New Page 1

امام علی علیه السلام : صَومُ النَّفسِ عَن لَذّاتِ الدُّنيا أنفَعُ الصِّيامِ

 
 
یا ارحم الراحمین
 
یا ارحم الراحمین
 
«البيانات» طباعة
New Page 2 Image

«البيانات»

بيان الاوّل

بسم اللّه  الرحمن الرحيم

ما الذي يجب علينا القيام به تجاه الابتلاءات الداخلية والخارجية؟ ماذا علينا ان نعمل؟ ما الذي فعلناه حتى ابتلينا بهذه الامور؟ علينا التفكير بهذا الأمر أنه ما الذي فعلناه حتى صرنا بلا قائد (امام)؟

ان المشكلة تكمن في اننا لم نصلح انفسنا، ولا نقوم بذلك، ولن نقوم به لسنا مستعدين لاصلاح انفسنا. ولو كنا قد اصلحنا

 

انفسنا لما ابتلينا بهذه البلايا .

يقول النبي الاكرم صلى الله عليه و آله وسلم : «ألا اخبركم بدائكم ودوائكم، داؤكم الذنوب ودواؤكم الاستغفار» .اننا نريد ان نفعل ما نهواه لكن لاحق للآخرين في الاساءة الينا. نحن لنفعل ما نشاء في حق أصدقائنا والمقربين منا. واما الاخرون، الاعداء، فلا يحق لهم الاساءة إلينا . لو اصلحنا انفسنا فاللّه  تعالى كاف واللّه  هاد. اننا لا نريد اصلاح انفسنا، وفي نفس الوقت لا نرغب في نيل الاذى من الآخرين. ان اولئك الذي طبعهم الاذى [سوف] يقومون بعملهم، ما لم يمنعهم في ذلك كاف وحافظ . لو كنا نحن سائرين على الطريق، لو سرنا على الجادة، فمن كان ليقتل أمير المؤمنين «» والحسين بن علي «»، ومن كان ليجعل [امامنا الغائب] الآن ـ ومنذ الف سنة الى الآن ـ مغلول اليدين . نحن لسنا على استعداد لاصلاح انفسنا. فلو اصلحنا انفسنا لصلح جميع البشر بالتدريج .نحن نريد ان نكذب عندما نشعر بالرغبة في ذلك، لكن لاحق لاحد في ان يكذب علينا. نحن نؤذي اصدقائنا وصلحاءنا، لكن لا حق لأِهل السوء في ايذائنا .كن منسجماً مع اللّه  عزَّ وجلَّ فهو يصلح الامر. لماذا تفعل كل ما ترغب فيه في السر والعلن؟ ألم يقل اللّه  تعالى «ومن يتق اللّه  يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على اللّه  فهو حسبه، ان اللّه  بالغ امره قد جعل اللّه  لكل شيء قدراً» .أفهل يمكن الا نكون مع اللّه  و[في نفس الوقت [يكون اللّه  عوناً لنا في كل امر جزئي أو كلي، وفي الامور الداخلية والخارجية؟! اذن لا ملجأ من البليات الدنيوية والاخروية، والداخلية والخارجية إلاّ إلى اللّه  والكون معه والاندماج مع أهل اللّه  واتباعهم . لو ابتعدنا عن الانبياء والاوصياء فان ذئاب الداخل والخارج سوف تلتهمنا على الفور .ولو كنا ممن يخشى اللّه ، فسيخافنا من لا يعرفنا اصلا، ولا يعرف شيئاً عن ماهية عملنا، سيخافون اثارة غضبنا عليهم. لماذا؟ لاننا إذا كنا مع اللّه  فغضبنا يكون غضب اللّه  عز وجل .لقد طلب الجن من الامام الحسين  ان يأذن لهم في اهلاك اعدائه، ليقوموا بذلك على الفور قبل ان يتحرك من مكانه، فأجابهم  بأنه اقدر منهم على ذلك لو شاء ـ فهو من يعرف الاسم الاعظم ـ لكن إذا لم يقتل فبماذا يمتحن هؤلاء الناس وأحوالهم هذه الاحوال .هذه الدار دار امتحان. اشتغلوا بالتفكير في اصلاح انفسكم لكي لا يبقى عائق أو مانع فيما بينكم وبين ربّكم. لو اصلحتم ما بينكم وبين اللّه  ووسائطه [من الانبياء والاوصياء] وازلتم الموانع، فاللّه  يصلح ما بينكم وبين الخلق .الآن، لقد وقعت الواقعة، لقد اوصلنا الامور إلى مرحلة  نحن، كبارنا منذ السقيفة وقبل السقيفة، في تلك الحجرة [حين احتضار النبي صلى الله عليه و آله وسلم ] أوصلنا الامور إلى حين صرنا اعداء لبغضنا شبراً فشبر. لقد راينا كل تلك الامور وهي من اعمالنا، وإلاّ فلماذا يكون المسلمون أعداء لبعضهم البعض، فضلاً عن عداء غير المسلمين تجاههم. لماذا يكون الامر بهذا النحو ؟

كل ما نراه فهو من اعمالنا. فهل يجب ان نتوب من اعمالنا ام لا يجب علينا ذلك؟! لنختر ما هو الاصلح حالياً لنا!! ايهاالسادة ليس هناك ما هو اصلح من أن نكون نحن انفسنا صالحين .الآن، وقد فعلنا هذه الافاعيل، علينا ان نتوب، ان نتضرع عند ذلك الباب العالي والباب الاعلى. علينا التوجه إليه ليمنحنا النجاة أولاً من شر انفسنا وداخلنا، وبعد ذلك من شر الاجانب «اعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» هذه الشهوات، وهذا الغضب بلا مبرر، والشهوات في غير محلها، كلها جنود الشياطين، جنود الكفار في داخل الانسان .آخر الامر، الآن وقد وصل بنا الامر إلى هنا، فنحن نعلم ان دواءه الاستغفار، فهل نستغفر ؟ لا مفر لنا سوى التوجه إلى اللّه  عزَّ وجلَّ، وإذا لم نتجه إليه، فلو ارتفعت الموانع ايضاً، فإنها إنما ترتفع موقتاً، ولا ترتفع بشكل دائم . علينا أن نعلم بأن علاجنا هو اصلاح النفس في جميع المراحل، ولن نكون في غنى عن ذلك، ولن يتم أمرنا دون ذلك .مع الاعتراف بان ما حل ويحل بنا انما هو نتيجة اعمالنا نحن، فما لم نصلح أنفسنا وما لم نرتبط باللّه  عزَّ وجلَّ وبخلفائه فإن أمرنا لن يصلح. والتسويف إلى غد وبعده لن ينفع .

