدائر في الألسن الذي هو كالصريح في
إفادة هذا المعنى من طرف الإيجاب «صالحت» ، وهو يتعدّى إلى المفعول الأوّل بنفسه
وإلى المفعول الثاني بـ «عن» أو «على» ، فيقول : «صالحتك عن الدار أو منفعتها بكذا»
فيقول المتصالح : «قبلت المصالحة أو اصطلحتها بكذا» .
لزوم عقد الصلح
1734- عقد الصلح المعاوضي لازم من الطرفين لا يفسخ إلاّ بإقالة المتصالحين أو
بوجود خيار في البين حتّى في ما أفاد فائدة الهبة الجائزة ، ويجري فيه خيار العيب
والغبن غير المتسامح فيه؛
وثبوت الأرش فيه لو ظهر عيب في أحد العوضين، مبنيّ
على ثبوته بقاعدة الضرر في البيع .
متعلّق الصلح
1735- متعلّق الصلح إمّا عين أو منفعة أو دين أو حقّ ؛ وعلى التقادير إمّا أن يكون مع
العوض أو بدونه ، أي على النحو المتعارف في البيع ولا يترك الاحتياط في الصلح
المعاوضي غير القهري بعدم خلوّه عن عوضٍ مّا ولو بمثل إسقاط الدعوى ، وعلى
الأوّل إمّا أن يكون العوض عيناً أو منفعة أو ديناً أو حقّاً ؛ فهذه عشرون صورة كلّها
صحيحة ،
فيصحّ الصلح عن عين بعين ومنفعة ودين وحقّ وبلا عوض وعن منفعة
بمنفعة وعين ودين وحقّ وبلا عوض وهكذا .
الصلح موجب للانتقال أو الإسقاط
1736- الصلح إذا تعلّق بعين أو منفعة أفاد انتقالهما إلى المتصالح
،
سواءكان مع العوض
أو بدونه على النحو الذي مرّ في المسألة السابقة
،
وكذا إذا تعلّق بدين على غير
المصالح له أو حقّ قابل للانتقال كحقّي التحجير والاختصاص ، وإذا تعلّق بدين على
المتصالح أفاد سقوطه ؛
وكذا إذا تعلّق بحقّ قابل للإسقاط غير قابل للنقل والانتقال،
كحقّي الشفعة والخيار .
صحّة الصلح على مجرّد الانتفاع
1737- يصحّ الصلح على مجرّد الانتفاع بعين أو فضاء ؛ كأن يصالحه على أن يسكن داره
،
أو يلبس ثوباً له مدّة ، أو على أن تكون جذوع سقفه على حائطه ، أو يجري ماءه على
سطح داره ،
أو يكون ميزابه على عرصة داره ، أو يكون له الممرّ والمخرج من داره أو
بستانه ، أو على أن يخرج جناحاً في فضاء ملكه ، أو على أن يكون أغصان أشجاره في
فضاء أرضه وغير ذلك ؛
فإنّ هذه كلّها صحيحة ، سواء كانت بعوض أو بغير عوض
متعارف في البيع ، كما مرّ .
ما يصحّ الصلح عنه من الحقوق
1738- إنّما يصحّ الصلح عن الحقوق التي تسقط بالإسقاط ، كحقّي الشفعة والخيار
ونحوهما ؛
وما تكون قابلة للنقل والانتقال
، كحقّي التحجير والاختصاص ، ومن ذلك حقّ الأولويّة لمن بيده الأراضي الخراجيّة
المسمّى في العرف الحاضر بحقّ اللزمة وأمّا ما لا تسقط بالإسقاط ولا تقبل النقل والانتقال ، فلا يصحّ الصلح عنها ، وذلك
مثل حقّ العزل الثابت للموكّل في الوكالة ، وحقّ مطالبة الدين الثابت للدائن في الدين
الحالّ ، وحقّ الرجوع الثابت للزوج في الطلاق الرجعي ؛ وحقّ الرجوع في البذل
الثابت للزوجة في الخلع وغير ذلك .
شرائط المتصالحين
1739- يشترط في المتصالحين ما يشترط في المتبايعين من البلوغ والعقل والقصد
والاختيار .
جريان الفضولي في الصلح
1740- الظاهر أنّه تجري الفضوليّة في الصلح ، كما تجري في البيع،
حتّى في ما إذا تعلّق
بإسقاط دين أو حقّ وأفاد فائدة الإبراء والإسقاط اللذين عدم الجريان فيهما لا يخلو
عن التأمّل .
1741 -يجوز الصلح عن الثمار والخضر وغيرها قبل وجودها ولو في عام واحد وبلا
ضميمة في ما كان عقلائيّاً حيث لا مانع منه مع الظهور في وقته ولا حاجة إلى الصلح مع
عدم الظهور في وقته وإن لم يجز بيعها، كما مرّ في بيع الثمار .
موارد اغتفار الجهالة في الصلح
1742- لا إشكال في أنّه يغتفر الجهالة في الصلح في ما إذا تعذّر للمتصالحين أو
لأحدهما مع رضاه المطلق معرفة المصالح عنه مطلقاً
؛
كما إذا اختلط مال أحدهما
بالآخر ولم يعلما مقدار كلّ منهما فتصالحا على أن يشتركا فيه بالتساوي أو الاختلاف
؛
أو صالح أحدهما ماله مع الآخر بمال معيّن . وكذا إذا تعذّر عليهما معرفته في الحال
لتعذّر الميزان والمكيال على الأظهر ؛ وأمّا مع إمكان معرفتهما بمقداره في الحال،
ففيما كان الصلح عقلائيّاً وكان إمكان التعرّف غير خالٍ عن المشقّة
،
فالاغتفار
أظهر .