ما لم نَتَقَوَّ علاقتنا بولي الامر امام الزمان صلوات اللّه  عليه [فلن يصلح امرنا [فهل يصلح عملنا في دون اصلاح النفس؟ نحن المجتمعون هنا ـ وان كان هناك كثيرون يلتقون معنا في العقائد وجميع الميول ـ هل يمكن ان يصلح الامر من دون اصلاحنا انفسنا؟ هل يمكن ان يتم الامر ما دام في العالم راش ومرتش ؟

ينقل «الخوارزمي» وهو منهم ان احد رؤساء جيش أمير المؤمنين  في صفين تمكن من الوصول إلى عند خيمة معاوية بن أبي سفيان لعنه اللّه  بنحو كان قتل معاوية فضلاً عن أسره ـ بالنسبة له اسهل من شرب الماء. ولم يورد في هذا النقل أي ذكر عن تلك القضية عن مالك الاشتر هناك في تلك الجبهة .في تلك الحال يرسل معاوية لهذا الشخص انك قد انجزت عملك واعترفنا لك بالغلبة لقد «ظفرت ونصبت» انتهى الامر، لكننا نقول لك ان تراجعت اعطيناك خراسان، فاختر أيهما شئت، فهل تريد خراسان أم تريد التقدم والقضاء علينا؟ وكان ان تراجع ذلك الشقي. لقد كان يريد خراسان كمثل عمر بن سعد الذي كان يطلب الري، وانتهى الامر كما نعلم جميعاً. لقد باع هذا الشقي دينه بدنياه وخسر الدنيا والآخرة فلقد مات وذهب إلى جهنم قبل ان تقع خراسان بيد معاوية، ولم ينل أي شيء لا خراسان ولا الجنة. لقد فقد خراسان بالاضافة إلى سقوطه في جهنم كعمر بن سعد .ما لم نصلح انفسنا فهل بامكاننا اصلاح مجتمعنا. انك اذا لم تصلح نفسك ففى آخر الامر سوف تقوم بعملك. إذ يهمسون في إذنك [لِرشوتك] بالمبلغ الذي لم تحلم به. هل يمكننا اتمام علمنا من دون اصلاح انفسنا ؟أن اولئك الذي يتعاملون بالرشاوى لا يطلِّع على احوالهم أحد، ليعرف ثباتهم وعدمه، وهل هم مرتشون أم غير مرتشين. وعليه فنحن لا نريد [اصلاح امورنا [ومع اننا لا نريد ذلك فاننا نريد قطع هذه الطريق .هل يمكن لاحد ان يسعى لاصلاح بلد [يعشش [فيه الجواسيس وأهل الرشاوى من راش ومرتش او ساع في ذلك اذ لا فرق في ذلك [من حيث الفساد]؟ ان هذا محال. بل سنجعل الوضع اكثر سوءاً ولو لم نقدم لما صار كذلك . خلاصة الامر علينا اصلاح انفسنا، وينحصر الحل في ذلك. وإلاّ اَلم يرتش ذلك الشخص في ايران، ألم يعطوه ايران شرط  ان يكون خادماً لهم؟ الم يعطوا تركيا لمصطفى كمال شرط ان يكون خادماً لهم، ويتنازل عن المستعمرات للكفار؟ وذلك الآخر في الحجاز الم يرشوه بان يعطوه الحجاز ويخرجوا اولئك منها؟ عليك تلبية كل ما نطلب. هذا هو عملنا. فهل هؤلاء جاؤا من جهنم ونحن جئنا من الجنة؟ نحن أيضاً علينا ان نخاف من انفسنا. الآن وللّه  الحمد لم تحصل قضية كهذه بان يقولوا لنا نعطيك ما لم تحلم به [مقابل....] وبعدئذ أيضاً يعرفون كيف يسلبوننا اياه اضعافاً مضاعفة .لا يمكن ان يحصل أي تقدم أو نقدم أي شيء لمجتمعنا من دون اصلاح النفس اذ سنكون ممن يمشي نصفَ الطريق ونتخلى، وذلك عند مسيس الحاجة أيضاً .فماذا علينا أن نعمل الآن؟ نفس ما قلناه. لا يمكن التخلي عن الاصلاح. حسنا فالآن اين يمكن اصلاحنا الفعلي؟ انه يكون في العودة عن الاعمال التي نقوم بها في الداخل والخارج ونعلم [وضعها] وعن العلاقات التي يقيمها بالاجانب  العلاقات التي تكون لصالحهم لا عن العلاقات التي تكون لصالحنا. والا فمع هذا القرآن الواضح واشباهه كالصحيفة السجادية ونهج البلاغة التي لو أذن للحائط لصدق كلامنا واذعن بواسطتها وصار معنا، فكيف تخلفنا هنا بأن صرنا نمد يد الاستجداء إلى مجموعة من الوحوش والحيوانات المفترسة رغبة في أن يقرضونا .

لذا فهذه الاعمال نحن الذي ارتكبناها. ولا حل إلاّ بالامتناع عنها فيما بعد! لنعرف انفسنا ولا نسمح لهم بالدخول بيننا والعمل ضدنا في الداخل .ألا يمكننا ـ آخر الامر ـ معرفة انفسنا والمفسد من المصلح أفلا يمكننا ذلك؟علينا [بأي شكل كان] ان نصلح انفسنا. ألا يمكننا ان نقول [ان ذلك الشخص مثلاً] قد ارتكب العمل الفلاني، او اطلق الكلام الفلاني في مجلس ما، قد ارتكب شيئاً ما، وان الامر بالنحو الفلاني مثلاً، وقد شهد فلان [او انه مثلاً] الذي افشى  تلك الكلمة الفلانية، أو صرح بالتصريح الفلاني هو الشخص الفلاني، وقد سُجِّل كلامه في المكان الفلاني. اعرفوا اولئك الذين يرتكبون هذه الاعمال اعرفوهم [منذ الآن [لئلا تقولوا غداً لم نكن نعلم، أو لم نكن نعرف حقيقة هؤلاء الاشخاص، وما الذي حصل، وما لم يحصل، ومن كان قد تكلم بذلك . في النتيجة علينا ان نوضح لبعضنا البعض ونيميز بين الصديق وغيره ومن يكون صديقاً مؤقتاً اللّه  يعلم مدة صداقته ومدى عطائه وحدود تلبيته لرغباتنا [وحاجاتنا] النفسية .عليكم بالخوف لاجل الدين، واللّه  لا تبث شكواك لمن لا تعرفه ولا تصاحبه، كن محيطاً بما حولك بشكل كامل .[إلى ان قال دام ظله في التحذير ولزوم الاحتياط من خداع الاعداء :] اننا مع كوننا نرى كل هذه الامور لا تبدر منا الخشية تجاه الآخرين! فهل [درجة] توكلنا على اللّه  كبيرة وهل قوة ايماننا  كبيرة!؟ فلا نخشى ان يخدعنا احد .

ايها السادة انهم سوف يأتونكم عبر اصدقائكم لا بواسطة اعدائكم . في النتيجة علينا القيام بهذه الامور [الحيطة والانتباه] لكي لا يحصل اختلاط بيننا، ولا تتلوث اجواؤنا ولكي لا يزداد الفساد بيننا عما هو عليه الآن . هذا أمر. والأمر الثاني: أن نطلب من اللّه  في خلواتنا معه، وفي تضرعاتنا وتوبتنا وصلواتنا وعباداتنا، وخصوصا بالدعاء الشريف «الهي عظم البلاء وبرح الخفاء» ان يصل صاحب الامر وان نكون معه. فإذا اظهره اللّه  تعالى فهو المطلوب، وإلاّ [فليكن طلبنا ان] لا نبتعد عنه، ولا نبتعد عن رضاه، فإنه يرى ويعلم ما نتكلم به مع بعضنا. انّه عين اللّه  الناظرة، واذنه الواعية، ويسمع كلامنا قبل أن نسمعه نحن. بل بمجرد ان نتكلم فهو يمسع كلامنا، فان الكلام يحتاج لمدة ليصل من اللسان إلى الاذن لكنه يسمعه قبل هذه المدة. فهل يمكننا مع هذا ان نقوم بعمل لا يدركه؟ هل يمكننا ان نفعل فعلاً لا يعلمه ؟

ينقل ان رجلاً وامرأة من البوذيين، وممن يوجد في دينهم تشريع النكاح وحرمة السفاح ـ تواعدا على الفحشاء فبحثا عن مكان خال لذلك، فوجدا بيتاً خالياً لا يتمكن أحد من الدخول إليه. واختارا ـ كما قيل ـ غرفة من هذا البيت فقفله، لو فرضنا دخل المنزل شخص ما لا يتمكن من دخولها. لكن عندما دخلاها ولم يعد هناك اي مانع في البيت فضلاً عن الغرفة (تنقل هذه القصة كتاب المحجة البيضاء. لكن لها مثيل في قصة يوسف وزليخا) التفت احدهما إلى وجود صنم في الغرفة، فقام وغطاه بثوب لكي لا يتمكن الصنم من مشاهدة ما يفعلانه، لكي لا يرى ذلك الاله الكاذب ما يرتكبانه .فهل يمكننا نحن اخفاء اعمالنا عن الاله الحقيقي، بنحو لا يرى ولا يعلم مما نرتكبه من اعمال .يأتون إليك قائلين: ليس في الامر شيء، مجرد كتابة، فاسمح لنا بتوقيعها. لا داعي لان تزعج نفسك بامضائها، بل اِذن  لنا بالتوقيع نيابة عنك، ويتم الامر.. وهذه اجرتك ونحن عملك.. وما شابه .خلاصة اننا لا نقدر على اخفاء اعمالنا عن اللّه  عزَّ وجلَّ فهو قادر، ناظر، عليم حكيم. وما لم نخضع له فلن يصلح امرنا. فماذا علينا الآن ؟ يجب ان نخاف من انفسنا فضلاً عن الآخرين. لاننا لا ندري ما الذي سنواجه به غداً .أجل علينا ان نحتاط من انفسنا، ونلتفت جيداً لكي لا نغوى من داخلنا ونهدد من داخلنا، او نطَّمع كذلك. وعندما نحرز هذه المطالب كلها فلا نترك التضرع والانابة والتوبة وطلبها، وطلب توفيقها في الخلوات مع إلهنا .نسأل اللّه  عزَّ وجل متوسلين بانبيائه واوصيائه ووصيه الحاضر، والذي هو حاضر عند العارفين، ألا يحرفوننا عن النهج الرباني، وعن الربانيين، وعن وسائط الامداد الالهي، وأن يمنحنا البصيرة والتبصر، وأن يجعلنا عارفين بانفسنا، عارفين  بأهل خطِّنا، وعارفين بالربانيين، وعندئذ نعرف مخاليفهم أيضاً.