1743-إذا كان لغيره عليه دين أو كان منه عنده عين هو يعلم مقدارهما ولكن الغير
لا يعلم المقدار فأوقعا الصلح بينهما بأقلّ من حقّ المستحقّ ، لم يحلّ له الزائد إلاّ
أن يعلمه ورضي به . نعم لو رضي بالصلح عن حقّه الواقعي على كلّ حال بحيث لو تبيّن
له الحال لصالح عنه بذلك المقدار بطيب نفسه ، حلّ له الزائد . وإذا كان الصلح بأمر
الحاكم حيث لا بيّنة ولا يمين، لم يجز لمن عليه الحقّ الامتناع عن أداء ما تصالحا عليه .
جريان الربا في الصلح
1744- في جريان حكم الربا في الصلح قولان، يمكن ترجيح الجريان والحرمة في
موارد الشكّ والتحفّظ على إطلاق دليل حرمة الربا في موارد ثبوته، حيث إنّ المقام من
هذا القبيل،
لقوّة الإطلاق لأنحاء المعاوضات غير البيع والدين اللذين هما مورد
النصّ . نعم لا إشكال مع الجهل بالمقدار وإن احتمل التفاضل في جهل الطرفين للحلّ
للطرفين ، كما إذا كان لكلّ من شخصين طعام عند صاحبه لا يدري كلّ واحد منهما كم
له عند صاحبه فأوقعا الصلح على أن يكون لكلّ منهما ما عنده مع احتمال تفاضلهما .
صحّه الصلح عن دين بدين
1745- يصحّ الصلح عن دين بدين ، حالّين أو مؤجّلين أو بالاختلاف
،
متجانسين أو
مختلفين ،
سواء كان الدينان على شخصين أو على شخص واحد ؛ كما إذا كان له على
ذمّة زيد وزنة حنطة ولعمرو عليه وزنة شعير فصالح مع عمرو على ماله في ذمّة زيد بما
لعمرو في ذمّته ؛
والظاهر صحّة الجميع إلاّ في المتجانسين ممّا يكال أو يوزن مع
التفاضل ، ففيه إشكال من جهة الربا في غير صورة الجهل بالمقدار واحتمال التفاضل
،
كما سبق . نعم لو صالح عن الدين ببعضه ـ كما إذا كان له عليه دراهم إلى أجل فصالح
عنها بنصفها حالاًّ ـ فلا بأس به إذا كان المقصود إسقاط الزيادة والإبراء عنها والاكتفاء
بالناقص ؛ كما هو المقصود المتعارف في نحو هذه المصالحة ، لا المعاوضة بين
الزائد والناقص .
1746-يجوز أن يصطلح الشريكان على أن يكون لأحدهما رأس المال والربح للآخر
والخسران عليه في صورة عدم انضمام ما كان غير مشروع وليس قراضاً ، بل صلحاً
شبيهاً بالتصالح على نصف حقّ المدّعي للكلّ .
جواز التصالح بشيء من المدّعى به أو غيره مطلقاً
1747 - يجوز للمتداعيين في دين أو عين أو منفعة أن يتصالحا بشيء من المدّعى به أو
بشيء آخر حتّى مع إنكار المدّعى عليه ، ويسقط بهذا الصلح حقّ الدعوى ، وكذا حقّ
اليمين الذى كان للمدّعي على المنكر ، وليس للمدّعي بعد ذلك تجديد المرافعة على
تأمّلٍ في بعض المواقع ، لكن هذا فصل ظاهري ينقطع به الدعوى في ظاهر الشرع
ولا يحلّ به ما أخذه من كان غير محقّ منهما ؛ فإذا ادّعى شخص على شخص بدين
فأنكره ثمّ تصالحا على النصف
،
فهذا الصلح وإن أثّر في سقوط الدعوى ، لكن إن كان
المدّعي محقّاً بحسب الواقع ، فقد وصل إليه نصف حقّه وبقي الباقي على ذمّة المنكر
يطالب به في الآخرة إذا لم يكن إنكاره بحقّ بحسب اعتقاده الذي لا تقصير فيه،
فلا يطالب بمخالفة التكليف خاصّة إلاّ إذا فرض رضى المدّعي باطناً بالصلح عن
جميع ماله في الواقع ، وإن كان مبطلاً واقعاً يحرم عليه ما أخذه من المنكر إلاّ مع
فرض طيب نفسه واقعاً ، بأن يكون للمدّعي ما صالح به ، لا أنّه رضي به تخلّصاً من
دعواه الكاذبة .
عدم دلالة قول «صالحني» على الإقرار
1748- إذا قال المدّعى عليه للمدّعي : «صالحني» لم يكن هذا إقراراً بالحقّ ، لما عرفت
من أنّ الصلح يصحّ مع الإنكار ، كما يصحّ مع الإقرار ؛ وأمّا لو قال : «بعني» أو «ملّكني»
كان إقراراً إذا لم تكن في المقام قرينة صارفة ، وكذا في الصورة الاُولى .
|