والسلام عليكم ورحمة اللّه  وبركاته

 

 

بيان دوّم

بسم اللّه  الرحمن الرحيم

 

على الجميع أن يعلموا [ان عليهم] التوجّه في الأمور العملية لما يبقى لهم، دون الزائل الذي يفنى. الأعمال الصالحة، الطاعات الإلهية، ما يقرب إلى اللّه  عزّوجلّ فإنه يبقى مع الإنسان، ويحمله الإنسان معه من هنا إلى يوم القيامة، وإلى ما بعد القيامة، وحيثما حلّ. الأعمال الصالحة للإنسان، الأعمال الباقية له لا تفنى. فليُعْلَم بأن الطاعات والعبادات والمقرّبات ليست ممّا يزول  بخراب البيت مثلاً، أو بانفصال البدن عن الروح، فهي باقية وثابتة. بل ستظهر صورة معنوية منها هناك لكلّ فرد بحياله. ولكي لا تغفلوا! فإن أولئك الذين استشهدوا أو قدّموا شهداء انّما مضوا في سبيل اللّه ، وكانوا ماضين في طريقه، واللّه  تعالى يعلم أي تاج وضع فوق رؤوسهم بالفعل، وإن كان البعض لا يرون ذلك إلاّ بعد مغادرتهم هذه النشأة. وربّما كان للبعض، ممّن هم من أهل الكمال، أن يروا هنا أيضاً ان فلاناً [مثلاً [يمتلك تاجاً على رأسه، بينما «فلان» الآخر لا يمتلك ذلك!.

والمقصود أن استشهاد أقارب المرء هو بنفسه كرامة من اللّه  عزّوجلّ. والشهادة ـ لو أردنا تقييمها ـ فهي ممّا يوجب المسرّة لا الحزن ـ فهذا الحزن الذي يظهر في الإنسان سببه ان ذلك الشهيد قد ارتحل إلى تلك الغرفة، مثلا بينما بقينا نحن في هذه الغرفة. ولا نفكّر عند ذلك في أفضلية حاله من حالنا، وبأننا  مكدّرون بينما هو في راحة. ولا نفكِّر في الأمور التي جعلها اللّه  له الآن، بينما لا يُدرى كيفية ارتحالنا نحن. هل نمضي مع الايمان أم بدونه؟ هو قد مضى مع الايمان [مؤمناً [وبهذا النحو أيضاً: لقد مضى شهيداً. علينا أن نفهم ان الشهادة من موجبات السعادة، وأنها ترتقي بكل فرد إلى أعلى، ولا تنزله إلى أسفل. وهذا البيت ليس بالبيت الذي نبقى [نخلد] فيه. بل على الفرد منّا أن يجمع هنا أموراً معيّنة للمكان الذي يعيش فيه. عند ذلك، هناك يعلم مدى عظمة ما يجمعه هنا. فهناك يعلم بأن هذا كاف وواف، وهذا غير معروف هنا [لا يُعلم هنا]. اللّه  يعلم كم من الآثار المعنوية للصلاة مرة الواحدة [على محمّد وآل محمّد [التي يطلقها المرء هنا ويهديها للميّت. وأية صورة وأية واقعية [حقيقة] لهذه الصلوات نفسها. علينا أن لا نهتم للقلّة والكثرة، بل ليكن اهتمامنا للكيفية. لو أنفق المرء شيئاً من ماله للّه  ـ ولوكان زهيداً ـ وأنفق في  المقابل الآلاف من الذهب والفضة دون أن يكون ذلك للّه ، فذاك [أي ما كان للّه ] من الباقيات، بينما هذا [ما كان لغير اللّه ] من الفانيات. ان الإنسان يترقّى باستمرار، وينمو آناً فآن. ومن المحال أن يقوم بعمل خير للّه  عزّوجلّ ويكون مغفولاً عنه «لا يعزب عنه مثقال ذرة» سورة سبأ من الآية 3  [فمن المحال اذن] ألا يطّلع عليه الملائكة، أو لا يكتبه أحد أو يقوم بتسجيله. علينا الالتفات ! فكل خير أو شرّ يصدر من أي كان سيكون هناك بارزاً [ظاهراً]. واللّه  يعلم مقدار الناظرين والذين سيطّلعون على هذه الأوضاع! واللّه  يعلم أي جزاء ثابت وسيؤدى للإنسان على أعماله، خيراً كانت أم شرّاً! لا ينبغي التوهّم إن المسألة مسألة قلّة وكثرة. بل المدار على الكيفية. فإن كان [العمل] للّه  [فله قيمته [حتى لو كان قليلاً، وإن كان لغير اللّه  [فلن ينفع] ولو كان كثيراً. ومن الضروري [المفروض] انه يجب ملاحظة ما يقوله [دستور [دفتر الشرع ليرى ما الذي يجب فعله أو تركه في ذلك المورد . اننا ضيوف اللّه  وعلى سفرته، وهو يرانا ويعلم ما الذي نفعله، وما الذي نفكِّر بإتيانه. فهو يعلم أفضل منّا بخيالاتنا [بأفكارنا] . اننا نتخيّل أمورا ونتخيل تحقّقها في الواقع [و] اللّه  تعالى يعلم ان الأمر بالعكس، فما نتخيّل تحقّقه لن يتحقّق، وما نتخيّل عدم تحقّقه هو الذي سوف يتحقّق. انه تعالى مطّلع إلى هذا الحدّ. «اللّه  تعالى مطّلع» وهذا جلي. فرسله في كل مكان، عن اليمين والشمال، ومن هذه الجهة وتلك، موجودون في كل مكان.

لا يمكن إخفاء شيء عن اللّه  عزّوجلّ. حسناً، فإذا كان من غير الممكن إخفاء شيء، واللّه  تعالى يرى ويعلم، وهو قادر أيضاً، وثمّة أشياء يحبّها، واُخرى لا يحبّها، وذلك إنّما هو لأجلنا، وإلاّ فلا يختلف الأمر بالنسبة له. فإذا كان الأمر كذلك، فهل نحن بحاجة لأن نعلم أكثر من هذا المقدار: بأن «اللّه  مطّلع على ظاهرنا وباطننا»!؟ لقد تجسّم الشيطان الملعون للنبي يحيى«» وقال له: أنصحك أموراً خمسة: فقال: تكلّم. فتكلّم الشيطان في البدء بكلمة حكمة جيّدة جدّاً، والثانية أيضاً كانت حسنة جدّاً، والثالثة كذلك، والرابعة رأى أيضاً انها حسنة جدّاً. [عندئذ] قال له النبي يحيى«» : الآن فاغرب! ففي الخامسة سوف تقوم بعملك. اذهب! فالخامسة لا أريدها بعد، إذ ستقوم بعملك فيها ولابدّ. وإلاّ فلن تكون إبليس. فإبليس داعية الشرّ، وكل هذا كان مقدّمة ليقوم ـ آخر الأمر ـ بعمله. [تنبّهوا] التفتوا أيضاً إلى أن حياة الأفرنجة بالجواسيس. وكل ما حلّ بنا الحدّ الآن منهم فقد كان بواسطة الجواسيس. التفتوا! انظروا حواليكم فأحيانا يصلون إلى الجاسوس عبر عدّة وسائط. هذا نحو من الفطانة، ونحتاج إلى أن يمنحنا اللّه  هذه الحذاقة لكي لا نخدع بالأكاذيب، فانّهم يكثرون من الصدق في ما يقولونه لنا، إلى أن يبيعوا [يسوِّقوا [كذبهم. إلى أن قال دام ظلّه: عليكم الانتباه! فلا حيلة إلاّ باللجوء إلى اللّه  والتوسّل. ليكن القرآن معكم في يد والعترة في اليد الأخرى. العترة: معارفهم في مثل نهج البلاغة، وأعمالهم في مثل «الصحيفة السجّادية»، وأعمالهم التكليفية في مثل هذه الرسائل العملية. لا تدعوهم يخرجونكم منهم، بل ميزتنا نحن من بين المسلمين وغير المسلمين ـ هي اننا نمتلك أصلين ينفعان للدنيا والآخرة، ففي أمر دنيانا أيضاً، لو أصبنا بمرض أو حلّ بنا بلاء ما، فإنّه ينالنا الفرج بمجرّد أن نتوسّل بهم. هذه الميزة خاصة بالشيعة، إذ لا يوجد هذا الأمر لدى أهل السنّة. بل هم لا يسمحون لعلماء الفقه بأن يتدخّلوا في الأمور العقلية، فيجب الرجوع في المسائل العقلية إلى أبي الحسن  الأشعري أو إلى المعتزلي.. وفي الشرعيات المرجع أبو حنيفة مثلاً، أو الشافعي وأمثالهما، وهم يعجبون كيف يجعل الشيعة شخصاً واحداً مرجعاً للأمور الشرعية والعقلية معاً. أئمّتنا مراجع في المعارف والعلوم العقلية، كما أنّهم كذلك في الأمور الشرعية والتكليفية أيضاً. انّهم ـ غيرنا ـ لا يعرفون أن لدى الأئمّة أيضاً أموراً أخرى غير هذين الأمرين [الشرعيات والعقليات] إذ أمر هذين سهل [قياساً بما يمتلكونه [فلديهم سبل التوسل والحفظ والتحصين أيضاً. ومنهم [نتعلّم] طريق مناجاة اللّه  عزّوجلّ، وطريق العبودية له والأعمال ـ بل نستطيع باتباعنا لهم أن نستغرق أوقاتنا كلّها في طاعة اللّه  [بنحو] لا نخرج عن الطاعة في كل ما نقوم به. والمقصود أن تنتبهوا: إذ الذئاب كثيرة في هذا العصر. فإنهم يمتهنونكم، لكن بمقدورهم فيما بعد أن يعطوكم الطعام المسموم، ويفرغوا من أمركم بعد أن يكونوا قد أخذوا الأمر منكم واستخدموكم، ومهما دفعوا لكم من المبالغ التي قد لا يحلم المرء بها. انتهبوا! لئلا يضلّونكم ويخرجونكم عن الجادة فيحرمونكم من الدنيا والآخرة. وإذا رأوكم عبيداً لهم صادقين قانعين رضوا عنكم لكن بشرط أن تقتلوا في سبيلهم...

والسلام عليكم ورحمة اللّه  وبركاته

 

 

بيان سوّم

بسم اللّه  الرحمن الرحيم

على النشئ الجديد والشباب أن يلتفتوا بأنّ عليهم ـ كما يتقدّمون في العمر وهم في هذا السنّ يوماً بعد يوم ـ أن يكون علمهم وايمانهم [في ازدياد مستمرّ] بهذا النحو أيضاً، وبشكل مواز لذلك؛ فتترقى معلوماتهم من الصف الأوّل للعلوم الدينية إلى ما فوق، ويكون ايمانهم أيضاً ملازماً لعلمهم هذا. عليكم أن تعلموا بأنّنا ـ نحن المسلمين ـ لا نحتاز على غير المسلمين إلاّ بالقرآن والعترة، وإلا كنّا نحن أيضاً كباقي الناس  غير المسلمين لو لم نمتلك القرآن لكنّا كغير المسلمين، ولو لم نمتلك [الارتباط بـ] العترة لكنّا مثل [سائر [المسلمين من غير أهل الايمان. علينا الالتفات إلى لزوم الترقي في هذين الأمرين يوماً بيوم؛ فكما يتقدّم بنا السنّ، فكذلك [يلزم] أن تترقّى معلوماتنا بهذين الأمرين. لا نذهبن هذه الجهة أو تلك وإلاّ ضعنا. وما دام هذان الأصلان الأصيلان معنا فلن نضيع أو نضل. نقول: إذا [كنتم تقولون] بأن الإسلام غير صحيح، ولا تقبلون بالقرآن فأتوا بمثل القرآن، [بل] بسورة من مثله؛ يقولون: لا، فلا يمكننا أن نأتي بذلك، ولن نأتي به، ومع هذا فلن نصبح مسلمين! هذا الادّعاء وهذا الكلام لا جواب له، لأنهم يقولون: «نعلم ولا نعمل». وكذلك شأن الذين هم مع القرآن صورياً وليسوا مع العترة: نقول لهم: هذه آثار العترة وهذه فضائلهم، وهذه أدعيتهم  وأحكامهم، وهذه خطبهم ورسائلهم. هذا نهج البلاغة، وهذه الصحيفة السجّادية، ائتوا بمثل هذا ممّن خالف العترة! فإن فعلتم تخلّينا [عن العترة]. هذه علومهم وهذه أمورهم العملية، هذا ايمانهم وهذه كراماتهم ومعجزاتهم. علينا العلم [والحذر] لئلا يسلبوننا هذين الأمرين. هل تعلمون كم يعطوننا من المال لو تخلّينا لهم عنهم، سوف يمنحوننا الكثير؛ لكن هذا المال لا قيمة له، فغداً يسلبوننا هذا المال من طريق ملتو، وينزلون على رؤوسنا المصائب أيضاً. إنّهم لا يفون لنا، فبمجرّد أن ينالوا منّا مصالحهم، سوف يوقعون بنا. خلاصة الأمر، علينا الالتفات، فلنتعلّم القرآن: ألفاظه لنجتنب الغلط في قراءة ما نعرفه منه، لنتعلّم قراءته بشكل صحيح، وكذا تجويده، لتكون قراءتنا في الصلاة صحيحة. ولنتعلّم كذلك تفسيره بواسطة التفاسير السهلة المبسطة  والمعتبرة. لنحفظ القرآن لكي يكون دوماً معنا ونحن معه، ولنتحصّن به ونجعله الحافظ لنا والوسيلة لذلك في فتن الدنيا وشدائدها. لنسأل اللّه  عزّوجلّ أن لا يفرّق بيننا وبين القرآن، كما نسأله أيضاً أن لا يفرّقنا عن العترة، إذ العترة مع القرآن، والقرآن مع العترة. إذا افتقد شخص ما أحد هذين، فقد افتقدهما كلاهما. لنلتفت لكيلا يكذبوا علينا ويسوِّقوا كذبهم لنا، لكيلا نشتري الكذب من أهل الدنيا.لا يمكننا الابتعاد عن القرآن والعترة، فلو ابتعدنا عنهما لوقعنا في شباك الذئاب، واللّه  يعلم إن كنّا سننجو بعد ذلك من أيديهم، بعد أن تكسّر الرؤوس وتقطّع الأيدي وتحلّ البلايا [المختلفة]. انتبهوا! لئلا يخرجوا أحدا منكم من هذين الأصلين. انّكم تزاولون الدراسة في المدارس، فانتبهوا إلى معلّميكم بأن يكونوا في الصراط المستقيم؛ إذا حرّفوا المعلم بواسطة  الرشاوى وغيرها، فإنّ وضع الطلاّب عندئذ سيكون وخيماً، لماذا؟

ذلك لأنّه سيصدِّر إليهم باطله ويغذّيهم عليه وعندئذ بشكل مباشر أو غير مباشر. انتهبوا، وتوخوا الغاية في الاحتياط، وينحصر احتياطكم أيضاً في ألا تتجاوزوا اليقين؛ بل على الكبار اليوم أن يكونوا كذلك أيضاً، عليهم أن يسعوا غاية السعي في منعهم من أن يدخلوا غير اليقين ضمن يقينيّاتنا، ولا يسكبوا الماء في حليبنا [فيفسدوه]. لو نطق شخص ما بألف كلمة حقّ، فلنتأمّل هذه الألف كلمة جيداً ونأخذها منه، ثم [لنتأمّل بعدها] هل الكلمة الواحدة بعد الألف، صحيحة أيضاً؟ أم أنّها ظنّ لا يقين. كلّ كلمة تسمعونها، من أيٍّ كان، فليكن سعيكم [في معرفة] هل هي صحيحة وتامّة ومتطابقة مع العقل والدين، أم لا؟

و[اعلموا] بأنّ اللّه  تعالى مطّلع علينا في خلواتنا، كما أنّه مطّلع علينا عندما نكون مع الناس، سواء تكلّمنا أو كنّا ساكتين. بمجرّد أن يعلم المرء بأنّ صاحب هذا البيت وصاحب هذا العالم مطّلع على كلّ فرد، في جميع أفعاله وتروكه، وفي كلّ نواياه، في كلّ ما نواه وما ينويه بعد، أيضاً، بل انّه يكتب نيّة الخير ويترك نيّة الشرّ قبل تحقّقه رجاء ألاّ يتحقّق، وإذا تحقّق الشرّ أيضاً فإنه يصبر مدة ليرى هل تاب هذا الشخص أم لا؟ رجع عن ذلك أم لا؟ فقد انتهى الأمر. والمقصود انّه بمجرّد أن يعلم الإنسان أن اللّه  تعالى يعلم [بكلّ شيء] ينتهي الأمر، فلا يؤخّر الإقدام، فإنّه بذلك يدرك كلّ شيء إلى الأخير: ماذا عليه أن يفعل أو يترك؟ ما الذي ينفعه، وما الذي يضرّه، فاللّه  تعالى يرى [كلّ شيء] أفهل بمقدورنا أن نتنازع مع بعضنا حال كوننا جلوساً على سفرته، فنتنازع، مثلاً على الأطعمة ونتسابق على النيل منها ونتعارك على ذلك؟ كلّ الحروب التي قامت بها هذه الحكومات هي من هذا القبيل، فإنّهم قد جلسوا على سفرة الكريم وهو تعالى يرى [كلّ شيء] أيضاً. والأوامر المطلوبة معلومة، وما الذي يرضي اللّه  عزّوجلّ أو يسوؤه : انّه لا يرضى بالأذى بغير الحق ويحب الإحسان بالحق في محلّه. فمع أنّه تعالى يعلم بكلّ هذه الأمور، ونحن أيضاً نعلم أنّه أمر بها، وهو يعلم بها ويراها، فهل ترانا نقوم بهذه الأعمال؟ إنّ أحدنا لا يرتكب أيّ شكل من أشكال المعصية أمام أيّ فرد عادي من البشر، وقد يكون المرتكب أقوى من المشاهد، فلا يملك المشاهد فعل شيء تجاهه، لكن [المرتكب مع هذا يرتدع] مخافة أن تسوء نظرة الرائي له، أو يسوء أمره معه، ولربّما واتته الفرصة فصفى حساب معه. لكن الأمر مع اللّه  تعالى يختلف، فهو قادر وعالم، وقد أصدر أوامره أيضاً، ويعلم من منّا يعرف، ومن منّا لا يعرف، فهو يعلم بكل ذلك. أفهل بإمكاننا أن نخفي [الأمر] عليه؟ أو أن نظهره دون أن       نبالي معوِّلين بأنه عاجز عن فعل شيء تجاهنا؟ فهل الأمر كذلك؟ هل هناك أية فائدة لنا في ذلك؛ وهل يمكننا إخفاء شيء؟ قد تصل الشقاوة بالإنسان أو المكلّف إلى حدّ كأنه لم تطرق هذه الاُمور سمعه: من أن لنا إلهاً بصيراً سميعاً عالماً قادراً رحيماً وكريماً. قادر على الإثابة على [مقدار] رأس الابرة فيما لو صرف في سبيله. فهذا هو ربّنا... ثمّ أفاد دام ظلّه في فتحة حديثه: على هذا انظروا مدى غفلتنا، كم قد ظلمنا أنفسنا بأن جعلنا الواضحات تحت أقدامنا. فهذا هو الأمر، وهو دائر هذا المدار [وتلخيصه]: إذا لم نضع معلوماتنا تحت أقدامنا، ولم نطبق مجهولاتنا عملياً فقد انتهى الأمر [أي تحقّق المطلوب]. يجب ألا توضع المعلومات تحت الأقدام، فهذا يوجب الندم. إذا عمل الإنسان بمعلوماته، فقد استبصر [وتنوّر]، ولا توقف [في الأمر] بعد. فإذا رأى انه قد توقّف مع هذا، فليعلم علم اليقين أنه قد داس بقدمه على بعض معلوماته، وانه قد علق في حذائه حصاة لم يدقّق كما ينبغي في انتزاعها: «من عمل بما علم ورثه اللّه  علم ما لم يعلم». و«الذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا». و«من عمل بما علم كُفي ما لم يعلم». ليس بمقدور أحد أن يقول: انّي لا أعلم شيئاً، فهذا كذب. فكل شخص ثمّة غير المعصوم يعلم أموراً ويجهل أخرى، ولو عمل بتلك الأمور التي يعرفها، لأدرك التي لا يعلمها. اعملوا بما تعلمون، وتوقّفوا واحتاطوا منذ الآن فيما تجهلون إلى أن يتّضح. وعندما تعملون بذلك [أي المعلوم[ يتضح [المجهول]، فنفس السبب الذي جعل تلك الأمور [المعلومة] تتضح لكم، سيوضح لكم تلك الأمور الأخرى [المجهولة]. وعليه فانظروا لأي شيء نتوقّف. ما تجهله أعمل به، وما نجهله احتط فيه، فلن تندم أبداً. زاد اللّه  في توفيقات الجميع. ومنَّ على الجميع ـ إن شاء تعالى ـ بالسلامة المطلقة الروحية والجسمية
 والسلام عليكم ورحمة اللّه  وبركاته.

 

 

 

 

«البيانات حول الانتخابات»

البيانية الاُولى

بسم اللّه  الرحمن الرحيم

 

الحمد للّه  ربّ العالمين والصلاة على سيّد الأنبياء محمد وآله السادة الأوصياء الطاهرين.

وبعد، حيث انّا قد تعرّضنا للسؤال حول المشاركة في الانتخابات مراراً، فها نحن نبيّن هنا ما قلناه في تلك الأجوبة.

وأتناول هنا كلّ من النواحي الإيجابية والسلبية. فالذين يريدون المشاركة في التصويت والانتخاب، عليهم أن يلتفتوا  إلى ان من يملك الحق في أن يُنتخَب ويكون أميناً للمؤمنين في الدين والدنيا، يجب أن يكون من الرجال ذوي العقول الكاملة الكافية، والايمان الكامل، ومن الشيعة الاثني عشرية، ومن أهل العلم بالمسائل الشرعية في الأمور الخاصة والاجتماعية، وأن يكون كذلك من ذوي الشجاعة. وأن يكون من أولئك الذين «لا يخافون في اللّه  لومة لائم» في مواقفه وتروكه، وأن يكون بعيداً عن الرشاوي والترهيب ونحو ذلك. لا تنظروا إلى حاله لحدّ الآن، بل انظروا ماذا يجب أن يكون من الآن فصاعداً، وما الذي يجب ألا يحصل. ويجب أن يكون تقيّاً يخاف اللّه  عزّوجلّ، ويقدّم إرادة اللّه  عزّوجلّ على كل شيء. وإذا كان فاقداً لبعض الصفات، فهو ليس أهلاً للائتمان، والتصويت لفاقد الشرائط لا اعتبار له. بل هو غير جائز أيضاً، والمشكوك كذلك متروك. والفحص أيضاً يجب أن يكون تامّاً، ومن دون دخالة الصداقات والعداوات والأمور النفسانية. وليعلم بأن اللّه  العظيم عزّ شأنه ناظر إلى كافة الخصوصيات المتعلّقة بالجميع حين التصويت وعمليات الانتخاب. وأولئك الواجدون للشرائط والخصوصيات المذكورة ممّن يجوز انتخابهم وترشيحهم يصبح انتخابهم مع القدرة عليه واجباً فيما لو علم أو فعل انه بترك انتخابهم سيكون الفوز لفاقد بعض الشرائط. انظروا إلى دول الكفر كيف يَنتخِبون ويُنتخَبون، ومن ينتخبون، ومن أي طريق يُنتخب هؤلاء، وما هي الآراء التي يطرحونها في مجالسهم، والأعمال التي تقوم دولهم بها وفقاً لقانون بلادهم وخلافاً لقانون العقل والدين حتّى أديانهم المنسوخة، ممّا فساده وإفساده واضح لجميع عقلاء الدنيا.. وخالفوهم في كيفية أعمالهم وأنحاء وسائلهم وأسبابهم ومسبّباتهم، ممّا لا يتطابق مع أي دين أصيل أو قانون يرتضيه العقل. عصمكم اللّه  وإيّانا من الزلاّت كلّها بمحمّد وآله الطاهرين صلوات اللّه  عليهم أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة اللّه  وبركاته

العبد محمد تقي البهجة.

 

 

البيانية الثانية

بسم اللّه  الرحمن الرحيم

 

الحمد للّه  ربّ العالمين والصلاة على سيّد الأنبياء محمّد وآله سادة الأوصياء المطهّرين.

[نذكر أموراً] في الجواب عن السؤال المتكرّر حول الانتخابات، مع الإشارة إلى ما نبّهنا عليه العام الماضي من البيانات التي لا تختصّ بزمان ومكان، والتي انطوت على التعيين التوصيفي [من خلال ذكر الأوصاف [والذي هو أتمّ  وأعمّ وأحسن وأكمل وأدوم من التعيين الاسمي [بواسطة ذكر الأسماء].

روي عن حذيفة رضوان اللّه  عليه أنه قال: «كانوا يسألون رسول اللّه  عن الخير وكنت أسأله عن الشرّ». علينا أن نعرف ما هو الشرّ، ومن هم أهل الشرّ، لنفر [منه[ منهم، وما هو الخير، ومن هم أهل الخير، لنفر [إليه [إليهم. على المنتخِبين أن يكونوا متبصرين ومحتاطين في تطبيق الكبريات على الصغريات، والكليات على الجزئيات. وان يقدّموا رضا اللّه  تعالى على رضا غيره، وأن يتفحّصوا عن العقلاء المتدينين الذين هم أصلح، ولا يتوقّفوا في الأمر الواضح، كما لا يتحرّكوا في ظل الظلام [والعتمة]. وان يبتعدوا عن بذل الرشوة وأخذها (ممّا هو طريقة دول الكفر) وليكونوا مع المتدينيين من العقلاء المحيطين بالمسائل الشرعية، وذوي الايمان اعتقاداً وعملاً، وأصحاب التقى والتدبير والشجاعة والاتزان الفكري والمسلكي، وليتركوا  غيرهم، ولا يورّطوا المسلمين بالمشاكل، ولا يقدموا على عمل لاتدارك من الندم عليه. ابتعدوا عن بيع الوطن وبائعيه، فذلك غاية ما يرغب فيه دول الكفر. تأمّلوا في عواقب الذين باعوا أوطانهم لدول الكفر. فلقد شاهدنا ونشاهد أنهم لا يفون لأتباعهم وأدواتهم إلا إلى حين لا يجدون من ذلك مناصاً، وبعد ذلك لا يبقى لأتباعهم سوى الندم وعاقبة السوء. علينا أن نعلم انه ليس هناك نقص في البلاد الإسلامية إلاّ وهو منسوب إلى دول الكفر، والمنسوب إليهم هو نقص في الإسلام والايمان أو ممّا ينتهي إلى ذلك. ليس بمقدور أحد غير المعصومين (عليهم السلام) أن يقول: «اني أعلم كلّ شيء أو أراه»، وليس بمقدور أحد أن يقول: «اني لا أعلم شيئاً والعتمة تلفّ كلّ شيء عندي» بل كلّ عاقل عادي يعلم أموراً، وعليه أن يتحرك طبقها ولا يتوقف، بل عليه  أن يستخرج المجهولات من معلوماته، بمقدار ما يسعه ذلك. وثمّة أموراً يجهلها، وعليه الاحتياط والتوقّف [فيها[ والفحص، لئلا يبتلى بندامةٍ لا تعوّض. وهذه المطالب [انّما ذكرت] إجابة على الأسئلة، مشتملة على البيانات التي فيها إتمام للحجّة وتأكيد لها، لكي لا نوقع أنفسنا والآخرين من المؤمنين في الضلالة نتيجة التهوّر وترك التبصّر أو التساهل [والمسامحة]. بالنسبة للمتحيّرين والمتردّدين قلنا لهم [وجهناهم[ ونقول: لاحظوا أي الحزبين متوافق ـ أو أكثر توافقاً ـ مع ولاية علي (عليه السلام)، وأيّهم ينتظر المهدي (عليه السلام) اعتقاداً وعملاً، أو هو أشدّ من الآخر في ذلك. من منهما أحدث تغييراً في الأمور الدينية أو لا يحدث.. أيّهما المتزن في تفكيره، وأيّهما المتلوّن عقيدة وعملاً. من منهما يمتلك ملكة التقوى والصدق والائتمان، أو الدرجة الأقوى من ذلك. من منهما يشبه أهل الكفر والنفاق في صفاته، ومن الأكثر بعداً من ذلك  الشبه. [وباختصار [وبالجملة من الأقرب منهما إلى اللّه  تعالى وخاتم الأنبياء وخاتم الأوصياء صلوات اللّه  عليهم وعجّل فرجهم. نطلب إلى اللّه  تعالى توفيق جميع المؤمنين لمراضيه وتجنتب ما يبغضه في كلّ مكان وحال. والسلام عليكم ورحمة اللّه  وبركاته

الأحقر محمد تقي البهجة

11 محرّم الحرام 1418.

 
 
یا ارحم الراحمین یا ارحم الراحمین یا ارحم الراحمین